خاضت فرنسا الثورية ست حروب في عصر نابليون من أصل سبعة عرفت بـ«حروب التحالفات»، ابتدأت بمحاولة كبح جماح الثورة الفرنسية وإعادة الاستقرار لفرنسا، لمنع تصدير الثورة إلى جيرانها الأوروبيين، بالإضافة طبعًا لأطماع كل إمبراطورية بجزء من فرنسا، ومع الزمن تحولت هذه التحالفات إلى محاولة وقف تمدد فرنسا عسكريًّا خارج حدودها بقيادة نابليون بونابرت. واستطاعت قوى التحالف نفي نابليون وإبعاده بعد حملته الفاشلة على روسيا، وطاردت جيشه العائد إلى فرنسا، ولكن نابليون عادَ مرة أخرى من منفاه، ليقود فرنسا، مُحاولًا هزيمة خصومه في معركة «واترلو» الشهيرة، إلا أنه هزم مجددًا ونفي مرة أخرى حتى مات في منفاه عام 1821.

وبالمجمل، خاضت فرنسا سبع حروب ضد تحالفات شكلتها قوى أوروبية ضدها، بدءًا بالتحالف الأول الذي بدأ عام 1792 وانتهى عام 1797، قبل عامين من تولي نابليون للحكم في فرنسا، وحتى حرب التحالف السابع، الذي ابتدأ وانتهى بهزيمة نابليون الأخيرة قبل نفيه عام 1815، وقد قسمت هذه الحروب إلى حروب فرنسا الثورية التي ابتدأت قبل تولي نابليون الحكم، وإن خاض جزءًا من معاركها جنرالًا، والحروب النابليونية التي خاضها نابليون بعد حكم فرنسا، وكان التسلسل الزمني لهذه الحروب كما يلي:

أولًا: حروب فرنسا الثورية:

  1. حرب التحالف الأول 1792-1797.
  2. حرب التحالف الثاني 1798-1802.

ثانيًا: الحروب النابليونية:

  1. حرب التحالف الثالث 1803-1806.
  2. حرب التحالف الرابع 1806-1807.
  3. حرب التحالف الخامس 1809.
  4. حرب التحالف السادس 1812-1814.
  5. حرب التحالف السابع 1815.

أوروبا في معترك الحرب

خاضت فرنسا هذه الحروب ضد معظم دول وقوى أوروبا، التي تحالفت ضدها، ودخلت الحرب بعض الدول والممالك لتحقق مصالحها الخاصة، وخرجت منها باتفاقيات سلام مع فرنسا أو بخضوعها لفرنسا بشكل مباشر، أو عن طريق تنصيب حلفاء لفرنسا في تلك الدول، حتى خسارة نابليون في التحالف السادس.

أما الدول التي حاربت فرنسا فتشمل: بريطانيا، التي شاركت في جميع الحروب ضد فرنسا، وبروسيا، إحدى مقاطعات ألمانيا الحالية، وشاركت في أربعةٍ من الحروب، وبقايا الإمبراطورية الرومانية التي فككها نابليون في الحروب النابليونية عام 1806، بعد أن شاركت في حربين ضدَّ فرنسا، وإمبراطورية النمسا المؤسسة عام 1804، وأساسها مملكة هابسبورج التي قاتلت في جميع الحروب إلا واحدة، وأخيرًا الإمبراطورية الروسية، التي خاضت الحروب جميعًا إلا اثنتين، وللحرب السادسة (1812- 1814) أهمية كبيرة في إسقاط وإنهاء إمبراطورية نابليون بعد غزوه لروسيا.

وشاركت في حروب التحالفات دول وممالك أوروبيَّة أقلُّ أهميةً، دخلت في فترات مختلفة، مثل إسبانيا، والبرتغال، وسردينيا (جزء من إيطاليا)، وممالك ألمانيا وإيطاليا المختلفة بالإضافة لمشاركة الخلافة العثمانية لحرب التحالف الثاني. وتقلبت القوى الأوروبية بين محاربة فرنسا وعقد الاتفاقات معها أو الوقوف على الحياد، كما أن الأراضي الفرنسية وأراضي حلفائها استمرت بالتوسع والانقباض خلال سنوات حروب التحالفات كما يبين المقطع التالي.

وخاضَ نابليون بنفسه جميع هذه الحروب جنرالًا قبل توليه الحكم عام 1799، ومستشارًا أولًا بين عامي 1799-1804، وإمبراطورًا لفرنسا منذ عام 1804 وحتى نفيه النهائي عام 1815، كما عقد منذ توليه حكم فرنسا تحالفات دبلوماسية مع دول أوروبية مختلفة، ونصب حلفاءه وأقاربه في مناصب مهمة داخل فرنسا وخارجها، محاولًا تثبيت حكمه الإمبراطوري ومحاولًا توريث هذا الحكم من بعده.

ولم تستطع القوى الأوروبية هزيمة فرنسا قبل نابليون وفي فترة حكمه حتى التحالف السادس، الذي هُزم فيه نابليون ونُفي خارج فرنسا، قبل عودته وتنصيبه نفسه إمبراطورًا لفرنسا مرة أخرى عام 1815، لتتحالف أوروبا ضده من جديد وتهزمه، للأبد، في معركة واترلو الفاصلة، التي نُفي بعدها نابليون نهائيًّا وانتهت حياته السياسية والعسكرية حتى موته عام 1821.

ومع ضخامة تفاصيل الحروب والتحالفات السياسية لنابليون خلال الفترة الممتدة منذ 1799 وحتى 1815، بالإضافة لضخامة التأثيرات السياسية والاجتماعية على أوروبا، إلا أننا سنتناول في التقرير أهم أربع معارك خاضها نابليون، بما يتضمن انتصاراته الكبرى في «أولم» و«أوسترلتز»، وبداية تراجعه في «سمولينسك» و«بورودينو»، رغم أن نابليون انتصر فيهما فإن هاتين المعركتين كانتا البداية لهزيمة نابليون في الحملة على روسيا ونهاية إمبراطوريته فيما بعد، ما أدى إلى انسحابه من روسيا وهزيمة جيشه في عدة معارك أثناء الانسحاب.

مشهد من تنصيب نابليون بونابرت إمبراطورًا على فرنسا عام 1804، ويظهر في الرسم هنا وهو يتوِّج زوجته جوزفين. مصدر الصورة: ويكي

الإمبراطورية في بدايتها وقمة مجدها: معركتا أولم وأوسترلتز

ضمَّ التحالف الثالث بريطانيا والإمبراطوريتين النمساوية والروسية، ضدَّ فرنسا، بين عامي 1803-1806، وهدفه استعادة توازن القوى في أوروبا وإعادة حدود الدول فيها إلى حالها عام 1789، وكان هدف النمسا الأساسي هو مهاجمة شمال إيطاليا واسترجاعها من نابليون، مهددين بذلك جنوب فرنسا أيضًا، ونسق الحلفاء تحركاتهم وكان المخطط التقاء الجيوش النمساوية والروسية لملاقاة الجيش الفرنسي وهزيمته في شمال إيطاليا.

تقع مدينة أولم في جنوب ألمانيا (في المملكة البافارية وقتها، والمتحالفة مع نابليون)، في موقع قريب من شمال إيطاليا؛ ما جعلها نقطة مهمة للنمساويين للتمركز فيها، منعًا لجيوش نابليون في أوروبا الوسطى من النفاذ إلى مسرح الحرب في شمال إيطاليا، لإنقاذ جيوش فرنسا الأخرى هناك عند بدء الحرب بانضمام الروس للجيش النمساوي كنقطة وحيدة – مفترضة- يمكن مرور الجيوش الفرنسية من وسط أوروبا إلى شمال إيطاليا، بافتراض استحالة مرورها عن طريق أراضي بروسيا المحايدة وغير المنضمة لأي طرف في حرب التحالف الثالث.

وعليه فإن خطة النمساويين والروس بالتلاقي وغزو شمال إيطاليا مع الحفاظ على منع الفرنسيين من الالتفاف من خلفهم بدت مثالية جدًّا؛ تحديدًا باعتبار التفوق العددي لجيش التحالف على الجيش الفرنسي حال نجاح الخطة، وقد تكلل جزءها الأول بالنجاح فعلًا بالتمكن من احتلال أولم دون مقاومة تذكر عام 1805. إلا أن نابليون كان له رأي آخر؛ إذ قرَّر جعل جنوب ألمانيا مسرحًا للحرب ضد التحالف الثالث، بدلًا من خطة التحالف القاضية بغزو شمال إيطاليا ابتداء من جنوب ألمانيا.

وقد كان لعدة عوامل، كما يذكر الباحث الأمريكي في مجال التاريخ العسكري، فريدريك كاجان، الأثر الكبير في انهيار خطة التحالف لغزو إيطاليا، وكان نجاح نابليون في نقل المعركة لجنوب ألمانيا مجرد البداية للاتجاه شمالًا وغزو النمسا نفسها. هذه العوامل واستغلال نابليون لها، كانت السبب الحقيقي للنصر في أولم، فالمعركة حُسمت سابقًا لصالح نابليون الذي حارب النمساويين في أولم بضعف عدد جيشهم وبظروف أفضل على الأرض، إلا أن النصر الإستراتيجي الذي حققه نابليون كان أصلًا في قدرته على الوصول إلى هذا المشهد أساسًا، وليس السبب منحصرًا في أفعاله في الحرب نفسها.

كما ذكرنا، خطَّطت النمسا لتحريك جزء صغير من الجيش بقيادة الجنرال النمساوي، كارل ماك، لأولم، وبذلك فصلَت النمسا جيوشها بنفسها، دون أن يتدخل نابليون لفعل ذلك، وهدفها حماية منطقة جبال الألب ومنع الفرنسيين من جعلها نقطة عبور لجيوشهم من أوروبا الوسطى لشمال إيطاليا، منتظرين وصول الجيش الروسي الذي كان متجهًا لملاقاتهم وما زال يقطع الأراضي البولندية بقيادة عدة جنرالات روس بينهم البطل الروسي التاريخي ميخائيل كوتوزوف، وقرر نابليون ملاقاة النمساويين قبل وصول الجيش الروسي، مانعًا التحالف من تأمين التفوق على جيشه، واعتقد النمساويون أن نابليون لن يخاطر بغزو أراضي بروسيِّة، لأنها غير متحالفة ضده، وافترضوا أنه سيتجه نحو أولم أو أي نقطة أخرى تؤمن له استباق ملاقاة الجيوش النمساوية والروسية، وكان هذا خطأ في تقديرهم؛ إذ لم يهتم نابليون بذلك، ودخلَ الأراضي البروسية.

إذًا فإن سوء المعلومات لدى الجيش النمساوي، بالإضافة إلى سوء تقديرهم لتحركات الجيش الفرنسي، اضطرتهم لخوض معركة أولم، وأحيانًا يضاف إلى ذلك ما يعتقد الباحث كاغان كونه خرافة تذكر في بعض أدبيات التاريخ، وتنص على أن النمساويين أخطأوا تقدير موعد وصول الجيش الروسي، لاختلاف التقويم المعمول به في روسيا عن ذلك المعمول به في النمسا بـ10 أيام، إلا أن كاغان ينفي هذه القصة لاستحالة وقوعها بين جيشين نسقا طويلًا سابقًا في حروبهما ضد الفرنسيين والعثمانيين.

وهكذا اقترب جيش نابليون من أولم، ولم يستطع الجنرال ماك مغادرتها بعد قطع نابليون لنهر الدانوب على عكس توقعات النمساويين الذين قُطع عليهم طريق الانسحاب وخطوط التواصل، بعد أن كانوا مطمئنين من قدرتهم على الانسحاب وقت الحاجة من أكثر من اتجاه، موجهين جيشهم بحيث يقابل مكان العبور المعتاد للجيش الفرنسي، أي من الغابة المحاذية لأولم، وقد عَمَد نابليون إلى جعل جزء صغير من جيشه يعبر الغابة فعلًا؛ ما جعل النمساويين يتأكدون من كون الغابة مكان عبور الجيش الفرنسي.

كما أن تلك الخدعة ساهمت في جعل النمساويين يخطئون في تقدير قوة الجيش الفرنسي المتجه نحوهم، في حين اتجه الجزء الأكبر من الجيش الفرنسي من جهة نهر الدانوب التي لم يتوقعها النمساويون، وعندما اقترب الجيش الفرنسي من تلك الجهة قرر النمساويّون تعديل مواقع الجيش للتَّوقِّي من إمكانية قيام الفرنسيين بالمهاجمة من أكثر من جهة؛ ما جعل جبهة جيشه طويلة الامتداد وقليلة العدد، وفي النهاية طوَّق نابليون الجيش وأجبر جنراله على الاستسلام، واستولى على أولم الإستراتيجية دون خوض معركة كبيرة، وقبل وصول الروس وباقي الجيش النمساوي، وأسر ما يقارب 60 ألف جندي نمساوي، وكان هذا مقدمةً لاحتلال فيينا، عاصمة الإمبراطورية النمساوية، في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1805، بعدما أصبح الطريق إليها سهلًا بعد أولم.

Embed from Getty Images

نابليون في قيادة جيشه الفرنسي، وأمامه قائد الجيش النمساوي يعلن استسلامه، في حرب التحالف الثالث

قدَّر الجنرال الروسي كوتوزوف عدم قدرته على خوض معركة مع نابليون، وآثر الانسحاب لملاقاة باقي جيوش التحالف، فلحقه نابليون آملًا منعه من الهروب، ووقعت اشتباكات بين الفرنسيين والروس قبل الوصول إلى فيينا، إلا أن نابليون لم يستطع الإمساك بكوتوزوف الذي انسحب لوراء فيينا، لملاقاة جيوش التحالف بقيادة الإمبراطورين الروسي والنمساوي الحاضرين بنفسيهما لمواجهة نابليون.

نابليون الذي لم يستطع الإمساك بكوتوزوف ومقاتلته في معركة مضمونة، وكونه يعرف بقرب الشتاء وصعوبة القتال فيه مع ابتعاد جيشه عن فرنسا، قرر محاولة إجبار قوات التحالف على خوض معركة حاسمة تُنهي التحالف الثالث، وتُثبِّت حكمه بعد عام واحد فقط من إعلان نفسه إمبراطورًا على البلاد. وكان تقدير كوتوزوف بأهمية عدم الانجرار لمعركة مع نابليون، والانتظار حتى تكوَّن ظروف في غير صالح نابليون البعيد عن فرنسا، ولكونه في وضع المهاجم واعتماده على الحركة السريعة للجيوش والانتصار في المعارك الحاسمة، فإن الانتظار حتى الشتاء سيقلل من فرصه في التمكن من تنفيذ تكتيكاته وإستراتيجيته، وسيصعِّب المهمة عليه، وستسهِّل مهمة الدفاع لجيوش التحالف الثالث بفعل الثلج والوحل، الذي يصعب مهمة المهاجم وحركته، ولسوء حظ التحالف الثالث، فإن الإمبراطور الروسي الشاب وغير الخبير عسكريًّا، ألكسندر الأول، قرَّر مواجهة نابليون.

Embed from Getty Images

رسمةٌ تُظهر الإمبراطور نابليون بونابرت (يمين) مع الإمبراطور الروسي ألكسندر الأول (يسار)، عامَ 1807، في مفاوضات لإنهاء حرب التحالف الرابعة 

اختار نابليون قرية أوسترليتز مكانًا للمعركة، حاشدًا جيشًا يحوي قرابة 75 ألف جندي، تاركًا لجيش التحالف الموقع الأعلى من أرض المعركة على التلة، بجيش مقارب جدًّا في القوة لجيش نابليون. وبدأت المعركة في 5 ديسمبر (كانون الأول) 1805، بضبابٍ وبرد شديدين، وبينما قابل جيش التحالف المتمركز في المنطقة المرتفعة أغلبية جيش نابليون، ترك نابليون جناحه الأيمن ضعيفًا جدًّا في قريتي تلنتس وسوكولنتز، وتأخر فيلق من جيشه بقيادة أحد أهم مارشالات نابليون لويس-نيكولاس دافو بشكل متعمد عن الوصول لأرض المعركة.

وضع الحلفاء خطتهم لتطويق الجيش الفرنسي باختراق النقطة الأضعف فيه، جناحه الأيمن، ثم الالتفاف على الجيش من الخلف وتطويقه، وكان هذا تمامًا ما أراده نابليون وبنى عليه خططه.

قامت خطة نابليون على إغراء قوات التحالف لمهاجمة جناحه الضعيف، وقدَّر قدرة جناحه على الاستبسال في القتال في تلنتس وسوكولنتز، ليؤمِّنوا وقتًا كافيًا للمارشال دافو للوصول إليها وتعزيز المواقع، مؤخرين بذلك خطة التحالف، وممتصين أكبر قدر ممكن من وحدات جيوشهم في المعارك هناك، ومتسببين بذلك بتطويل خط انتشار الجيش النمساوي – الروسي، ما يسمح لنابليون بضرب قلب الجيش وفصله، ليسهل بعدها إنهاء المعركة لصالحه، معتمدًا بذلك على عنصر المفاجأة، أولًا بوحدات جيشه المتأخرة عمدًا للانضمام للمعركة في تلنتس وسوكولنتز، وثانيًا وحدات جيشه من المشاة والخيالة المتحركين بشكل سريع في الضباب، ما يسهل مهمة تخفيهم عن جيش التحالف ويصعب مهمة رصدهم وتوقع هجماتهم.

سارت المعركة كما خطط نابليون وتوقع، بدأ جيش التحالف هجومه على تلنتس مبكرًا في الصباح، واضطرت القوات الفرنسية بعد مواجهات صعبة مع قوات أكبر منهم للتراجع، إلا أن جيش التحالف، بسبب الضباب وضعف الانضباط، تأخَّر في إرسال قوات أكبر لمهاجمة الجناح الأيمن من الجيش الفرنسي لاستكمال خطة التطويق، ووصلت قوات المارشال الفرنسي دافو في الوقت المناسب بعد مسيرة أكثر من 110 كيلومترات في يومين، لتظهر فجأةً من خلف الضباب وتعزِّز القوات الفرنسية التي أشغلت الجناح الأيسر من جيش التحالف وعطَّلت خطته لتطويق الفرنسيين.

بدأ عندها نابليون بمهاجمة مركز جيش التحالف في المرتفع، بعد تأكده من تحرك الجناح الأيسر لجيش التحالف، ولتظهر قوات نابليون التي كانت مختبئة في الضباب قبل انتهائه من مهاجمة المركز، لتجبر مركز الجيش بقيادة كوتوزوف على الدفاع عن مواقعهم المرتفعة بدلًا من التوجه للجناح الأيسر، وبإضعاف مركز الجيش بفصل جناحه الأيسر عنه، وبمفاجأته بهجوم صاعق في المركز فتفككت قوات جيش التحالف وانكسر مركزه، ومع انتصار سلاح الفرسان الفرنسي على سلاح الفرسان الروسي في الشمال اضطرت قوات التحالف للانسحاب، تاركةً باقي القوات في تلنتس وسوكولنتز متقدمة وبعيدة عنهم، لتبدأ قوات نابليون بالالتفاف عليهم من الخلف بعد أن أمَّنوا المرتفع.

لم تجد القوات المحاصرة منفذًا للهرب إلا عبر بحيرة متجمدة، قصفتها المدفعية الفرنسية بالمدافع لتنكسر تحت أقدام الجنود المنسحبين وتُغرق جزءًا منهم دون قتال، وانسحب الجيش الروسي من الأراضي النمساوية بعد أن مُني التحالف بهزيمة نكراء، بخسارة 27 ألف جندي بين قتيل وأسير، مقابل 9 آلاف قتيل فرنسي، وألف أسير من قوات التحالف، تاركين النمساويين وحدهم مجبرين على عقد اتفاقية مُذلة مع نابليون، تقضي بدفع 40 مليون فرنك تعويضًا لفرنسا والقبول بالتخلي عن أراضٍ أكثر للفرنسيين، بعد أن كان هدف التحالف الثالث انتزاع شمال إيطاليا من الحكم الفرنسي.

أن تربح معركتين وتخسر الحرب: طريق نابليون الطويل نحو موسكو

كان لهذا الانتصار أثره في أوروبا، فبعد انتصار نابليون على الجيشين واحتلاله فيينا، عاصمة الإمبراطورية النمساوية، ثبَّت نابليون هيمنته على أوروبا الوسطى، بتشكيل كونفدرالية الراين، المكونة من جميع أراضي ألمانيا باستثناء بروسيا والأراضي المسيطر عليها من النمساويين، وأنهى إلى الأبد الإمبراطورية الرومانية.

لاحقًا، وبفعل خطر كونفدرالية الراين على مكانة بروسيا في أوروبا الوسطى، انضمت بروسيا إلى روسيا وبريطانيا في حرب التحالف الرابع ضد نابليون بين عامي 1806-1807، وهي حربٌ خسرها التحالف أيضًا بعد احتلال نابليون لبرلين وإخضاعه لبروسيا، واحتلاله لوارسو في بولندا، وتأسيسه جمهوريات شقيقة لفرنسا فيها، وبنهايتها وقَّعت بروسيا وروسيا اتفاقيات وتحالفًا مع نابليون، ليتفرغ لمجابهة بريطانيا ومحاولة عزلها بالنظام القاري.

تاريخ

منذ 4 شهور
الحروب النابليونية.. كيف خطط نابليون لهزيمة أوروبا المتحالفة ضده؟

منذ تولي نابليون بونابرت السلطة في فرنسا عام 1799 وحتى خسارته النهائية في معركة واترلو الحاسمة عام 1815، أخضع الجنرال الشاب أوروبا وضبط تحرُّكات جميع دولها على إيقاع حروبه (الحروب النابليونية). لم تسلم دولةٌ في أوروبا القاريَّة من وطأة تهديد جيشه الذي غزا مصر أيضًا، وهدد إمبراطورية بريطانيا، التي كانت خصم نابليون الأول ومركز أهداف استراتيجيته. فكيف فعل نابليون ذلك؟

ارتأت النمسا أن الفرصة سانحة لمواجهة أخرى مع فرنسا، بعد سنوات من إعادة تنظيم الجيش النمساوي المهزوم في التحالف الثالث، وبالتوازي مع انشغال الفرنسيين بثورة ضد النظام الملكي الإسباني المدعوم من نابليون، بدعمٍ من أعدائه بريطانيا والبرتغال، وحينها انضمَّت النمسا للتحالف الخامس عامَ 1809 مع بريطانيا والبرتغال وإسبانيا وغيرها من الدول، وتحالفت روسيا مع فرنسا في الحرب، وبقيت بروسيا على الحياد، وتسببت الحرب بتثبيت قوة نابليون وهزيمة التحالف، وتكلَّف النمساويون الخسارة الأكبر في الحرب بخسارة أراضٍ أكثر لنابليون.

حتى اللحظة وبعد عقد كامل من حكم نابليون لفرنسا، وخمسة تحالفات ضده، وبعد حملات وثورات ضد حكمه وحكم حلفائه، لم تستطع التحالفات الأوروبية أن تهزم نابليون أو تمنع توسعه في أوروبا. وبعد خمس سنوات من تنصيب نفسه إمبراطورًا لفرنسا، صارَ نابليون الرجل الأقوى في القارة الأوروبية بلا منازع، ولم يبق عليه إلا إنفاذ ​«النظام القاري»، وهي سياسةٌ خارجية نفَّذها نابليون وهدفها محاصرة بريطانيا ومنعها من التجارة مع أوروبا، إما باحتلال الشواطئ الأوروبية، وإما بإجبار القوى الأوروبية على الانضمام للحصار، وانضمت له بالفعل روسيا والسويد رسميًّا، وإن قررتا استمرار التجارة مع بريطانيا سرًّا.

ظلت مشكلة النظام القاري قائمة في أوروبا، وسبَّبت قيام التحالف السادس عام 1812 ضده، والمُكوَّن من كل قوى أوروبا المهمة آنذاك، وكثير من قواها الصغيرة ضد نابليون، بما يتضمن روسيا وبروسيا، والنمسا، وبريطانيا والسويد والبرتغال، والمتمردين في إسبانيا، بالإضافة لبعض دول ألمانيا، فقام نابليون بغزو السويد لأهداف منها منع التجارة السرية، ثم بدأ بغزو روسيا بجيش قوامه 650 ألف جنديٍّ نصفهم من الفرنسيين ونصفهم الآخر من حلفائه، وهو أكبر جيش عرفته أوروبا في تاريخها.

كانت إستراتيجية الروس إستراتيجية الأرض المحروقة، القائمة على الانسحاب من أمام الجيش الفرنسي مُحرقين جميع البلدات في طريقهم، لمنع جيش نابليون من التزود من هذه البلدات وتركوا جيشه يلاحقهم مبتعدًا عن خطوط إمداده والمناطق الموالية له في الأراضي الروسية الشاسعة ببلداتها المتباعدة والمحروقة، وبدأ نابليون يخسر ميزة الانضباط والسرعة في جيشه المتشكل من عدة قوميات، احتاج الاستعانة بآليات التزود المعهودة في أوروبا، مُبطئًا الجيش، واعتمدَ على وحدات قوامها من جنود غير فرنسيين، ومع اتساع الجبهات تجزَّأ الجيش وتباعدت أجنحته، ومع المسير الطويل في صيف 1812 أُرهق الجنود وفقد الكثير منهم بفعل الأمراض والحر والتعب، دون خوض معركة حقيقية واحدة.

كل هذا جاء على عكس ما اعتاد عليه نابليون دائمًا وأراده، بعدم التأخر في خوض معارك حاسمة ترسمُ مسار الحرب بعدها، ومنعه الروس من ذلك بالتأخير والانسحاب التكتيكي، وأضافوا لكل تلك العوامل حربًا غير نظامية خاضها الروس جنودًا ومدنيين، وتحديدًا فرسان القوزاق حماة الحدود الروسية، بإنهاك الجيش الفرنسي ونهب مؤونته مع كل ما في ذلك من تشويش وإبطاء واستنزاف للجيش.

معركة سمولينسك

تحت ضغط الغزو الفرنسي لأراضيهم وما يمثله ذلك من رمزية مهمة، اضطر الروس في النهاية لخوض معركة كبيرة بدلًا من الاشتباكات الصغيرة، وهو ما كان يأمله نابليون لإنهاء الحرب في معركة حاسمة واحدة. وقرر الروس خوض هذه المعركة على مقربة من مدينة سمولينسك 360 كيلو مترًا جنوب غرب موسكو، فبعد أن التقى فيها جيشان روسيان، قرر الروس الخروج منها ومهاجمة نابليون المتمركز في بلدة رودنيا بالقرب من سمولينسك، وشنت قوات القوزاق هجمة مفاجئة على سلاح فرسان نابليون في بلدة إينكوفو بالقرب من سمولينسك، إلا أن المعلومات الخاطئة التي وردت للجيش الروسي بمحاولة الفرنسيين للالتفاف على جناحهم الأيمن دفعت الروس للانسحاب.

نابليون مُطلًّا على مدينة سمولينسك، وتظهر بعض الحرائق في المدينة التي أحرقتها المدفعية الفرنسية. مصدر الصورة: ويكي

وقرر نابليون القيام بمناورة من أعظم مناوراته للالتفاف على الجيش الروسي وقطع نهر الدنيبر واحتلال سمولينسك من خلف الجيش الروسي، ثم قطع طريق انسحابه لتطويقه والإجهاز عليه، ولإتمام ذلك تعيَّن عليه تأمين طريقة لبدء تحرك الجيش بشكل لا يكشفه الروس، ومن بعد ذلك تأمين بناء جسور لقطع نهر الدنيبر في أسرع وقت والانقضاض على سمولينسك قبل انسحاب الجيوش الروسية للتحصن فيها.

وهنا ابتكر نابليون خطةً تقضي بصفِّ سلاح الفرسان أمام جيشه للمناورة أمام الجيش الروسي وجذب انتباههم، بينما يتحرك الجيش الفرنسي من خلف سلاح الفرسان الذي يغطي حركتهم للوصول لنهر الدنيبر، وبشكل سريع جدًّا بنى مهندسو الجيش الفرنسي الجسور اللازمة لقطع الطريق، وبدأ نابليون حركته مسرعا للوصول لسمولينسك، وعلى ذكاء خطة نابليون إلا أنه ولحصد ثمارها، كان عليه أن يصل إلى سمولينسك قبل الجيش الروسي، ولذا على الجيش الفرنسي الضخم بقيادة نابليون أن يقاتل وحدةً روسية واحدة في كراسني – التي هي إحدى بلدات سمولينسك- ويحطمها سريعًا، إلا أن هذه الوحدة الواحدة نجحت في تأخير الجيش الفرنسي وشراء الوقت للجيش الروسي للانسحاب لسمولينسك، بل نجحت أيضًا في الانسحاب إلى سمولينسك، مانعة احتلال الجيش الفرنسي لها دون قتال.

إلا أن الجيش الفرنسي المتفوق هاجم المدينة وبدأ بقصفها بعنف، بالتزامن مع مهاجمة تحصيناتها لاختراقها، ولخوف الروس من احتمالية حصارهم، قرروا الانسحاب من المدينة المحترقة بعد مقاومة عنيفة، ولمنع التقاء الجيش الروسي في سمولينسك بالجيوش الروسية في الخطوط الخلفية، كان على نابليون محاصرة جزء من الجيش المنسحب والإجهاز عليه قبل التوجه لموسكو، إلا أن خطة الحصار فشلت بعدما فشل أحد مارشالات نابليون في قطع طريق انسحاب فيلق الجنرال الروسي باركلي دي تولي، الذي تولى وزارة الحرب في الإمبراطورية الروسية، فمع أنه قطع الدنيبر، فقد توقف ولم يفعل شيئًا بعدها، باجتهاد شخصيٍّ منه؛ ما منع محاصرة باركلي وإنهاء قواته.

بعد سمولينسك كان أمام نابليون خياران صعبان، إما استكمال المسير لموسكو، عاصمة روسيا الدينية والتاريخية قبل سانت بطرسبرج، وإعلان نصر حاسم على الروس وإجبارهم على توقيع اتفاق مذل مقابل الانسحاب، وإما الانتظار حتى انتهاء الشتاء الروسي القارس الذي سيصعب مهمة نابليون ويؤذي جيشه الذي عانى بالفعل من خسائر هائلة بفعل الاشتباكات الصغيرة والحرب غير النظامية والإشكالات اللوجستية وطول خطوط الإمداد، وقطع المسافات الطويلة، إلا أن نابليون قرَّر المضي في حملته ومهاجمة عاصمة الروس التاريخية والدينية، لإنهاء الحرب قبل بدء تساقط الثلج الروسي.

معركة بورودينو

يقول تولستوي في روايته «الحرب والسلام» على لسان الجنرال الروسي ميخائيل كوتوزوف، إن أهم جنوده هما الوقت والصبر، وقد كانا بالفعل سلاحي الروس الأهم في محاربة نابليون، فمع ابتعاد جيشه عن موطنه فرنسا، وتوسُّع خطوط الإمداد، وإضعاف جيشه بفعل حرب الاستنزاف الروسية ووعورة الأرض وتباعد القرى، فقدَ نابليون أكثر بكثير في كل هذه العوامل من أي معركة خاضها سابقًا.

استفاد الروس من هذه الإستراتيجية كثيرًا، إلا أن المخاطرة باستمرار تقدم نابليون رغم كل خسائره كانت تعني انهيار معنويات الجيش والأمة الروسية، خصوصًا مع اقتراب نابليون من موسكو، ومع ازدياد الضغط الشعبي على الجيش الروسي وقائده المُعين حديثًا، الجنرال كوتوزوف، كان عليهم محاربة نابليون في معركة حاسمة على مقربة من موسكو، وقرر كوتوزوف خوض هذه المعركة في قرية بورودينو، التي تبعد قرابة 120 كيلومترًا عن موسكو، ليحصل نابليون أخيرًا على فرصة خوض معركة حاسمة ضد الروس ومحددة لمسار الحرب بعدها.

لم تكن معركة بورودينو حملةً عادية للجيش الروسي، ولم تكن أهميتها فقط أنها دفاع عن الأرض الروسية أمام غزو أجنبي جرَّبت مثله الأمة الروسية سابقًا، وامتلأت ذاكرتها بالذل المترافق معه، بل كانت أيضًا دفاعًا عن مدينة مقدسة في أعين الروس، لها رمزية تاريخية ودينية هائلة في وعيهم، فسُيِّرت مسيرات دينية حُملت فيها الأيقونات، وأصبحت معركة الدفاع عن موسكو الشغل الشاغل للنخب في روسيا، وفي موسكو التي بدأت تُخلى من السكان تحسبًا لاحتلال الفرنسيين لها، وسانت بطرسبرج العاصمة ومقر إقامة الإمبراطور، وعدا عن التعبئة الروسية العامة للمعركة، كان إخلاء سكان موسكو لتجنب الوقوع تحت حكم نابليون الذي بدأ تصويره على أنه المسيح الدجال نفسه، ومع كل هذه التعبئة استعد الجنود الروس للاستبسال حتى الموت في بورودينو أمام نابليون الذي قلَّما هُزم أمام أعدائه، والذي تمكن سابقًا من احتلال عاصمتين أوروبيتين، هما فيينا وبرلين.

تقابل الجيشان المتقاربان في القوة يوم 5 سبتمبر (أيلول) مع تفوق فرنسي بسيط، بجيش قوامه 130 ألف جندي فرنسي، يقابلهم 121 ألف جندي روسي، اتخذوا مواقع دفاعية حول بورودينو، وارتأى نابليون أنه يحتاج لاحتلال موقع الجيش الروسي المتقدم في شيفردينو، والذي استخدمه الروس لإبطاء الجيش الفرنسي، وذلك للتمكن من نشر قوات الجيش الفرنسي وبدء المعركة، واستطاع الفرنسيون احتلال القرية بعد معركة دامت لساعات، انسحبت بعدها وحدات الجيش الروسي من شيفردينو للانضمام للجيش الروسي حول بورودينو.

وكان لانسحاب قوات الجيش الروسي من شيفردينو أثر كبير في إضعاف الجناح الأيمن للجيش الروسي، لأن بورودينو تقع على طريقين موصلين لموسكو، وتخوَّف كوتوزوف من تمكن جيش نابليون من عبور الطريق على جناح جيشه الأيمن، فوضع قواته الأكبر والأقوى في ذلك الجناح، وبقي الجناح الأيسر أضعف، ومع انهيار شيفيردينو لم يفعل الروس شيئًا لتقوية جناحهم الأيسر، إلا أن نابليون لم يتخذ قرارًا بالمناورة حول الجناح الأيسر الضعيف والمتفكك بعد خسارة شيفردينو، مضيعًا فرصة تفكيك الجيش الروسي بأكمله ومحاصرته، ولم يقرر نابليون أيضًا محاولة عبور الطريق على جناح الجيش الروسي الأيمن، وبدلًا من ذلك قرر شن هجوم ساحق على تحصينات الجيش الروسي في المركز.

استمرت المعركة طوال اليوم بين شد وجذب وامتناع الطرفين عن استغلال أي نقاط ضعف عند الطرف المقابل، فمع استبسال الجيش الروسي في الدفاع والمحافظة على المواقع فإنه لم يتحرك لتغيير وضعه الدفاعي طوال المعركة، ولم يستغل نابليون أي خاصرة ضعيفة في الجيش الروسي، حتى مع تفتت مركز الجيش الروسي جزئيًّا، واحتياجهم لاستدعاء كل احتياطهم في المركز للمشاركة في هذه الجبهة، لم يتدخل الجناح الأيمن إلا قليلًا، واكتفى بإرسال تعزيزات للنقاط الضعيفة دون شنِّ هجوم حقيقي على الجيش الفرنسي.

واقترح جنرالات نابليون إدخال الحرس الإمبراطوري، الذي لم يشارك في المعركة على الإطلاق، لتوجيه ضربة نهائية وقاصمة للجيش الروسي، إلا أن نابليون الذي توقع استمرار القتال حتى اليوم التالي، آثر إبقاء حرسه وقوات احتياطه في الخلف للتمكن من القتال لاحقًا.

وانتهى اليوم الأول من القتال بخسائر عظيمة من الطرفين، في يوم هو الأكثر دموية في تاريخ الحروب النابوليونية، بـ44 ألف جندي روسي، مقابل 30 ألف جندي فرنسي، بين قتيل وجريح وفقيد، وبصرف النظر عن الأخطاء التكتيكية خلال معركة بورودينو، فإن خطأ نابليون الإستراتيجي كان في ظنه أن المعركة ستُستكمل في اليوم التالي، ورغم كل الأخطاء التكتيكية خلال المعركة، فإن كوتوزوف اتخذ أهم قرار إستراتيجي سيكلف نابليون خسارة الحرب لاحقًا، مع مراكمة الأخطاء التكتيكية، التي أدت في النهاية إلى الخسارة الإستراتيجية الكبرى في غزوه لروسيا.

Embed from Getty Images

رسومات لمشاهد انسحاب الجيش الفرنسي من موسكو مع انتهاء وفشل حملة نابليون على الإمبراطورية الروسية 

قرر كوتوزوف، بخلاف رأي أغلبية من حوله، الانسحاب من بورودينو، وإعطاء موسكو لنابليون بلا قتال. فقد ظن نابليون أن المعركة في بورودينو ستُستكمل في اليوم اللاحق، أو أن الجيش الروسي سينسحب لموسكو ليتحصن فيها في وقفة أخيرة في الحرب، وكلا الاحتمالان يعطيان نابليون القدرة على إنهاء الحرب في معركة حاسمة واحدة، إلا أن كوتوزوف فضَّل المحافظة على الجيش الروسي، انتظارًا لتزويد الجيش بدعم عسكري كبير بدلًا من استكمال المعركة في بورودينو بعد كل تلك الخسائر الهائلة، أو التحصن في موسكو لمنح نابليون القدرة على حصارها ودكها بالمدفعية، كما فعل في سمولينسك، ليخسر الروس عاصمتهم المقدسة وجيشهم مرة واحدة.

عاد الروس لإستراتيجية الصبر والانتظار والاستنزاف، ودخل نابليون موسكو فاتحًا ليجدها بلا سكان تقريبًا، وليبدأ الاحتلال الفرنسي لموسكو، والذي امتد منذ 14 سبتمبر (أيلول) وحتى 19 أكتوبر (تشرين الأول)، وظن نابليون أن هذا الاحتلال سيعطيه النصر باضطرار إمبراطور روسيا للخضوع وتوقيع اتفاقية مذلة، ثم ينسحب نابليون بعدها منتصرًا من روسيا.

إلا أن الصبر الروسي استمر، وبدأت حرائق موسكو بالاندلاع، ولم يوجد فيها سكان لإخمادها، وبدأت معها الأمراض بالتفشي في جيش نابليون، ومع كل يوم انتظار يخاطر فيه نابليون بالوقوع في فخِّ القتال في الثلج الروسي، فاضطر في النهاية للانسحاب دون أي اتفاق سلام مع الروس، وبعد فقدانه لجزء كبير من جيشه في مسيرته الطويلة لموسكو، ومعركتي سمولينسك وبورودينو، بالإضافة لحرب الاستنزاف التي استمرت في ضرب جنود نابليون وخطوط الإمداد، في حرب لا نظامية اعتمدت على القوزاق والأنصار من غير الجيش النظامي.

Embed from Getty Images

رسمة توثِّق حريق موسكو في الحملة النابليونية على الإمبراطورية الروسية. أحرقَ الروس موسكو وأخرجوا سكَّانها منها لتوريط جيش نابليون ولحرمانه من فرصة خوض معركة حاسمة وفاصلة تُنهي على الجيش الروسي

ومع انسحاب نابليون من موسكو، بدأ الروس بملاحقة جيشه واستنزافه شيئًا فشيئًا، وانقضت قوى أوروبا على الجيش الفرنسي الفاقد لكثير من قوته، في حرب استنزاف على طول خط الانسحاب، آثر فيها جيش التحالف خوض المعارك ضد مارشالات نابليون عندما لم يكن نابليون على رأس الجيش، وتجنب مواجهته، وتركه يلاحق السراب في إثر الجيش المقابل له، حتى استنزف جيش نابليون كثيرًا، واستطاع التحالف نقل المعركة – أخيرًا وبعد أكثر من عقد من حملات نابليون الناجحة خارج الأراضي الفرنسية- إلى الأراضي الفرنسية نفسها واجتياحها، وانتهت أخيرًا بانتصار التحالف السادس والقبض على نابليون الذي نُفي إلى جزيرة ألبا، لتنتهي مسيرة نابليون – تقريبًا- قبل عودته في محاولة أخيرة عام 1815، ليُهزم نهائيًّا وللأبد في معركة واترلو.

تاريخ وفلسفة

منذ 3 سنوات
«الجارديان»: وجها نابليون بونابرت.. طاغية وحشي أم مصلح حكيم؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد