شهدت فرنسا اليوم الأحد 19 يونيو (حزيران) 2022 الجولة الثانية من الانتخابات البرلمانية التي تحظى بأهميّة كبيرة باعتبارها أوّل انتخابات تشريعية بعد إعادة انتخاب الرئيس إيمانويل ماكرون على رأس الدولة في أبريل (نيسان) 2022 لعهدة رئاسية ثانية.

وقد جاء التحالف الرئاسي الذي يقوده الرئيس إيمانويل ماكرون «معًا» في المرتبة الأولى بحوالي 224 مقعدًا، أي إن حزب الرئيس قد فشل في الحصول على الأغلبية المطلقة، وسيتعيّن عليه تشكيل حكومة أقلية برلمانية.

أمّا المفاجأة التي أتت بها النتائج الأوليّة للانتخابات التشريعية فقد كانت الصعود التاريخي للحزب اليمين المتطرف «التجمع الوطني» بزعامة المرشحة الرئاسية السابقة مارين لوبان بحوالي 90 مقعدًا، والرقم مرشّح للارتفاع بعد انتهاء عمليات الفرز، ويعد هذا أكبر نتيجة برلمانية يفوز بها تيّار اليمين الفرنسي المتطرّف في تاريخه.

وحسب النتائج الأولية، فإن شكل البرلمان الفرنسي المقبل سيبدو مقسّمًا إلى أربع مجموعات سياسية كبرى: الحزب الرئاسي بأغلبية نسبية تقدّر بحوالي 224 مقعدًا، يليه تحالف أقصى اليسار «نوبس» بزعامة جون لوك ميلونشون بحوالي 185 مقعدًا، ثم أقصى اليمين ممثلًا في «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان التي صنعت المفاجأة بفوزها الكبير بحوالي 90 مقعدًا، ثم الحزب الجمهوري اليميني بحوالي 55-65 مقعدًا.

لا أغلبية مطلقة.. ولا مساكنة سياسية

كانت أنظار المراقبين ووسائل الإعلام مسلّطة بصورة خاصة على هذه الانتخابات بالنظر إلى تراجع شعبية الرئيس ماكرون في الانتخابات الرئاسية الأخيرة مقارنة بانتخابات 2017، بالإضافة إلى تحالف أقصى اليسار المسمّى «نوبس» التحالف الاجتماعي والبيئي الجديد بقيادة المرشّح الرئاسي السابق عن أقصى اليسار جون لوك ميلونشون، والذي دعا أنصاره وتيّار اليسار بشكل عام إلى العمل من أجل الحصول على الأغلبية البرلمانية؛ ممّا يخوّل له الوصول إلى منصب الوزير الأوّل، وفرض «المُساكنة السياسية» على الرئيس ماكرون.

ويشير مصطلح «المساكنة السياسية» إلى الحالة التي يفوز فيها حزب برئاسة الدولة، بينما يفوز حزب آخر بالأغلبية البرلمانية، وينصّ الدستور على أن يتولّى زعيم الأغلبية البرلمانية قيادة الحكومة، وهو ما يعني أنّ السلطة التنفيذية ستُدار برأسين من حزبين وأيديولوجيتين مختلفتين؛ مما قد يزيد من احتمالية الصدام والتجاذب بين رئيس الجمهورية والوزير الأوّل، وقد شهدت فرنسا هذه الحالة الدستورية ثلاث مرّات في تاريخها، مرّتين في ظل حكم الرئيس فرانسوا ميتران، ومرّة تحت حكم الرئيس جاك شيراك.

وتشير النتائج الأوّلية إلى فشل التحالف السياسي الذي يقوده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمسمّى «معًا» في الحصول على الأغلبية المطلقة، أي 50% من عدد المقاعد البرلمانية المقدرة بـ289 مقعدًا من أصل 577 مقعدًا.

إذ اكتفى التحالف الرئاسي حسب النتائج الأولية بـ224 مقعدًا، وهو ما يعني أن حزب الرئيس يحظى بالأغلبية النسبية (أي إنه الحزب صاحب أعلى عدد من المقاعد في البرلمان)، وليس المطلقة، عكس انتخابات 2017 البرلمانية التي حصل فيها التحالف الرئاسي على 350 مقعدًا؛ أي إن حزب ماكرون قد تراجع بأكثر من 120 مقعدًا برلمانيًا، وهو ما سيعقّد من مهمة الرئيس ماكرون على رأس هرم السلطة في السنوات الخمس المقبلة.

ويقول المراقبون إن هذه النتائج تعني أنّ كلًا من التيار الرئاسي والتيارات المعارضة مجتمعة فشلت في الحصول على الأغلبية المطلقة، وبالتالي فسيتحتم على الرئيس ماكرون تشكيل حكومة أقلية، والتي سبتقى مهددة بممانعة الأحزاب المعارضة، وبالتالي فإن فرنسا تتجه إلى تكوين تشكيلة حكومية توافقية بين حزب الرئيس وأحزاب أخرى.

