قوني، فتاةٌ ألمانية وجدت نفسها بعد التخرج بين زملاء لا هَمَّ لهم إلا البحث عن وظيفة تقودهم إلى الاستقرار، سمعت الكثير من الكلمات، وفي النهاية قررت أن تحمل حقيبتها لتسافر بعيدًا عن ألمانيا؛ كي تستمتع بالحياة وترى شيئًا جديدًا، بعد فترة اضطرت للعودة إلى ألمانيا وتم قبولها في عمل ما، المفاجأة كانت أن قوني قررت بعد فترة من قبولها في الوظيفة أن تترك عملها، لسبب بسيط لا يفعله إلا “مجنون” أو “مغامر حقيقي” مثلها، وهو نفسه السبب الذي جعلها لاحقًا تصبح صاحبة أشهر مدونة في مجال السفر والعمل الحر في ألمانيا، ثم بعد ذلك جعلت القنوات والمجلات تتسابق إليها لتكتب عن أسلوب حياتها، فما السبب وما الحكاية؟

الحرية!

بلا شك، فإن الكثيرين منّا يتخيلون ألمانيا جنّة من جنان الله على الأرض، ولكن قوني تُحاول أن تثبت بأن الكون كُله جنّة، فبعد أن تم قبولها، راحت تتأمل حياتها حتى بدا لها أنه من المستحيل أن تعمل في وظيفة كتلك، لم تتخيل كيف بإمكانها أن تكون في المكتب من التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً، فهذا برأيها انتهاك للحرية الإنسانية كما تكتب في مدونتها “لماذا عليك أن تقدّم استقالتك الآن وتخرج للسفر حول العالم؟ ” وفي حديثها عن شعورها وهي تتفكر في الوظيفة الجديدة كتبت: 22″ يوم عطلة فقط؟ اللعنة! ثم هل سأفعل هذا للأربعين عامًا القادمة؟ اللعنة اللعنة اللعنة”. هذه الأفكار جعلتها تحزم أمتعتها لتضعها في حقيبة ظهر تمكنها من التنقل بسهولة بين بلاد العالم وتذوق الحياة بعيدًا عن عبودية الوظيفة، وتؤكد في نفس المدونة أن السفر يجعل الإنسان أقوى، ويمكنه أن يجد أماكن للعيش أرخص من بلده، وكذلك يُمكنه التعرف على شخصيات جديدة وحضارات جديدة، وأهم شيء بالنسبة إليه أنه يتيح لها الاستيقاظ متى أرادت، وبدون منبه يزعجها كُل صباح!

والأهم من كُل هذا إيمانها بالحكمة القائلة: ليس هناك سبب يجعلك تفعل شيئًا تكرهه، لا شيء!

بدوية ولكن رقمية!

الحقيقة أن أكثّر ما يميز قوني وأمثالها، أنها تعتبر نفسها بدويّة ولكن بدوية من طراز مختلف، فقد استطاعت أن تجعل كُل ما تمتلكه يدخل في حقيبة واحدة تحملها على ظهرها إلا أن بداوتها تعتمد بشكل أساسي على التكنولوجيا، فكيف ذلك؟ ببساطة تقول قوني إن البدوي الرقمي هو إنسان يستطيع تسخير التقنية في مصلحته، وبالتالي يُمكنه بمساعدة الحاسوب المتصل بالإنترنت أن يعمل من أي مكان في العالم، سواء كان يجلس في غرفته أو في المقهى أو حتى على الشاطئ، وفوق هذا يمكنها أن تحظى من مميزات تقاضي الأموال باليورو وتحويلها للروبية الهندية أو البهت التايلندية وهو ما يسمح لها أن تعيش حياة راقية بدون الكثير من التعب!

للمزيد حول هذا الأمر، اقرأ: Digital nomad

كيف كانت البداية؟

تُفصّل قوني في مدونتها 20 خطوة جعلتها تصل إلى ما وصلت إليه والمسألة ليست وردية؛ فهي تعترف أن “كُل شيء سيبدو مستحيلًا، حتى تقوم به وحينها فقط سيبدو كيف أنه كان ممكنا!”.

أهم ما مرت به في تجربتها، أنها وبعد أن قامت بمطالعة “كل شيء” في مجال العمل المستقل والأعمال الإليكترونية وكذلك التوظيف عن بعد، باتت لديها قناعة بأن تحقيق أحلامها لن يكون بدون مشروع ربحي إليكتروني، وكي تبدأ بهذه المغامرة؟ لم تقم بترك كُل شيء فجأة، ولكنها بدأت بادخار مبلغ من المال يتيح لها العيش لفترة 3 إلى 6 أشهر حتى تتمكن من تحقيق أرباح جيدة من “العمل الحر” وفي نفس الوقت قررت أن تقلل من ممتلكاتها واستهلاكها “المشتريات” إلى أقل حد ممكن لدرجة أنه كان بوسعها أن تضع كل ما تملك في حقيبة واحدة فقط!

في هذا الوقت كانت أيضًا تتدرب أكثر وأكثر على المهارات التي ستجني الأموال من خلالها مثل “التدوين وعمل مواقع التواصل الاجتماعي” وجعلت تُركز تفكيرها على طرق الربح التي لا تحتاج للكثر من العناء وتدشين موقع إليكتروني مهني يليق بطموحاتها وكل هذا وهي تمارس عملها التقليدي حتى جاء موعد الإعلان عن “الاستقالة”.

4 ساعات عمل فقط!

قبل أن تترك عملها، كانت قد بدأت بتقديم خدماتها بشكل مجاني لمعارفها، وهو ما أمكنها أن تحظى بشبكة علاقات جيدة، لتبدأ مشاريع فعلية في مواقع التواصل الاجتماعي، التدوين وإدارة المواقع والترجمة.

بعد أشهر قليلة فقط من العمل في برلين، قررت أن تبدأ مشروع أحلامها بالسفر والعمل حول العالم، فوضعت “مكتبها” في حقيبة على ظهرها وانطلقت إلى إندونيسيا وتايلاند وبدأت بتدوين تفاصيل رحلتها ومغامراتها في موقعها Planet Backpack الذي بدأ يحظى بسمع ممتازة في ألمانيا وبدأ يدرّ عليها دخلًا إضافيًا، وهكذا انطلقت في رحلة شهرين إلى المكسيك كانت تعمل فيها كذلك عن بعد.

المزيد من الاحتراف جعلها تعمل في مشاريع مع جهات “مُحترمة” جعلها تقلل من حجم أعمالها لتكتفي بما يأتيها من أرباح، وقد استطاعت الوصول إلى المرحلة التي كانت تحلم فيها بالعمل 4 ساعات أسبوعيًا، نعم أسبوعيًا وليس يوميًا!

421315271قوني ليست وحدها!

مخطئ جدًا من يظن أن قوني وحدها، صحيح أنها تتميز في حكاية “البداوة الرقمية” إلا أن العمل من خلال الإنترنت من أي مكان في العالم، يُعتبر من التوجهات التي دخلت العالم العربي بقوة في الآونة الأخيرة، والفرص فيها كثيرة، حيث توجد اليوم الكثير من المنصات العربية، التي تحظى باهتمام بالغ من قبل آلاف الشباب المهتمين، ويؤكد عمرو النواوي في كتابه “دليلك المختصر لبدء العمل عبر الإنترنت” أن عدد مستخدمي موقع خمسات لخدمات العمل الحر يصل إلى 300 ألف مستخدم، كما يشير إلى الكثير من النماذج الناجحة في هذه المواقع في مجالات البرمجة والتصميم وصناعة المحتوى المتخصص، ويؤكد في كتابه أن كُل شخص في عالمنا العربي والذي يُعاني من البطالة يُمكنه أن يخلق له الفرص، ويستشهد بحكاية شاب سوري يقدم خدمة بسيطة بـ 5 دولارات مقابل تقديم استشارة – الاستشارة فقط- لمن يرغب بقضاء العطلة في إحدى المدن التركية، وهذ مؤشر واضح، أن كُل عربي لديه المهارات ولديه الرغبة الجامحة بالعمل من خلال الإنترنت، فإن الشبكة تعج بمواقع العمل الحُر، وكل ما علينا هو أن نبدأ بالبحث عنها!

عرض التعليقات
تحميل المزيد