ليس من السهّل أن تصدق وأنت تتعامل مع «عبد الله أقرشت»، أن عُمره ليس إلا 15 عامًا؛ فهو من ألمع المُستقلين في العالم العربي، ولديه رتبة «بائع مميز»؛ فلديه خبرة عام ونصف في «الفوتوشوب» ومعرض أعماله على موقع «بيهانس» زاخرٌ بالأعمال المميزة، وقد وصل عدد عُملائه إلى أكثر من مائة شخص من مختلف أنحاء العالم العربي، كُل هذا، وهو لا يزال في «الصف التاسع» ويعيش حياة طبيعية، كطالب في المدرسة، مثله مثل أي طالب آخر، ولكنه استطاع التألق والتفوق في سوق، ليس من السهل خوضه، بالنسبة للكبار، إلا أنه خاضه، وحقق فيه نجاحات كثيرة، وشيء من الدولارات.

من المدرسة إلى العمل الحُر

مع أن عُمره كان حوالي 9 أعوام عندما شغّل الحاسوب لأول مرّة في حياته، إلا أنه لم يستغرق الكثير من الوقت، حتى قرر الخوض في «عالم الكبار»؛ ليُطلق أولى مُدوناته الإليكترونية، بعد عامين فقط، أي في جيل 11 عامًا، وكان اسمها «ماروك سوس» وكان يطرح فيها شروحات وأخبار تقنية، وقد بلغ عدد ما نُشر فيها 200 موضوع تقني، قام بزيارته أكثر من 50 ألف زائر، وكانت تلك «مُجرد البداية» و«فاتحة الخير».

يؤكد عبد الله أقرُشت أنه كان محظوظًا بأنه وجد حوله الكثير من أبناء عائلتهُ المُهتمين بالعمل الحُر على الإنترنت، فمنهم من يعمل في التدوين والبعض في الحماية، وهؤلاء، لم يبخلوا عليه بالنصائح، ولا حتى بتدريبه على المهام الأساسية، والإجابة عن كُل ما كان يدور في ذهنه من أسئلة، وبالتالي فهو يرى أن لهم فضلًا عظيمًا عليه في كُل ما يحقق حتى اليوم في الإنترنت.

لم يكتف عبد الله فيما علّمه إياه أقاربه فقط، بل شرع يبحث في الإنترنت عن منصة يعرض فيها خدماته؛ كي يبدأ بالربح الفعلي مما يقوم به من أعمال؛ حتى تعرّف على موقع خمسات في أواخر سنة 2014، وبالصدفة فقط، إلا أنه يعترف أن خبرته في تلك الفترة، لم تكن «كافية»، كما أوضح لنا، «
لم تكن لدي الخبرة الكافية، التي ستمكنني من تقديم خدمات كاملة في التصميم، وتحقيق الربح
». لذلك قرر أن يبدأ بتدريب نفسه بشكل «احترافي» في مجال «التصميم الجرافيكي».

في مدرسة «يوتيوب»!

بالنسبة لعبد الله، فقد كان جليًا مُنذ البداية أن الإبداع لا يكون، إلا فيما يُحب، ولهذا اختار التصميم الجرافيكي، وبدأ بمتابعة أعمال المُصممين المُحترفين في المجال، هذا غير أنه حاول الاستفادة من خبرات من حوله، من أهل مدينته «تيزنيت» المغربية، كأستاذ التربية البدنية في مدرسته، وهو صاحب خبرة واسعة في الفوتوشوب، تصل إلى 10 اعوام.

ولأنه كان يطمح للاحتراف، فلم يكن ليكتفي بدروس أستاذه، ولا مراقبة أعمال المُحترفين فقط، فقد كان يُتابع بعض القنوات التعليمية على «يوتيوب»، ولم يكن هذا سهلًا بالنسبة له، بل كان يُعاني حتى يُشاهد هذه الدروس؛ وذلك لأن الإنترنت في منزله كان بطيئًا، وبالتالي كان يضطر للخروج إلى مقهى الإنترنت؛ إذ يقوم بتنزيل الدروس والفيديوهات التعليمية حول برنامج «الفوتوشوب»، ثم يعود إلى المنزل؛ ليبدأ مشاهدتها، ويتعلم، ويُطبق دروسه الجديدة، ولا زال يفعل هذا حتى اليوم، ولكنه لم «يشبع»؛ فالآن، وبعد عام ونصف من الخبرة في «الفوتوشوب»، يُفكر عبد الله في بدء دراسة برنامج Illustrator.

كل هذا الشغف بالتصميم، لم يمنع عبد الله من أن يستمر في القيام بواجباته المدرسية على أكمل وجه كما أكّد لنا، وأضاف أن دراسته لا يوجد فيها أية مشاكل، وأن معدله «حسن جدًا»، والفضل في هذا يعود إلى إدارة الوقت؛ فهناك وقت للمدرسة، وهناك وقت لحل الواجبات المدرسية، كما أن هناك وقتًا للعمل الحُر.

أكثر من مائة زبون

مع أن عُمره 15 عامًا، إلا أنه يحمل رُتبة «بائع مميز» في موقع خمسات للخدمة المصغرة؛ بعد أن قام ببيع حوالي 115 خدمة لأكثر من 100 زبون من العالم العربي، وذلك بعد أن اجتاز أهم وأصعب عقبة بالنسبة لأكثر المستقلين، وهي «بيع أول خدمة»؛ إذ استغرق الأمر معه حوالي ثلاثة أشهر.

بعد ثلاثة أشهر من الصبر والترقب، كان شعورًا مميزًا بالنسبة لعبد الله، الذي أخبرنا «كانت فرحة لا توصف في ذلك الوقت، فقد كان التقييم 100%، وهو ما شجّعني على تحسين خدماتي ومستواي في التصميم؛ لأصل إلى ما وصلت إليه اليوم»، ويُضيف «والصراحة أن المبالغ التي ربحتها مكنتني من الاعتماد على نفسي في الكثير من الأمور في حياتي الشخصية.. والقادم أفضل بإذن الله تعالى».

وعن كيفية كسبه لكُل هذا العدد من العُملاء فليس في الأمر شيء مُعقد، كما يرى، ولكنه يشير إلى أنه «من الضروري مناقشة تفاصيل التصاميم التي يرغب بها عملائي معهم، فعندما يكون تواصلي معهم مناسبًا وراقيًا.. فسوف يساعدني ذلك على إبقائهم سعداء؛ مما يُسهل علي العمل معهم، بدون أية مَشاكل بالتأكيد».

نصائح مُحترف

كمدوّن يهتم عبد الله اُقرُشت بمشاركة تجاربه مع الآخرين، وله مدونة في «كيفية بيع الخدمة الأولى على خمسات»؛ باعتبارها أصعب المشاكل التي تواجه المستقلين، وهي نصائح من وحي تجربته، كما ينصح عبد الله بضرورة اللجوء إلى منصات، مثل «خمسات» والتي ساهمت بشكل كبير في تحسين مبيعاته، والتسويق لأعماله.

ويُؤكد أن «الجميع يمكن أن يشتغل في العمل الحر؛ فكل ما يلزمك هو حاسوب، ولو كان بسيطًا، وبميِّزات محدودة، واتصال بالإنترنت، ورغبة في التعلم، والعمل، والإبداع بالتأكيد». أما عن السبب في عدم لجوء الكثير من الشباب لمجال العمل الحُر، فيقول « أعتقد أن سبب عدم عمل الكثير من الطلاب في سني بهذا المجال، هو غياب الوعي بأهمية العمل الحر».

وأما الخطوة الأولى نحو العمل، فينصح «يجب أن تعمل فيما تحب أن تتعلمه وتتقنه؛ كي تستطيع تقديم خدمات متقنة على أكمل وجه»، كما أنه ليس هناك طريقة لمواجهة صعوبة تحقيق أول «خمسة دولارات» إلا الصبر، والمثابرة، والتفكير الإيجابي، وعدم الخوف من الفشل.

وفي الختام، فإن لعبد الله نصيحة، يُمكن أن تعتبر خلاصة كُل ما تعلّمه منذ لحظة اكتشافه لموقع خمسات، حتى يومنا هذا، ويقول فيها « عليك أن تكون صريحًا في ما تقدمه.. وتلتزم بالمواعيد، ولا تنهي الخدمة، إلا إن كان المُشتري راضيًا عنها 100%؛ لتبيّن له أن المهم بالنسبة لك هو رضاءه عن خدماتك، وليس المال فقط!»

عرض التعليقات
تحميل المزيد