صعود تاريخي لأقصى اليمين.. وتحالف ضد «الماكرونية»

شهدت هذه الانتخابات هزيمة مجموعة من وزراء الرئيس ماكرون، من بينهم جاستين بينين كاتبة الدولة المكلفة بالبحر، وبريجيت بورجينيو وزيرة الصحة، وإميلي دو مونشالان وزيرة الانتقال البيئي؛ وقد شهدت الانتخابات تحالف شتى بين أقصى اليمين وأقصى اليسار ضد مرشّحي الحزب الرئاسي، في إشارة إلى رغبة الناخب الفرنسي في عدم حصول رئيس الجمهورية على كل السلطات التنفيذية والتشريعية بالأغلبية المطلقة، أي السيطرة على العملية السياسية بصورة كاملة.

أمّا تحالف أقصى اليسار بزعامة المرشح السابق جون لوك ميلونشون فقد حصل على حوالي 149 مقعدًا برلمانيًا، وبالتالي فإن آمال ميلونشون في فرض «المساكنة السياسية» على ماكرون قد فشلت، لكن جون لوك ميلونشون كانت له قراءة أخرى لنتائج الانتخابات التشريعية التي اعتبرها، في احتفال، أمام أنصاره باعتبارها نجاحًا ساحقًا ممثلًا في منع الرئيس ماكرون من الحصول على الأغلبية المطلقة.

«من المبكر الحكم على النتائج الأولية للانتخابات التشريعية بالنظر إلى أنّها لم تُحسم بعد، ولكن يمكن القول عن النتائج الأولية بأنّها وضعية غير مُنتظرة ومُفاجئة تمامًا، إنها هزيمة شاملة للحزب الرئاسي ولن تكون هناك أية أغلبية، لقد نجحنا في هدفنا السياسي الذي سطرناه قبل شهر على الأقل، وهو إسقاط الشخص الذي كان يملك من الغرور ما دفعه إلى الترشح مرة ثانية دون حتى أن يعلم لماذا ترشّح، إنها هزيمة للماكرونية السياسية».

وقد صنع حزب «التجمّع الوطني» اليميني المتطرّف بقيادة المرشحة الرئاسية السابقة مارين لوبان مفاجأة كبيرة بتحقيقه نجاحًا بارزًا في هذه الانتخابات التشريعية؛ إذ استطاع الفوز بحوالي 90 مقعدًا برلمانيًا حسب النتائج الأوّلية؛ مما يؤكد بأنّ هذا التيار السياسي المعادي للمهاجرين، بالخصوص العرب والمسلمين، قد أضحى قوّة سياسية وبرلمانية لا يمكن تجاهلها، خصوصًا أنّ هذه النتائج المتقدمة تأتي بعد نتائج انتخابات رئاسية شهدت دورًا ثانيًا بين إيمانويل ماكرون ومارين لوبان، أكثر تقاربًا من انتخابات العهدة الأولى لماكرون سنة 2017.

في أجواء احتفالية سعيدة بالنتائج المحققة، علّقت زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف وسط أنصارها المحتفين بنتائج الانتخابات قائلة: رغم النظام الانتخابي غير العادل الذي تجاوزه الزمن، استطاع التجمع الوطني الفوز بكتلة برلمانية مهمة في المجلس الذي لم يعد وطنيًا، كتلتنا البرلمانية هذه المرة ستكون هي الأكبر في تاريخ تيارنا السياسي، لقد نجحنا في التحديات الثلاثة التي سطّرناها أن نجعل من إيمانويل ماكرون رئيس أقلية، لحماية بلدنا من حكم الحزب الواحد، ورئيس بدون رقابة، واستمرار الاصلاح السياسي الضروري من أجل العودة إلى الديمقراطية في مواجهة العولمة، والإصرار على فكرة الأمّة».

وفي أوّل تعليق له على النتائج الأوّلية للانتخابات التشريعية، علّق وزير الداخلية وأبرز المرشّحين عن التحالف الرئاسي «معًا» جيرالد دارمالين قال: «ليس هنالك أغلبية بديلة في مواجهة رئيس الجمهورية وبالتالي ليس هنالك مساكنة سياسية، السيد ميلونشون قد خسر رهانه، ألاحظ أن «التجمع الوطني» (حزب مارين لوبان اليميني المتطرّف) قد حصل على نتيجة عريضة، وبالتالي فالفائز بين السيد لوبان وميلونشون هي لوبان التي استطاعت أن تفوز بـ90 مقعدًا برلمانيًا للأسف».

أما الجمهوريون المحسوبون على اليمين فقد فازوا بحوالي 60 مقعدًا برلمانيًا، واعتبر رئيس الحزب كريستيان جاكوب أن الحزب المُعارض قد نجح في الهدف الرئيس المتمثل في منع الرئيس ماكرون من الحصول على الأغلبية المطلقة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد