2,676

بالرغم من التنوع الطائفي والمذهبي الكبير فيه، إلا أن لبنان كان من أكثر الدول العربية حظًا في توفير مناخ من الحريات السياسية والإعلامية والثقافية لجميع اللبنانيين، وحتى لضيوفهم من معارضي الدول العربية.

غير أن واقع اليوم يدلل على أن الأمر أشبه بذكريات للبنان مع الحرية، إذ هناك تكميم لأفواه ينال من كل ما يخالف شريعة ونهج تنظيم «حزب الله» الذي غرق في المقتلة السورية، والذي تزيده أيامه بالتورط في الشأن السوري تعنتًا ضد من يخالفه ولو بكلمة على شبكات التواصل الاجتماعي أو في البرامج التلفزيونية أو حتى من الدعاة والمواطنين العاديين.

«العمالة» أو «الدعشنة» للنيل قضائيًا من معارضي حزب الله

يتمكن «حزب الله» من تسويق تهمة العمالة لمعارضيه، ويستطيع هذا الحزب أيضًا الإيماء للقضاء اللبناني العسكري بالتعامل مع العمالة كتهمة حقيقة لهذا الشخص أو ذاك، ويوقن العديد من المراقبين اللبنانيين أن تهمة العمالة جاهزة لمن يتم تحويلهم إلى القضاء اللبناني دون أن يظهر حزب الله في الخلفية.

لقد تمت فبركة قضايا سجن وحوكم فيها العديد من المعارضين فقط بسبب تأييدهم للثورة السورية، ومساعدة النازحين السوريين، يمكننا الاستشهاد ها هنا بدايًة بقضية مفتي راشيا السابق الداعية السني «بسام الطرّاس» الذي أوقف في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بتهمة الانتماء لـ«تنظيم الدولة الإسلامية» حسب لائحة الاتهام أمام القضاء اللبناني، فقد طلبت النيابة العامة العسكرية توقيف «الطرّاس» للاشتباه بصلته بأشخاص نفذوا تفجيرات بلبنان.

وقد ربطت هيئة علماء المسلمين بين اعتقال الطرّاس الذي أفرج عنه لاحقًا ومناصرته للثورة السورية، وجاء في بيانها «أنّ الدولة تكيل بمكيالين، ففي وقت تسمح لمقاتلي حزب الله بالذهاب للقتال في سوريا وقتل شعبها، تعتقل شباب أهل السنة ورموزهم لمناصرتهم قضية المظلومين«.

وترى الكاتبة اللبنانية لينا فخر الدين  «أنّ الشيخ (المهضوم) رفع سقف خطابه ضد النّظام السوريّ وتدخّل حزب الله في سوريا، وكان من أوائل من جمعوا تبرعات نصرة للثورة السوريّة، كما
أخذ البعض عليه أنّه كان من أوائل المشايخ الذين عبّدوا الطّريق أمام زملائه لبناء علاقات جيّدة مع تركيّا، إذ كان من المتردّدين بشكل دائم إلى تركيا من أجل جمع التبرّعات للشعب السوريّ».

أما القضية الأخرى التي يمكننا ذكرها، فهي خاصة بالمحامي اللبناني ومدير مؤسسة «لايف» الحقوقية، نبيل الحلبي الذي اعتقلته قوى الأمن اللبنانية في مايو (أيار) الماضي، فقد خاض الرجل معركة «حامية الوطيس» بعد إدانته بتهمة «قدح وذم وزير الداخلية نهاد المشنوق»، فهو يعرف بمناصرته للثورة السورية، ومعارضته الشديدة لـ«حزب الله».

أما القضية التي يُتحدث فيها الآن عن بوارد انفراجة، فهي قضية المهندس اللبناني «نزار زكا» الذي اعتقل في إيران منذ 18 سبتمبر (أيلول) العام 2015، فـ«زكّا» الذي يحمل الجنسية الأمريكية اختفى في طهران بعد مشاركته في مؤتمر دعته إليه نائبة الرئيس الإيراني لشؤون المرأة والأسرة «شهيندوخت مولافردي»، بعد أن قدم ورقة عمل عن دور تكنولوجيا المعلومات في تمكين المرأة.

