قبل نحو قرنين من الزمان، لم يكن أحد يتحدث اللغة الفرنسية غير الفرنسيين، ثم بدأت هذه اللغة بالانتشار؛ بدافعٍ كبيرٍ من حدثين تاريخيين، هما: الثورة الفرنسية وما رافقها من ثورة ثقافية وصناعية، ثم الاحتلال الفرنسي لعدد من دول العالم.

على إثر التطورات التي رافقت هذين الحدثين، صارت الفرنسية اللغة الثانية في عدد من الدول التي احتلتها فرنسا، مثل: تونس، والمغرب، ولبنان، وسوريا، وتفوقت في بعض الأحيان على اللغات الرسمية من حيث الاستعمال اليومي الدارج، مثلما حدث في الجزائر، وفرضت بقوة المحتل كلغة رسمية أولى في دول أخرى لم تكن تمتلك مقومات الصمود أمام الغزو الحضاري، مثل: الكاميرون، وكوت ديفوار، والسنغال.

لكن منذ أوائل القرن العشرين أخذت الفرنسية في التراجع، تزامنًا مع صعود نجم الولايات المتحدة والثورة العلمية والتكنولوجية التي شهدتها. وتواصل انحدار الفرنسية حتى كانت الضربة القاصمة مع ظهور الثورة الإعلامية، خاصة الإنترنت، واعتماده على الإنجليزية بشكل أساسي. ثم بدأت المؤشرات تتوالى على تراجع استخدام الفرنسية في مستعمراتها السابقة.

كل ذلك وغيره فرض العديد من الأسئلة على المهتمين بالفرنسية داخل فرنسا وخارجها، وهل ستتمكن القوة الاستعمارية السابقة من تدارك موقعها الذي خسرته في أفريقيا لغويًّا وثقافيًّا، وحتى سياسيًّا واقتصاديًّا خاصة بعد تزايد الوجود الأمريكي والصيني في القارة السمراء؟

ينبغي الإشارة هنا إلى أن عدد الناطقين بالفرنسية في العالم الآن يقدر بنحو 200 مليون، يعيش أكثر من نصفهم في أفريقيا، لكن رغم ذلك فإن وجود «لغة موليير» غير فعال في القارة السمراء؛ لأنها في الغالب تكون اللغة الثانية التي يدرسها الأطفال في المدارس ولكنهم يتعلمونها في بيوتهم ولا يتحدثون بها في معاملاتهم اليوم. وقد يؤدي أي تغيير سياسي على مستوى الدولة إلى الحد من انتشارها.

ويلفت ألكسندر وولف، مسؤول «مرصد اللغة الفرنسية» في «المنظمة الفرنكوفونية الدولية»، إلى أن «الفرنسية ليست اللغة الأم سوى في بعض البلدان مثل فرنسا وبلجيكا الفرنكوفونية وسويسرا الرومندية وبعض الأقاليم الكندية بما فيها كيبك ولوكسمبورغ وموناكو أي نحو 75 مليون شخص».  

أسباب تراجع الفرنسية في أفريقيا

تراجع الوجود اللغوي الفرنسي في أفريقيا له أسباب عديدة ومتداخلة، ترتبط بالتراجع الاقتصادي، والعلمي، والثقافي الفرنسي في القارة حاليًا مقارنة بفترة الاحتلال، فها هو الجيوسياسي الفرنسي ميشيل غالي المختص في المسائل الأفريقية، يعترف بتراجع الحضور الفرنسي في المجال الأفريقي الفرانكفوني الذي أضحى اليوم «عسكريًّا أكثر منه اقتصاديًّا وثقافيًّا»؛ بسبب التغيير الطارئ على الخارطة الجيوسياسية بصعود قوى جديدة مثل الصين والهند، وأيضًا بصحوة النخب والجاليات الأفريقية المقيمة خارج بلدانها الأصلية.

