في التقرير السابق تحدثنا عن التواجد العسكري للولايات المتحدة في أفريقيا، القواعد العسكرية في أفريقيا (1) القواعدالأمريكية  وفي هذا التقرير سنتناول التواجد العسكري لفرنسا في أفريقيا.

حسب الرؤية الفرنسية لنشاطات واشنطن داخل القارة الأفريقية، فإن واشنطن لا تنظر إلى أفريقيا سوى من خلال احتياطيها من المعادن والماس، وتهدف أمريكا إلى تشديد القبضة على وسط أفريقيا للتحكم بالقارة شمالاً وجنوباً، ثمّ السيطرة على ثرواتها عبر إشعال حروب نشطة، بالطبع ستخرج الولايات المتحدة من هذه الحروب هي الوحيدة المستفيدة. هذه الرؤية تحتم علينا إذن أن نؤكد على كلام العديد من المحللين عن حرب النفوذ هذه بين باريس وواشنطن في القارة السمراء.

إرث استعماري كبير

ترتكز فرنسا كدولة عظمى على ثلاثة عوامل: مقعدها الدائم في مجلس الأمن، والقدرة النووية، ثمَّ أفريقيا. وتعتبر فرنسا الدولة الأوروبية الأولى من حيث قوة نفوذها وقدرتها على الحركة في الأرض الأفريقية. منذ 2011 وحتى الآن تدخلت فرنسا بشكلٍ مباشر في القارة أربع مرات: في ساحل العاج وليبيا ومالي وأفريقيا الوسطى.

إذا حاولنا أن نحصي عدد المستعمرات الفرنسية في أفريقيا فسنخرج بنتيجة أن أكثر من عشرين دولة أفريقية وقعت تحت ربقة الاستعمار الفرنسي. أغلب هذه الدول نال استقلاله في الستينات، ولا توجد دولة كبرى تقف على قدم المساواة مع فرنسا من حيث عدد المعاهدات العسكرية التي تسمح لها بالتدخل في بعض دول القارة.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“من موكب الكتيبة الفرنسية بالسنغال، 2010”

بناء على هذا الإرث الاستعماري، فإن فرنسا لم تخرج من أفريقيا نهائياً، وإنما خرجت لتبقى بشكلٍ آخر، فإن لم يكن هناك قاعدة عسكرية في دولةٍ ما من مستعمراتها السابقة، فإن فرنسا على علاقة بالقيادة في تلك الدولة، أو أنَّ قاعدة أخرى قريبة من هذه الدولة لتحافظ بالطبع على مصالح فرنسا. وعلى الجانب الآخر فإنَّ علاقات ثقافية قوية تمتد بين فرنسا ومستعمراتها السابقة.

ساعدت فرنسا، بعد خروجها ـ أو قبل ـ من مستعمراتها في إنشاء القوات العسكرية لعديد من هذه الدول، وتشمل الإحصاءات: 44 ألف عضو مدرب، منهم 22 ألف عضو جيش، و16ألف عضو أمن داخلي، و6 آلاف فرد حرس قومي، موزعةً على أفريقيا. كما تدين لها العديد من مستعمراتها السابقة بتكوين الجيش وتدريبه وتسليحه، وقد تجاوزت قيمة المساعدات من الأسلحة والمعدات والملابس التي قدمتها فرنسا إلى مستعمراتها خلال العامين الأولين من الاستقلال ما يتعدى 80مليون جنيه إسترليني. ويتراوح قيمة العتاد العسكري المقدم لتلك الدول من فرنسا سنوياً بين 4و6 مليون إسترليني سنوياً. كما تخرَّج المئات من الضباط الكبار في هذه الدول من المدارس الفرنسية.

لماذا تتوسع فرنسا في أفريقيا؟

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“جندي فرنسي بكوت ديفوار”

بعد استعراض الاستعمار الفرنسي للدول الأفريقية، لماذا إذن تسعى فرنسا للتوسع في أفريقيا الآن؟ ناهيك عن اعتمادها على أفريقيا كركيزة أساسية تدعم بها قوتها في المجتمع الدولي، نستطيع أن نجمل أسباب محاولاتها التوسع في الأسباب التالية:

ـ المصالح الاقتصادية المهولة في أفريقيا.

ـ محاولة الولايات المتحدة زيادة نفوذها في القارة الأفريقية، ما يضر بمصالح فرنسا يجعلها تضاعف جهودها.

 ـ تشعر فرنسا أن أفريقيا لا زالت من حقها، خصوصاً أنها تقدم أموالاً مهولة لدعم البنى التحتية والعسكرية في العديد من الدول.

وتقوم سياسات فرنسا لتثبيت قدمها في أفريقيا على أساسين: الناحية الثقافية، ثم العسكرية. وقد أنشأت فرنسا المنظمة الدولة للفرانكفونية، وتشمل الدول الناطقة بالفرنسية أو التي تعتبر الفرنسية منتشرة فيها، وتضم 55عضواً، منهم 30 دولة أفريقية.

القواعد العسكرية الفرنسية في أفريقيا

تقلصت القواعد العسكرية الفرنسية في أفريقيا من 100 قاعدة عام 1960 إلى ثلاث قواعد فقط، بالإضافة لبعض القوات المتمركزة في أماكن أخرى. تحتوي هذه القواعد على 8000 جندي فرنسي.

تتمركز القواعد الفرنسية الثلاث في جيبوتي ـ التي تحتوي على قاعدة أمريكية أيضاً كانت قاعدة فرنسية في السابق ـ، وتعتبر القاعدة الأكبر في أفريقيا، وبها وحدها 1500 جندي فرنسي. والثانية في السنغال بينما تقبع الثالثة في ليبرفيل بالغابون، كذلك توجد قوات فرنسية في جزيرة رينيون ـ تقول تقارير أنها قاعدة ـ وتدعم العمليات الجارية في جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد وكوت ديفوار ومالي والصومال. بينما يرتكز 1200 جندي فرنسي في تشاد “لحماية الرعايا الفرنسيين” كما تقول فرنسا، لكنّ الأصل في هذه القوات دعم حكومة الرئيس ديبي إتنو وتقديم الدعم الاستخباراتي للقوات التشادية.  بينما ينتظر أن يوافق البرلمان الكوت ديفواري لإنشاء قاعدة أخرى في يناير 2015.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

أدميرال فرنسي مع رئيس الأركان السنغالي، في معسكر للجيش الفرنسي بالسنغال

نماذج من تدخل القوات الفرنسية في أفريقيا

تدخلت فرنسا عسكرياً في أفريقيا تسع عشرة مرة خلال الفترة من 1962 و فقط1995 ، بينما خلال الأربع سنوات السابقة تدخلت أربع مرات. عام 1977 تدخلت فرنسا لإنقاذ الديكتاتور الكونغولي موبوتو سيسي سيسكو، وعام 1978 أرسلت فرنسا قوات لمهاجمة متمردي كاتنغا للدفاع عن موبوتو مرة أخرى.

لم تكن هذه فقط تدخلات فرنسا، بل إنها تدخلت أثناء الحرب الأهلية في رواندا والتي راح ضحيتها مليون رواندي، وأكثر منهم نازحون. دعمت فرنسا حينها الحكومة، وقدمت شحنات سلاح فرنسية للجيش الرواندي أعوام 1991 و92 و93 وأثناء الإبادة عام 1994 تم إيصال ستّ شحنات من السلاح بقيمة 5454395 دولاراً من فرنسا إلى الحكومة. وتتهم رواندا الآن ـ رسمياً ـ فرنسا بالاضطلاع في الإبادة الجماعية بدعمها الهائل للحكومة.

المصادر

تحميل المزيد