وحسب تقرير وكالة أنباء «نسيم» الإيرانية فإن «نزار زكا اعترف بالتجسس لصالح أمريكا والعمل على توسيع نفوذه داخل إيران عبر التقارب مع بعض التيارات السياسية لتقويتها وجعلها تتحكم بزمام الأمور»، وأضاف التقرير أن المهندس اللبناني «عمل على تشويه صورة حزب الله اللبناني والنظام السوري وساهم في اتهام سوريا باغتيال رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني الأسبق في 14 فبراير (شباط) 2005«.

ويعرف أن «زكّا» من ناشطي تيار «14 آذار» اللبناني المناهض لسياسات حزب الله المدعوم من إيران. يقول صحافي معارض رفض ذكر اسمه لأسباب أمنية لموقع «جنوبية»: «لا مصلحة إطلاقًا لإيران في خطفه، لكن الحرس الثوري يقدم خدمات أمنية لشركائه أو عملائه بالأحرى، في المنطقة، من باب تبادل الخدمات، فربما يكون هذا الشخص قد أصبح مصدر إزعاج لحزب الله، في المنطقة التي يعيش فيها في لبنان، وربما تأثيره يتجاوزها إلى مناطق أخرى، وقد يكون خروجه من التيار الوطني الحر المتحالف مع حزب الله قد أزعج هذا التيار فأراد تأديبه».

وتابع الصحافي القول «كان نزار زكّا ينتمي لتنظيم التيار الوطني الحر الذي يرأسه ميشال عون الحليف لتنظيم حزب الله، ولكنه بعد سفره إلى الولايات المتحدة الأميركية، غيّر قناعاته السياسية، وانتمى إلى فريق 14 آذار، وهذا هو السبب الرئيس لاعتقاله».

ضغوطات لإخضاع الإعلاميين

في السابع من مايو (أيار) العام 2008 تمكن مسلحين محسوبين على تنظيم «حزب الله» من اقتحام مبنى تلفزيون وجريدة المستقبل، وقاموا بقطع البث عن القناة وإرهاب العاملين فيها، هذا الحدث في نظر البعض ما هو إلا سياسة اعتمدها الحزب كسلاح لتكميم الأصوات الإعلامية المعارضة له في الساحة اللبنانية منذ وقت بعيد.

آخر فصول المعركة حتى لحظة كتابتنا لهذا التقرير، كانت تستهدف المذيع في قناة الميادين المؤيدة لنظام الأسد «سامي كليب» مقدم برنامج «لعبة الأمم»، فقد اتهم الإعلامي اللبناني على لسان السفير السوري في الأردن سابقًا «بهجت سليمان» بالعمالة للمخابرات الفرنسية.

جاء هذا الاتهام بسبب نشر كليب عدد من الرسائل مرفقة بطلبه من المتابعين بالتفكير لمعرفة ما إذا كان هناك مؤامرة على سوريا أم أنه واقع وحقيقة.

تقول الصحافية اللبنانية سلوى فاضل «هذا الخلاف البارز، يدل على أنه من غير المسموح لأي كان، مهما علا شأنه، أن ينتقد النظام السوري، أو أن يوّجه ملاحظاته له، ولو بُعيد انفضاح مجازره بحق شعبه، فالتهمة بالعمالة جاهزة دومًا، ولكن يا ترى ما هو موقف قناة الميادين؟ وهل ستعمد بسبب الضغط إلى إقالة  سامي كليب؟ وهل ستؤكد تبعيتها من خلال ذلك؟«، ومن ضمن أحد الرسائل التي نشرها كليب لمواطن سوري لم يذكر اسمه جاء فيها «الشعب فقد ثقته بالقيادة، بعد أن مات الآلاف في السجون ظلمًا، وبسبب الحصار والجوع ومنع الدولة أي شخص من انتقادها، وإلا فالتهم جاهزة والسجون بالانتظار».

ولا يمكننا التجاوز هنا عن معركة الإعلامية اللبنانية كارول معلوف مع حزب الله، وهي معركة دفعت معلوف قبل أيام لرفع قضية «ذم وتحقير» ضد إعلامي مناصر لحزب الله يدعى «علي حجازي».

فمعلوف التي لن ينسى لها حزب الله جرم «خدش صورة المقاومة لتبدو ضعيفة وذليلة» بعد إجرائها مقابلة متلفزة مع أسيرين من الحزب وقعا أسرى في يد جبهة النصرة في حلب، هاجمها حجازي في نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، وقال أنها ظهرت في برنامج يقدمه الإعلامي طوني خليفة بعد اشتراطها عدم استضافته، وقال حجازي «إن (معلوف) كاذبة وإرهابية وداعشية، وعلى علاقة بإرهابي سوري».

وتتواصل معركة معلوف مع «إعلام الممانعة» وأنصار حزب الله، اللذين لا يكفان عن اتهامها بـ«دعم الإرهاب« وقالت معلوف خلال مقابلة صحافية «نعم تعرضت لضغوطات من قبل الحزب وضغوطات من وليد عبود الذي منعني من الكلام عن الموضوع على الهواء، وقد وصلتني رسالة على هاتفي جاء فيها (إذا ما بتخافي على حالك خافي على أهلك)، ولكن يمكن أن ننظر لما حصل بإيجابية فهذا سيظهر أمام الرأي العام كيف يمارس حزب الله الضغوط على الإعلام»، وأضافت معلوف «هذه هي سياسة حزب الله في كمّ الأفواه ولم يبقَ صوت إعلامي حرّ في لبنان حتى (الإم تي في)، التي كانت صوت الحرية… خضعت!»

ويلاحق التنظيم باستمرار نشطاء شبكات التواصل الاجتماعي، حتى أن زعيم الحزب حسن نصر الله قال بأنّ «الموساد هو من يوجه هؤلاء المغردين»، بل وصل الأمر لاتهام موقع «جنوبية» بـ«التعامل مع الإسرائيليين، وبأنّ الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي هو المسؤول المباشر عن مواد الموقع»، وتقول مصادر لبنانية إن الحزب قام بإنشاء وحدة متخصصة تحت مسمى «جيش السباب والشتم» تتعقب الصحافيين اللبنانيين، وتشن هجمات سباب عليهم، بل تهددهم بالتزامن مع تشويه صورتهم وسمعتهم، وكان ضحية هذه السياسية أسماء يعرفها اللبنانيين جيدًا مثل الصحافي فداء عيتاني، والإعلامي نديم قطيش، والإعلامية ديما صادق.

الحزب ضد المعارضين الشيعة أيضًا

ما زالت أحداث يونيو (حزيران) عام 2013 باقية في الذاكرة، والتي وصلت لحد الصدام بين منتمين من «حزب الله» تصدوا لشيعة لبنانيين آخرين حاولوا إظهار اعتراضهم على تدخل الحزب في سوريا، وتحديدًا بعد إعلان الأمين العام حسن نصر الله أن حزبه «سيحارب مع الأسد حتى النصر».

إذ إن سياسة حزب الله طالت أيضًا وسائل الإعلام التي لا تكف عن تمجيد الحزب وحليفته إيران، حدث ذلك مع قناة «الجديد» التي شن ضدها حرب عندما أظهرت نشرة أخبارها نقد مبطّن إلى سياسة إيران في اليمن، منتقدة أداء (الحوثيين) الذي وصفتهم بأنهم لا يختلفون عن«تنظيم الدولة»، فسرعان ما وصفت القناة من قبل أنصار الحزب بـ«الخيانة الوطنية» و«الانتماء إلى الصهيونية»، ولم يتردد نجل حسن نصر الله «جواد» باستهداف القناة وابتكار «هاشتاغ» تحت عنوان (#دكان_الجديد) لمهاجمة القناة، بل طالب مديرة أخبار القناة «مريم البسّام» بأن تكتب بـ«قيمة المعاشين اللذين تقبضهما»، في تهكم صريح لكونها تحصل على راتباً ثابتاً من حزب الله إضافة لراتب من القناة التي تمولها إيران، وقال جواد إن «عليها الالتزام بتعليمات حزب الله كي يستمرّ الدفع لها أو أن تمشي من الجديد»، ثم عاتبها قائلًا «يوم تمدحوننا وتضربون بعرض الحائط الجميع، وعند الجد تسيئون وتظهرون جبنكم وحمقكم«.

ولا يتوانى الحزب في حال فشل محاولاته، عن إعلان الحرب على لقمة العيش للمعارض وتخييره بين التوقف عن انتقاد الحزب وبين لقمة عيشه، كما يشن حرب على الجمعيات التي يعمل فيها هؤلاء المعارضين، وتقول بعض المصادر اللبنانية إن الحزب «استحدث تكليف شرعي في محاربة أرزاق المعارضين له من البيئات الخاضعة لأحكام دويلته».

وتؤكد الكاتبة اللبنانية نسرين مرعب: «أن حملات الترهيب والتهديد والتشهير والتلفيق والتخوين، التي يتعرض لها اليوم معارضو «حزب الله» الشيعة، هي أكبر دليل على استعداد هذا الحزب للذهاب بعيداً في ممارساته الالغائية في محاولتها دفع الحزب لإعادة حساباته فيما يتعلق بالشأن السوري»، وتضيف «خائن وموساد وربما داعشي وإرهابي، فعلى هوى الحزب أنت مسيّر، وفي القوانين اللبنانية تنفذ شرائع حمورابي الحزب لا الدولة».

من جانبه يقول الكاتب اللبناني عديد نصار «في كل مرة كان الصوت المدافع عن الحريات في لبنان، يناهض ثورة الحرية في سوريا، يرتفع عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي تارة عاتبا وتارة أخرى مستغربًا مستهجنًا، فهل يجوز لمن يحارب داعش في سوريا أن يمارس ممارساته في لبنان؟» ويتساءل نصار «متى يفقه بعض اللبنانيين أن من يحارب الحرية في سوريا، سوف يحاربها في لبنان وفي كل مكان؟»

الحزب يلاحق السوريين في لبنان

لم يسلم السوريين على الأرض اللبنانية من حزب الله، فبالرغم من استسلامهم لما فرضه عليهم من خوف نالت منهم أيدي أنصار التنظيم بطشًا، وقبل يومين انتشرت في بلدة شقراء الجنوبية لافتات تدعو إلى إخراج السوريين من البلدة، وهي ليست المرة الأولي فقد سبق أن تمت الدعوة لطردهم من القرى الجنوبية والعكارية والشوفية بحجة الخوف من الإرهاب، لكن الصادم في الأمر أن هذا التحرك كان بشكل شبه رسمي، وقد أقر أحد المشاركين في الحملة أنها «مرخصة من قائم مقام بنت جبيل المعيّن من قبل قيادة الثنائية الشيعية أمل وحزب الله».

وهذا يعيدنا لما نال من العمال والموظفون السوريون الذين قدروا بأكثر من مليون عامل قبل العام 2005، قبل أن ينخفض عددهم إلى أقل من 150 ألفًا، فقد لحقت بهؤلاء عمليات استدعاء وتحقيقات واعتقال وتهديد لمنعهم من مساندة الثورة السورية، بل إجبارهم على التظاهر لصالح النظام السوري، وعكفت مكاتب الأجهزة الأمنية كحزب الله وحركة أمل في بيروت والبقاع والجنوب على استدعاء المواطنين السوريين العاملين في مناطقها لتذكيرهم بعدم الإتيان بأي تأييد للثوار السوريين أو التعرض للنظام السوري.

وفي قرار نوعي، تمكن القاضي اللبناني خالد العبد الله في السابع عشر من يناير (كانون الثاني) الماضي من إصدار قرار اتهام ضد خمسة أشخاص شكلوا عصابة لخطف المعارض السوري محمد ناصيف وتسليمه لتنظيم «حزب الله»، وطلب القاضي تحويلهم لمحكمة الجنايات، بعد أن تم في السابق إطلاق سراحهم، بالرغم من اعترافاتهم الصريحة، وهو ما أرجع إلى ضغوط مارسها الحزب على القضاء اللبناني.

ناصيف معارض واحد من ضمن مجموع من الضباط السوريين المنشقين عن نظام الأسد الذين خطفوا على يد عصابات حزب الله في لبنان، فقد سبق أن تحدثت شعبة «المعلومات» عن وجود خلية تعمل على اختطاف المعارضين السوريين من الأراضي اللبنانية، وتسليمهم إلى النظام السوري، بعد تهريبهم إلى الأراضي السورية، وتبين أن هذه الخلية تعمل تحت إشراف شعبة «الأمن السياسي» التابعة للمخابرات السورية، وهي مدعومة من حزب الله.

يقول المحامي اللبناني طارق شندب أنّ «قاضي التحقيق في زحلة أصدر قراراً باتهام خمسة أشخاص بتشكيل عصابة قامت بخطف الضابط السوري المنشق محمد ناصيف وتسليمه لميلشيا لحزب الله»، إذ يمثل حزب الله حسب مراقبين «ذراعًا أمنيًا للنظام، حيث يقوم بملاحقة السوريين المتواجدين في لبنان والتضييق عليهم أو خطفهم إن اقتضى الأمر».