تقهقر وجود الفرنسية جاء أيضًا نتيجة غير مباشرة لتراجع الحضور الاقتصادي لباريس بالقارة السمراء، في وقت تبرز فيه حقيقة تقدم المجال الناطق بالإنجليزية في أفريقيا، وتراجع «الغطرسة الفرنسية» كما يراها الأفارقة ويتحدث عنها مراقبون ومحللون أفارقة وغربيون. 

ففي تقريره لعام 2015، أعرب «المجلس الفرنسي للمستثمرين في أفريقيا» عن قلقه من تراجع حصة الاستثمار الفرنسي في أفريقيا مقارنة ببقية البلدان الناشئة مثل الصين التي تمتلك 16% من حصة السوق الأفريقية أو الهند، والموجودتين بشكل مكثف في القطاعات التجارية والصناعية، في وقت لم يعد فيها الفرنسيون يمتلكون استراتيجية فعالة لاختراق السوق الأفريقية. 

في الوقت ذاته، تفوقت الدول الأفريقية التي لم تتعرض للاحتلال الفرنسي على المستعمرات الفرنسية على «مؤشر التنمية البشرية (IDH)» الذي تزاحمت فيه الدول الفرنكوفونية على ذيل القائمة، إذ تتبوأ النيجر، وأفريقيا الوسطى، وتشاد مؤخرة القائمة بمعدلات نمو تتفاوت ما بين 0.35 وبين 0.39 %، مختتمة بذلك قائمة «مؤشر التنمية البشرية» عالميًّا حسب تصنيف «PNUD (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي)» لعام 2015م.

ووفقًا للمؤشرات المتعلقة بالإنتاج ومعدل النمو في السنوات العشر الأخيرة، فقد حققت الدول الناطقة بالإنجليزية (المستعمرات الإنجليزية) معدل نمو ما بين 6 إلى 7%، وفي المقابل سجلت منطقة الفرنك المكونة من ثماني دول أعضاء بغرب أفريقيا (UEMOA)، وخمس دول بوسط أفريقيا (CEMAC) معدل نمو متوسط ومتدن في الفترة نفسها، إذ ارتفع من 3.4% في عام 2009م إلى 4.9% في عام 2015 م، بعد أن بلغ ذروته 6.1% في عام 2012م.

ورغم أن الفرنسية ما زالت لغة مهمة، وهي إحدى اللغات الرسمية الست بالأمم المتحدة، فإن البون يتسع بينها وبين الإنجليزية بمرور الوقت. ففي مجال المعلومات والأبحاث تتوافر المصادر والكتب باللغة الإنجليزية، أضعاف ما هو متوافر بالفرنسية، التي ما زالت تتفاخر بأنها لغة العطور والموضة والنبيذ، ولهذا بدأت الأصوات ترتفع بضرورة إحلال الإنجليزية محل الفرنسية في الجامعات، والمؤسسات التعليمية بالدول الفرانكوفونية.  

تراجع قدرة الفرنسية على منافسة الإنجليزية من الناحية العلمية والأدبية وحتى الاقتصادية، أكد للأفارقة أن التمسك بتدريسها تسبب في الإضرار بأجيال عديدة، وحرمانهم من فرص عمل وتأهيل توفره اللغة الإنجليزية لدارسيها أكثر مما توفرها الفرنسية لطلابها. 

«ليست اللغة سوى عُملة نقدية تُتداول في أسواق الألسن لتحقيق الفائدة»، كما يقول عالم اللغة الفرنسي لوي- جون كالفيه، تعليقًا على تراجع الفرنسية في وقت تحول فيه العالم إلى قرية ينتشر فيها اللسان الإنجليزي، وتعيش على وقع عولمة لغوية ضارية. 

حقيقة أزمة اللغة الفرنسية ترتبط إذن بتراجع النفوذ الفرنسي سياسيًّا واقتصاديًّا، خاصة في أفريقيا، التي أحس كثير من نخبتها في الفترة الأخيرة بضرورة التوّجه لتعلّم لغة أخرى؛ الإنجليزية غالبًا، لأسباب تتعلق بتغير خارطة أسواقها، التي باتت الشركات الأمريكية والصينية تستحوذ على حصة كبيرة فيها، وأن نمط العيش والتفكير والحياة بصورته الفرنسية لم يعد يشكل الإغواء ذاته، كما كان الحال منذ بضعة عقود.  

تراجع الفرنسية في الجزائر

لم يكن قرار تغيير الجامعات الجزائرية لغة المراسلات من الفرنسية إلى الإنجليزية إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد الكامن في صدور الجزائريين تجاه لغة المحتل، وكان هذا القرار نتيجة لحراك شعبي طويل يطالب بعدم الارتباط بالفرنسية التي يحملها الجزائريون مسؤولية انهيار جامعاتهم وتراجعها في التصنيفات العالمية.  

وأشار استطلاع حديث للرأي أجرته وزارة التعليم مؤخرًا على مجموعة من الطلاب، إلى أن 94% منهم يفضلون استخدام اللغة الإنجليزية في الجامعات على اللغة الفرنسية.

التظاهرات الأخيرة في بلد المليون شهيد، فتحت الباب واسعًا أمام الجزائريين لإظهار حقيقة موقفهم تجاه فرنسا، فبعد اتهامها بالوقوف وراء «العصابة» و«المافيا» التي نهبت ثروات البلاد، وسرقت أموال الشعب، ورهنت مستقبل الأجيال، وما تبعها من إجراءات ضد مصالحها في الجزائر، جاء الدور على اللغة الفرنسية، وأعلن الشعب الحرب عليها والعودة إلى اللغة العربية لغة رسمية، وإقرار اللغة الإنجليزية لغة ثانية.

الحملة ضد اللغة الفرنسية بالجزائر انطلقت تحت عنوان «اتركوها تسقط»، وتهدف إلى مقاطعة الفرنسية على جميع المستويات، خاصة بعد تسجيل بعض المبادرات كاستبدال وزارة الدفاع الجزائرية لافتاتها إلى اللغة الإنجليزية، ووقف مجمع «سوناطراك» البترولي الحكومي، التعامل بالفرنسية، كما قررت مؤسسة «بريد الجزائر» إلغاء استعمال الفرنسية في جميع الوثائق والمُحررات الرسمية، وتعويضها بوثائق محررة باللغة العربية. 

وتعليقًا على هذه التطورات المتسارعة، رأى البرلماني خوجة الأرقم في تصريح لموقع «إندبندنت عربية» أن «اللغة الفرنسية وغيرها من التركات المسمومة، حرص الاستعمار على إبقائها بين الجزائريين ليسهل التحكم فيهم، ويعزلهم بالتالي عن باقي العالم»، وعليه، من الطبيعي أن تكون ردة فعل على هذا الوضع النشاز والغريب بكل المقاييس.

لذلك لم يكن غريبًا أن يسجل تقرير «المجلس الأعلى للفرانكفونية» تراجع الفرنسية بالجزائر في السنوات الأخيرة، إذ إن نسبة الجزائريين الذين يتحدثون اللغة الفرنسية انخفض إلى أقل من 28% فقط، أي ما يعادل 11 مليون جزائري من أصل 41 مليون نسمة.

«خذ السبحة والعن فرنسا».. هل حان وقت التخلي عن اللغة الفرنسية في الجزائر؟

وفي تونس أيضًا

في تونس أيضًا، فرض تراجع حضور اللغة الفرنسية نفسه على زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، وجعلته يركز على محاولة إعادة تموضع لغة بلاده، وقال في خطابه داخل البرلمان التونسي إن «اللغة الفرنسية لم تعد ملكًا لفرنسا فقط، بل هي ملك لكل من يتكلمها»، مطالبًا التونسيين بالحفاظ عليها «لأنها جزء منهم ومن تاريخهم» على حد قوله.

كلمات ماكرون لم تجد صدى كبيرًا في الشارع التونسي الذي بات معظمه يتكلم اليوم فرنسية ركيكة تثير سخرية الفرنسيين. ويعجز عن استعمالها كتابة وقراءة. في وقت لم يجد فيها الشعب التونسي استفادة تذكر من الاحتلال الفرنسي منذ 1881 حتى 1956، بل إنه بدأ يميل عمومًا نحو الإنجليزية.   

والدليل ما حدث في نتيجة امتحان البكالوريا سنة 2017، إذ حصل 7 آلاف تلميذ على درجة صفر في امتحان مادة اللغة الفرنسية، وقد أثار هذا الرقم الصادم وسائل الإعلام التونسية والفرنسية على السواء.  

وبينما تبدو تونس متأثرة بالسياسة الفرنسية أكثر من الأمريكية، فإنها بدأت تشهد صعودًا لتيار التعريب الذي بدأه الوزير الأول الراحل محمد مزالي في مجال التعليم، وتعزز خلال التسعينيات في الإدارة، مما أنتج أجيالًا تونسية لا تحسن الفرنسية. ويرون  أن الإصرار على إبقاء الفرنسية اللغة الأجنبية الأولى في تونس يقلل فرص التونسيين في استكشاف فضاءات جغرافية ولغوية مختلفة، سواء للدراسة أو العمل. كما أنه يؤثر في قدرتهم على التفاعل سريعًا مع مستجدات العلوم والتكنولوجيا، ويحرمهم من الانخراط بفعالية في حركة البحث العلمي في العالم.

المغرب.. حملات شعبية تواجه «واقعًا صعبًا»

في المغرب أيضًا الذي يعد خامس دولة فرانكفونية فإن اللغة الفرنسية تشهد تراجعاً تدريجيًّا. من مؤشراته، أن اللغة العربية أصبحت تحتل الصدارة بين اللغات المستعملة في الشبكات الاجتماعية عند المستخدمين والمغاربة والعرب لموقع «فيسبوك» كأبرز مثال على ذلك.

كما بدأ الشعب المغربي ينتفض عبر جمعيات وناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، مطلقين حملات للمطالبة بتعويض اللغة الفرنسية بالإنجليزية في النظام التعليمي. فيما يشبه التمرد المغاربي على السيطرة الفرنسية. 

كان من مظاهر هذا التمرد أن رئيس الحكومة المغربية السابق عبد الإله بنكيران، عبّر عن الرغبة في تحويل السياسة التعليمية نحو اللغة الإنجليزية، قائلًا إن «الفرنسية ليست قدرنا إلى يوم القيامة، وإذا كنا سنختار، فإننا يجب أن نختار الإنجليزية؛ لأنها لغة العصر والعلم والتجارة، ولا أندم على شيء أكثر من ندمي على عدم تعلم الإنجليزية جيدًا».

رغم انطلاق صفحات متخصصة في نشر المحتوى التعليمي والتربوي بالإنجليزية، للمطالبة بجعل الإنجليزية اللغة الأجنبية الأولى في النظام التعليمي بدل الفرنسية، وتقدم المغرب في استعمال اللغة الإنجليزية في السنوات الماضية، غير أن هذا التقدم ما زال محدودًا، ويصطدم بالحضور القوي للغة الفرنسية في التعليم والإدارة والاقتصاد.

خريطة للبلاد الناطقة بالفرنسية

الفرنسية تتهاوى في لبنان

في لبنان الذي يعد معقل الفرانكفونية في الشرق الأوسط، بدأت اللغة الفرنسية تشهد تراجعًا تدريجيًّا. خصوصًا بعد تراجع إقبال الأجيال الجديدة الشابة على تعلمها لحساب الإنجليزية. ولك أن تعلم أنه منذ مطلع التسعينات حتى أواسطها تراجعت مبيعات الكتاب الفرنسي قرابة 40%؛ نتيجة لتراجع اللغة الفرنسية كلغة للتحصيل العلمي والثقافي.

وفي الوقت نفسه، اضطرت الجامعات الفرنكوفونية الكثيرة في لبنان، وفي طليعتها جامعة القديس يوسف، إلى إدخال الإنجليزية في برامجها التعليمية، فيما لم تعمد جامعة كالأمريكية مثلًا إلى الالتفات إلى اللغة الفرنسية.

كما أن معظم الجامعات الحديثة في لبنان أخذت تتبع اللغة الإنجليزية في التدريس، أما الجامعات القليلة العدد التي ما زالت تدرّس بالفرنسية، فهي في الغالب الجامعات التقليدية، وفي مقدمها الجامعة اليسوعية، والجامعة اللبنانية، والجامعة الأنطونية، وجامعة الحكمة، وجامعة الروح القدس. إلا أن الأخيرة أخذت تدريجيًّا إدخال الإنجليزية لغة تدريس في عدد من الاختصاصات، وفي كل سنة تدرج أحد الاختصاصات ضمن قائمة التدريس بالإنجليزية.

وهذا يشير إلى ميل الطلاب الجدد إلى اللغة الإنجليزية، وهذا الأمر موجود أيضًا حتى في المدارس الرسمية التي يتفوق تلامذتها تاريخيًّا في كل المواد، ما عدا اللغة الفرنسية. وسرعان ما امتدت هذه الظاهرة إلى المدارس الخاصة، التي راحت تتحوّل سريعًا في تدريس اللغات الأجنبية من الفرنسية إلى الإنجليزية، فقد ارتفع عدد تلامذة القسم الإنجليزي عمومًا من 30 إلى 45%، بينما انخفض عدد تلامذة القسم الفرنسي من 70 إلى 55% من تلامذة لبنان، وذلك خلال عقد واحد من الزمن. 

رواندا تعود للإنجليزية

بالرغم من أن المنظمة الدولية للفرانكفونية انتخبت وزيرة الخارجية الرواندية، لويز موشيكيوابون لمنصب الأمين العام للمنظمة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فإن هذا الاختيار أثار جدلًا بين الناطقين بالفرنسية، خاصة أن رواندا جعلت تدريس اللغة الإنجليزية إلزاميًّا في المدرسة بدلًا من الفرنسية.   

ففي أقل من 10 سنوات، تحولت رواندا بشكل كامل من اللغة الفرنسية إلى اللغة الإنجليزية، منذ أن أعلن الرئيس الرواندي بول كاغامه اعتماد الإنجليزية لغة أولى في البلاد بدلًا من الفرنسية، قائلًا في خطاب له عام 2010: «سنعطي الأولوية للغة التي تجعل أبناءنا أكثر كفاءة، وتخدم رؤيتنا لتنمية البلاد»، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الإنجليزية هي لغة التربية والتعليم والإدارة في رواندا. 

القرار الرواندي لم يكن استجابة لنزوة سياسية، أو مجرد انتقام، كما يقدم من طرف بعض الجهات الفرنسية. وإنما قررت رواندا التخلي عن الفرنسية لأسباب تاريخية وموضوعية، واستجابة لتطورات اجتماعية، ومصالح اقتصادية، ودواع سياسية بطبيعة الحال. 

وقبل كل شيء، فإن رواندا تكون قد تصرفت بكل سيادة في اتخاذ قرار تاريخي يخصها دولة وشعبًا، لم يعد يرى مصلحة في استعمال لغة المحتل القديم الذي لم يزرع في البلاد سوى الخراب والإبادة. 

تراجع اللغة الفرنسية جعلها في موضع لا تحسد عليه، ودفع اللغويين الفرنسيين للإقرار بأن مكانة الفرنسية في المؤسسات الدولية في تراجع مستمر لمصلحة اللغة الإنجليزية، لا سيما في الاتحاد الأوروبي. 

ويقول ألكسندر وولف مسؤول «مرصد اللغة الفرنسية» في «منظمة الفرنكوفونية الدولية» إن «أقل من ربع وثائق العمل الأصلية في الاتحاد الأوروبي تصل باللغة الفرنسية، بينما كانت تمثل النصف قبل عشرين سنة». 

تراجع حتى داخل فرنسا

تراجع اللغة الفرنسية لم يقتصر على ناطقيها خارج فرنسا فحسب، بل امتد حتى داخل حدودها، حيث إن هناك توجهًا بين الأجيال الشابة لتعلم اللغة الإنجليزية، رغم نظرة الفرنسيين إليها على أنها المنافس الأول للغتهم، ويتعاملون معها على أنها خصم يجب مواجهته بكل قوة، فإن الإقبال على تعلمها يأتي وسط زيادة تأثير الشبكة المعلوماتية على حياة الطلاب والباحثين، واعتماد الإنترنت مرجعًا أساسيًّا في البحوث العلمية. هذا التوجه الشعبي حاولت الحكومة مجاراته، وقالت إنها ستتخذ خطوات لتحسين مستوى اللغة الإنجليزية لدى طلاب البلاد؛ كي تعدهم بشكل أفضل «لغزو العالم».

وقال رئيس الوزراء الفرنسي إدوار فيليب في فبراير (شباط) 2018 إن «الإنجليزية الآن هي اللغة المهيمنة للتفاهم بين الشعوب. عليك أن تتحدث بالإنجليزية إذا أردت أن تتصرف وتتعامل في ظل العولمة» مؤكدًا أن الحكومة ستجعل تخطي اختبار لشهادة دولية معترف بها في اللغة الإنجليزية إلزاميًّا على الطلبة في المرحلة الثانوية، أو في المستوى الجامعي على أقصى تقدير، مثل شهادة «إيلتس» من جامعة كامبريدج. 

وحتى على المستوى الثقافي والفني والرياضي، أخذت الإنجليزية تتسلل بين الجمهور الفرنسي؛ فقد أعرب وزير الدولة لشؤون الفرنكوفونية في الحكومة الفرنسية، أندريه فاليني عن امتعاضه من اختيار الاتحاد الفرنسي لكرة القدم أغنية باللغة الإنجليزية، وهي «آي واز مايد فور لوفين يو»، نشيدًا رسميًّا للمشجعين الفرنسيين في نهائيات كأس أمم أوروبا، التي استضافتها باريس في يونيو (حزيران) 2016. 

لهذا تعالت أصوات اللغويين داخل فرنسا بوجوب الاهتمام بتعليم اللغة للمرحلة الابتدائية، لصقل أذهان التلاميذ عبر علاقة جديدة مع قاموس اللغة الفرنسية الأساسي، على نحو يسمح بصناعة ما يسميه البعض بـ«المقاومة الفكرية» للطلاب الفرنسيين ضد الإنجليزية الآخذة في التوسع على الأراضي الفرنسية شيئًا فشيئًا. 

وبذلك، فاللغة الفرنسية تعاني اليوم نوعًا من العزلة الحقيقية ما فتئت تتزايد وذاهبة نحو أكثر انعزالية، وهذا الوضع دفع 100 مثقف وعالم إلى مناشدة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الشهر الماضي التحرك لحماية اللغة الفرنسية من الاستعمار «الأنجلو- أمريكي»، كما وصفوه، وذلك في بيان رسمي نشرته صحيفة «لوباريزيان» في الذكرى 79 للجنرال الفرنسي شارل ديجول التي حلت في 18 يونيو (حزيران) الماضي.

وقد شارك في التوقيع على البيان، عالم الاجتماع السويسري جان زيجلر، والكاتب الفرنسي ديدييه فان كوويلار، وكتب الموقعون في البيان «أن اللغة الفرنسية في وضع سيئ، وهي تختنق بفعل اللغة الأنجلو-أمريكية، ويشهد استخدامها تراجعًا بسبب هذه اللغة التي باتت مألوفة أكثر».

البيان أخرج التنافس المحموم بين الفرنسية والإنجليزية إلى العلن، حين عبر الموقعون عن رفضهم عن جعل اللغة «الأنجلو-أمريكية» لغة رسمية ثانية لفرنسا، وطالبوا ماكرون بوضع حد للمشروع الذي يعتزم تدريس مواد عامة في المؤسسات التربوية والتعليمية باللغة الإنجليزية.

«عرّابة الانقلابات في أفريقيا».. هل تقود فرنسا قريبًا انقلابًا في الجزائر؟

المصادر

s