ميرفت عوف

6

ميرفت عوف

6

1,874

في مناطق متقاربة جغرافيًا داخل سوريا، على النساء أن ينتبهن لطبيعة أزيائهن عند التنقل؛ ففي وقت يقررن الخروج من منطقة «ريف اللاذقية» التي يسيطر عليها تنظيم «الجيش الحر»، عليهن عند الانتقال إلى منطقة «ريف إدلب»، التي يسيطر عليها تنظيم «جبهة النصرة»، ارتداء العباءة، وتغطية الوجه، وعدم الاكتفاء بحجابهن العادي.

هذا تصور صغير لوضع الحريات في مناطق المعارضة السورية فبالرغم من أن الكثير تحدث عن حريات وحقوق المرأة السورية في هذه المناطق، إلا أن ما انتهج هو سياسة التعميم في تقييد الحريات، لكن على أرض الواقع الاختلاف هو سيد الموقف؛ فمدينة «منبج» التي خلعت نساؤها بالأمس البرقع، ليست كباقي المناطق التي تسطير عليها المعارضة السورية، هذا ما يؤكده لنا مجموعة من النساء والنشطاء تحدثت إليهم «ساسة بوست»، في التقرير التالي:

حكاية «الحريات» بعد الثورة السورية

في البداية، تحدثنا إلى المهندسة السورية «إشراق» (في العقد الثالث من عمرها)، قالت إنه في أول عامين من عمر الثورة السورية، لم يكن يحدث أية تدخُلات في شؤون وحريات النساء، وتعزو ذلك إلى أن هذه الفترة لم يكن فيها أي فصيل غريب؛ إذ كانت العناصر التي تحمل السلاح من الجيش الحر، هم من أهل المنطقة، دون سواهم.

تقول لـ «ساسة بوست»: «في هذا الوقت لم يكن هناك أي تدخلات، كل شخص له حريته وقناعاته، أما بعد عامين ونيف دخلت فصائل أخرى، وتحولت منطقة الجبل التي أعيش فيها لشيء يشبه مواقع تصوير «الفانتازيا» التاريخية، وتحورت الأهداف، وبات توقيف النساء بمنطقة معينة أمرًا معتادًا، وصارت توضع من قبل عناصر جبهة النصرة وتنظيم الدولة منشورات تطالب بالحجاب الصحيح، من وجهة نظرهم. تلك التدخلات كانت بشكل بارز في سلك التعليم والمحاكم».

وتتابع إشراق وهي مهندسة بيئية «في منطقتي الناجية، وداما، وضعوا محكمة، وحواجز على المداخل؛ للتضييق على النساء، بالرغم من أنهن يرتدين الحجاب، لكن كانت الاعتراضات على لون الحجاب وسعته، وفي إحدى الفترات جندوا نساء للهداية في السوق»، وعن تجربتها الشخصية قبل ستة شهور تقول إشراق «هؤلاء النسوة التابعات للنصرة طلبن مني في السوق ارتداء «العباءة» بأسلوب لم يحمل أي عنف، وبالرغم من عدم انصياعي للأمر إلا أنني ارتديت العباءة لاحقًا؛ بعد أن هددت المحكمة باعتقال ولي أمر من لم ترتد العباءة؛ لقد خفت على أبي».

«كوكتيل» حريات خلال رحلة قصيرة

«غطي وجهك يا أختي» هكذا طلب السائق من «دانيا» – 25 عامًا – عندما اقتربت سيارة الأجرة، التي تقلها من حاجز خاص بتنظيم «جبهة النصرة» في «إدلب». كانت دانيا ترتدي «جاكيت» وحجاب رأس لونه « تركواز» كما يسميه أهالي حلب، لم ترضخ دانيا لطلب السائق، وبقيت كما هي؛ لأنها ـ كما تقول ـ ترفض أن يجبرها أحد على فعل شيء لا تريده، وهي لا تريد أن «تنافق» بملابسها، حسب المنطقة التي تمر بها في الأراضي السورية.

تقول دانيا لـ«ساسة بوست» «مررت عبر ثلاث حواجز للنصرة، ولم يعترض أحد على لباسي، طلب مني السائق ذلك؛ خوفًا، ومبادرًة من نفسه لا أكثر» وتتابع الفتاة القول «في نفس الوقت لم أر أحد بدون حجاب في سرمدا بإدلب، التي تسيطر عليها جبهة النصرة».

تعرف دانيا، التي تعمل مدرسة لغة عربية، أن الأمر ليس محصورًا فيما يتعلق بتجربتها، فهي تسمع عن تشدد جبهة النصرة من نساء أخريات، هناك
قيود على تنقلات النساء، يمنع ظهورهن في الأماكن العامة دون محرم، فجبهة النصرة لها ما يميزها من حرص شديد على وجود المحرم مع المرأة أو الفتاة، أيضًا هناك تمييز في فرص العمل، تقول دانيا «تقدمت إحدى قريبات صديقتي للالتحاق بوظيفة في منطقة خاضعة للنصرة قالوا لها «تحجبي منيح وارجعي».

قبل أيام، تسللت الفتاة من حلب الشرقية، إلى حلب الغربية، حيث يقطن أهلها، ويسيطر النظام السوري على المنطقة، لذلك كان بإمكانها أن تعقد خلال حديثها معنا مقارنة بين الحريات الشخصية في مناطق المعارضة ومناطق النظام، تقول دانيا «في مناطق النظام الحرية مباحة، وما زالت غير المحجبة لها أولوية في كل شيء، في المؤسسات الحكومية والتعليمية. المسابح، والمقاهي تشرب فيها المرأة النرجيلة، ويُنظر إلى المشهد باعتباره أمرًا عادي للغاية، كما لا تزال التجمعات الدينية محظورة، وتتعرض المنقبة إلى مضايقات على حواجز النظام من قبل الشبيحات»، وتوضح دانيا أن ذلك بعكس مناطق المُعارضة، التي هي من الأساس ذات تدين وتمسك بالتقاليد والعادات أكثر.

الحواجز تحدد هوية لباس المرأة

بعد عامين من التواجد في مناطق تنظيم «الجيش الحر»، قررت «جهان» – 30 عامًا – ارتداء الحجاب، هل كان الأمر خوفًا من هذا التنظيم؟ تجيب جهان «لا، لم يكن خوفًا، قرار الحجاب جاء لأني قررت البقاء هنا»، وهذا أفضل بالنسبة لي. تتابع القول «في قرانا بريف اللاذقية يتواجد الجيش الحر، ارتداء (البنطال) أمرًا عاديًا، المجتمع نفسه قبل الثورة في هذه المناطق محافظ، ونادرًا ما ترى هنا فتيات غير محجبات، أما إذا ما أردت الذهاب إلى منطقة الناجية بريف إدلب، حيث جبهة النصرة، فعلي أن ارتدي العباءة؛ لأن هناك حاجزًا: ممنوع الدخول، إلا لمن تلبس الزي الشرعي والخمار».

وتشير جهان خلال حديثها لـ «ساسة بوست» إلى أن «الحسبة» التابعة لجبهة النصرة، لا يتحدث عناصرها لسيدة «غير ملتزمة» بالزي الشرعي مباشرًة، بل يتم الحديث مع المحرم، يخبرونه أنه يجب الالتزام بالزي الشرعي؛ لأن غير ذلك فتنة، لن تنسى جهان ما حدث معها عندما كانت برفقة ابنة عمتها، ومرت بهما سيارة لعناصر من جبهة النصرة، تقول جهان «نزل أحدهم من السيارة، وأعطي الشماغ خاصته إلى ابنة عمتي؛ حتى تضعه على رأسها»، تتابع : «لم يزعجها، بمنتهى الأدب أخبرها أن شعرها يجب أن لا يراه أحد».

وتروي لنا جهان قصة أحد أمراء «أحرار الشام»، الذي أوقفته عناصر النصرة، عندما أراد الدخول إلى منطقة «الناجية»؛ لأن زوجته ترتدي «جاكيت» وليس نقابًا و جلبابًا كاملًا، ووسط إصرار كلا الطرفين على موقفه، تم اللجوء للمحكمة الشرعية، التي أمرت بإغلاق الحاجز. ولا ينسى السوريون أيضًا حاجز النصرة في «الغريا الغربية» بدرعا؛ إذ يمر عبره كل من يريد الوصول لمدينة درعا، من موظفين وطلاب مدراس وجامعات وغيرها. على هذا الحاجز يتلف عناصر النصرة «التبغ والنراجيل ومعداتها»، كما يمنعون كل امرأة لا ترتدي اللباس الشرعي أو تضع «المكياج»، من المرور على الحاجز.

«منبج» تتحرر من نقاب تنظيم الدولة

تضج الآن وسائل الإعلام بصور أهالي «منبج» الواقعة شمال سوريا، وهم يحلقون اللحى، ويحرقون البراقع، حدث ذلك مباشرة بعد تحرير المدينة من «تنظيم الدولة» على يد قوات سوريا الديمقراطية، منبج كأية منطقة سيطر عليها التنظيم، فرض فيها على النساء تغطية وجوههن، وعلى الرجال إطلاق اللحى.


يقول أهالي المدينة، إن التنظيم فرض على بناتهم ارتداء الحجاب في مرحلة الصف الأول الابتدائي، وولي الأمر الذي لا يلزم بناته بذلك مهدد بقطع الرأس، أما البنات في المرحلة الإعدادية، فقد أجبرن على ارتداء النقاب، وإن لم يفعلن يهددن بالزواج من أحد عناصر التنظيم.

نساء المدينة في الغالب محجبات قبل سيطرة التنظيم، أما النقاب الذي فرضه التنظيم عليهن فهو غير مقبول بالنسبة إليهن، نساء منبج يتبادلن أيضًا الحديث عن أوضاع لا تطاق بالنسبة لهن، كأن يوقف التنظيم إحداهن وهي منتقبة؛ لأنها وضعت نظارة شمسية، طلبوا منها ترك الأمر؛ لأنه «تشبه بالكفار».

يقول الناشط السوري «محمد مصارع» «لدينا داعش دينية، وداعش ماركسية، الأولى عربية، والثانية كردية»، ويشير لـ «ساسة بوست»، أن تنظيم جبهة النصرة يتشدد في اللباس المحتشم، بدون فرض النقاب، وهذا ثابت لدي التنظيم منذ البداية، لذلك يعتبره أقل وطأة من تنظيم الدولة، لأنه يحاول أن يقترب من الحاضنة الشعبية، ويضيف مصارع الذي درس ‏التاريخ في جامعة حلب «تنظيم الدولة قيد الحريات بشكل أكبر من غيره من التنظيمات المتصارعة في الأراضي السورية».

تعميم أمر تقييد الحريات «غير واقعي»

في ديسمبر (كانون الأول) من العام 2013 أصدرت منظمة «هيومن رايتس ووتس» تقريرًا جاء فيه أن «الجماعات المسلحة المتطرفة، مثل «جبهة النصرة»، و«تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام»، قد فرضت تفسيراتها للشريعة؛ إذ تطالب السيدات والفتيات بارتداء الحجاب والعباءة، مع التهديد بمعاقبة من لا تلتزم». وذكر التقرير أنه في بعض المناطق تفرض هذه الجماعات إجراءات تمييزية تحظر على النساء والفتيات، التنقل بحرية في الأماكن العامة، والعمل، وارتياد المدارس.

تعتقد الإعلامية السورية «آلاء محمد» أن المؤسسات الدولية بالغت في أمر تقييد الحريات، أو على الأقل عممت الأمر على جميع مناطق المعارضة السورية، وهذا غير صحيح، تقول: «هناك مبالغة في الأمر، خاصة أن غالبية المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، من الأصل نسائها محافظات ويرتدين الحجاب، فالمناطق الريفية متدينة، والغالبية فيها يلبسن الحجاب»، وتتابع «كل فصيل له سياسته، هناك من يدقق ويضيق، وهناك من لا يهتم بتلك الأمور».

وتضيف آلاء لـ «ساسة بوست»: «هناك مبالغة في الحديث عن تقييد الحريات في مناطق المعارضة، يستثنى من ذلك مناطق جبهة النصرة المتشددة في ريف إدلب وتنظيم الدولة»، وتتابع «في مناطق الجبهة، تسمع بعض الحكايات التي تنم عن حرص العناصر على إلزام الناس بلبس معين. يتم التدقيق على لبس الجواكيت الطويلة، وعلى الحواجز قد تتعرض العناصر لنساء تضع المكياج، فيطلبون منها غسل وجهها، ويخبرونها بأنهم لا يريدون نساء متبرجات».

تعليقات الفيسبوك