يُعد العمل الحر نموذج العمل الحديث للعصر الحالي من الألفية الجديدة. فكما شكّل الفنانون ملامح عصر النهضة، والمهندسون الثورة الميكانيكية، يشكّل المستقلون الآن الثورة التكنولوجية التي تعتمد على أعمالهم بشكلٍ كبير. بالتأكيد شركات مثل أبل، وميكروسوفت، تعتمد في أعمالها ومهامها على موظفين بدوامٍ كامل في التخصصات المختلفة، لكن حينما نتحدث عن الإنترنت وصناعة التكنولوجيا بشكلٍ عام، فإن معظم المهام التي تشكّل تلك الصناعة تتم من خلال المستقلين بالمقام الأول.

معظم المشروعات الريادية المرتبطة بالإنترنت والصناعات التكنولوجية في بدايتها تحتاج إلى تمويلٍ هائل من أجل الحصول على مقرٍ للعمل، موظفين بدوامٍ كامل، وغيرها من الاحتياجات التي يصعب الحصول عليها نظرًا لصعوبة التمويل. لذا يلجأ روادّ الأعمال وأصحاب المشاريع إلى تقليل نسبة التكاليف الناتجة عن أشياء ليست هامة، عن طريق الاستعانة بالمستقلين من أجل العمل على المشاريع المختلفة، الأمر الذي ينتج عنه تقليل نسبة المصاريف، وزيادة نسبة العائد.

الإنترنت والصناعة التقنية

حينما يكون الحديث عن الإنترنت بشكل عام، فإن الانطباع الأول لمعنى الكلمة لدى المستخدمين يصبح ممثلًا لمواقع الإنترنت بشكل عام. وبالتأكيد ليس الوضع قاصرًا على المواقع الشهيرة مثل فيسبوك، تويتر، ريديت، أو مواقع الشركات مثل موقع كوكاكولا، أبل، ميكروسوفت وغيرها، بل في الواقع يقترب عدد المواقع المتاحة على الإنترنت من المليار موقع. كل تلك المواقع تحتاج إلى من يستطيعون القيام بمهام البرمجة، صناعة المحتوى، التسويق الإلكتروني، التصميم والجرافيكس. وبالتأكيد هذا العدد الهائل من المواقع لن يستطيع تحمل تكلفة الحصول على موظفين بدوامٍ كامل، لذا يلجأ أصحاب المواقع إلى الاستعانة بالمستقلين عن طريق مواقع العمل الحرّ للقيام بإنهاء كافة المشاريع الخاصة بمواقعهم في أسرع وقت ممكن وأقل تكلفة ممكنة.

الأمر ذاته في الصناعات التقنية مثل تطوير تطبيقات هواتف المحمول، حيث يتجاوز عدد تطبيقات أندرويد 1.5 مليون تطبيق، في حين يتجاوز عدد تطبيقات أبل 1.4 مليون تطبيق. معظم تلك التطبيقات أيضًا يتم تطويرها من خلال المستقلين وليس من خلال الموظفين بدوامٍ ثابت.

العمود الفقري للإنترنت

أغلب الأعمال الصغيرة والمتوسطة التي تساهم في صناعة كل شيء تقريبًا على ساحات الإنترنت، تعتمد في أساسها على المستقلين والعمل الحر، حيث يُعد العمل الحر هو العمود الفقري لتلك الأعمال. يقول “فابيو روساتي” المدير التنفيذي لموقع elance أشهر مواقع العمل الحر، إن طلبات الوظائف على الموقع تجاوزت المليون وظيفة في عام 2012، في حين أنها تجاوزت الـ650 ألف وظيفة في 2011.

أكثر المهام الوظيفية التي تم طلبها كانت ترتبط بالبرمجة، الكتابة، الترجمة وصناعة المحتوى، التصميم، وأيضًا تطوير تطبيقات الهاتف المحمول. العمل الحرّ يشكل إذًا عددًا هائلًا من الوظائف التي يتم استهلاكها، لكن هناك سؤالًا هامًّا دعنا نطرحه، ما الذي سيحدث إذا توقف جميع المستقلين فجأة عن العمل؟

دعنا نفترض أن جميع المستقلين قاموا فجأة بترك الأعمال التي يقومون بها عن بعد من خلال الإنترنت، وقرروا التوجه إلى حياة آمنة وأكثر ثباتًا من خلال الوظائف الثابتة والتقليدية بدوامٍ كامل، ما أسوأ شيء يمكن أن يحدث في تلك الحالة؟

ستموت أغلب المدونات ومواقع صناعة المحتوى!

جميع مواقع صناعة المحتوى المعرفي أو الإخباري سواءً الدولية مثل هافينجتون بوست، نيويورك تايمز، بيزنس انسايدر، وغيرها، أو العربية مثل ساسة بوست، أكاديمية حسوب، وغيرها من المواقع التي تقوم بنشر المحتوى الخاص بها على الإنترنت ستتوقف جميعها على الأغلب في حالة توقف المستقلين عن العمل. السبب في هذا أن تلك المواقع والمدونات تقوم بإنتاج عدد هائل من المحتويات في جميع التخصصات والمجالات عن طريق المتخصصين أو المستقلين الذين يشاركون في محتوى تلك المواقع عن طريق العمل عن بُعد أو العمل بالقطعة من خلال الإنترنت. فقط محتوى ضئيل جدًّا يقوم بتقديمه الموظفون بدوامٍ كامل على الإنترنت، أما الجزء الأكبر من المحتوى فيتم تقديمه من خلال المستقلين في كافة مجالات الكتابة وصناعة المحتوى. وفي الأغلب فإنه لا يوجد مدونة لديها القدرة على تعيين موظفين بدوامٍ كامل من أجل كامل المحتوى الذي تقوم بإنتاجه وتغطيته على الإنترنت.

التصميم: عودة إلى بداية التسعينيات

حسنًا، وكالات وشركات التصميم لديها أعداد لا بأس بها من المصممين الموهوبين الذين يعملون بدوامٍ كامل، وفي الأغلب لن يتأثروا في حالة توقف المستقلين عن العمل، بل ستتحمل تلك الشركات وتستطيع الإكمال نظرًا لوجود الفروع الخاصة بها، وعرض وتقديم خدمات التنمية، بالإضافة إلى حاجة الشركات الأخرى إلى وكالات التصميم والدعاية مما يضمن وجود مبالغ وعوائد مادية جيدة إلى تلك الشركات تساعدهم في البقاء.

لكن في واقع الأمر، وفي الوقت الحالي، فإن أغلب المصممين مستقلين عن طريق العمل الحر، بالإضافة إلى أنهم يقومون بعرض كافة الخدمات التي تقدمها شركات ووكالات التصميم والإعلان بجودة أعلى وتكلفة أقل بكثير مما يمكن دفعه. على سبيل المثال يحتوي موقع 99designs على أكثر من مليون مصمم يقومون بالمنافسة على أكثر من 400 ألف تصميم، في حين تتجاوز المدفوعات الشهرية للمصممين المستقلين أكثر من 2.3 مليون دولار.

تخيّل فقط في حالة توقف هذا الموقع والمشتركين به عن العمل، بجانب المستقلين على المواقع الأخرى، حينها سنعود إلى بداية التسعينيات، حيث ستصبح التصميمات ذات كلفة عالية للغاية تقوم بها شركات الدعاية والإعلان فقط، فضًلا عن تضخم وزيادة الأسعار التي سيجب على الشركات دفعها من أجل الحصول على الدعاية الخاصة بها.

متجر جوجل وأبل

يحتوي متجر جوجل على أكثر من 1.5 مليون تطبيق، بينما يحتوي متجر أبل على أكثر من 1.4 مليون تطبيق. معظم تلك التطبيقات يتم تطويرها من خلال مستقلين عن طريق العمل الحر. نعم هذا الأمر يسمح بوجود بعض التطبيقات الساذجة والتي لا هدف من وجودها، لكن على الجانب الآخر هناك أرض خصبة تسمح للمطورين المستقلين بإضافة جميع أعمالهم، الأمر الذي سمح بوصول التطبيقات إلى هذا العدد.

كم من الأموال سيخسرها العالم؟

العمل الحر يشكّل وسيلة هامّة ضمن وسائل زيادة ورفع اقتصاد الأمم، نظرًا للملايين التي يساهم العمل الحر في توفيرها سواءً للمستقلين، أو لأصحاب المشاريع. على سبيل المثال، وعلى الصعيد الدولي 14.9 مليون عامل في الولايات المتحدة هم من العاملين لحسابهم الخاص، والمستقليّن. أيضًا تبلغ نسبة التعاملات المالية على موقع upwork أكثر من مليار دولار بشكلٍ سنوي. أما على مستوى العربي فقد تجاوزت مبيعات موقع خمسات خلال عام 2013 المليون دولار حسب تصريحات عبد المهيمن الأغا المدير التنفيذي لشركة حسوب.

[c5ab_embed_twitter c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://twitter.com/aalagha/status/515153864605986816″ ]

كيف تساهم في تلك الحركة الثورية؟

نعم العمل الحرّ له أهمية قصوى، والمستقلون عليهم الافتخار بالدور الذي يقومون به لتطوير عصر التقنية وعصر الإنترنت، فبدون المستقلين وبدون العمل الحر، سنعود إلى عصر التسعينيات حيث تصبح المواقع ذات تصميمٍ سيء، عدد قليل من المواقع، وعدد أقل من تطبيقات الهاتف، فضلًا عن ندرة المحتوى الذي سيعاني منه الإنترنت.

الآن، إذا كنت مهتمًا بإحداث مزيدٍ من التغيير، والمشاركة في تطوير عصر الإنترنت، يمكنك البدء في هذا الأمر عن طريق العمل الحر. يمكنك تعلم مبادئ العمل الحرّ، أو تعلم المزيد عن بعض المهارات التي يمكنك العمل بها مثل البرمجة، صناعة المحتوى، الجرافيكس، التسويق، وإدارة الأعمال من خلال أكاديمية حسوب التي تقدم دروسًا ومقالات تعليمية عالية الجودة في تلك المجالات.

أما إذا كانت لديك بعض الخدمات والمهارات التي تستطيع تقديمها، يمكنك البدء في عرض خدماتك على العملاء والمشترين من خلال موقع خمسات الذي يمثل سوقًا عربيًّا ضخمًا لبيع وشراء الخدمات المصغرة. أو يمكنك البحث عن مشاريع للالتحاق والعمل بها من خلال منصة مستقل التي تساعد في ربط المستقلين والباحثين عن عمل حر مع أصحاب الأعمال والمشاريع الراغبين في البحث عن من يقومون بإنجاز أعمالهم بأسرع وقت، وأحسن كفاءة، وأفضل سعر.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد