منذ احتلالها سنة 1830 من طرف الفرنسيين اندلعت العديد من موجات المقاومة الجزائرية المسلّحة التي حاولت التصدّي للاحتلال، إذ لم تهدأ الثورات والانتفاضات طوال السنوات التي أعقبت دخول الفرنسيين البلاد، فلم تكن الثورة التحريرية سنة 1854 هي الوحيدة التي أشهرت السلاح ضد التواجد الفرنسي في البلاد.
وقد سجّل الرسّامون الفرنسيّون لوحات خلّدت هذه المقاومات والمعارك الضارية التي دارت بين الجيش الفرنسي والمقاومين الجزائريين في مختلف الجهات والمناطق. في التقرير التالي نستعرض تاريخ هذه المقاومات المسلّحة ضد الفرنسيين من خلال اللوحات الفنيّة الأوروبية التي رسمها فنّانون خلّدوا تلك الحقبة التاريخية.  

معركة قسنطينة.. الباي العثماني يرفض الاستسلام

إثر دخول الاحتلال الفرنسي الجزائر سنة 1830 وسيطرتها على عاصمة البلاد، وتوقيع الداي حسين على «وثيقة الاستسلام» التي يقرّ بموجبها بالهزيمة أمام الفرنسيين، كانت الأنظار الفرنسيّة تتّجه صوب قسنطينة، إحدى كبرى مدن الشرق الجزائري، خصوصًا بعد الإطاحة بمدينة عنّابة الساحليّة سنة 1832. بادر الفرنسيّون من خلال الجنرال دي بورمون بطلب الاستسلام من أحمد باي، آخر بايات قسنطينة الذي رفض إطلاق الاستسلام للفرنسيين وحاول الحفاظ على استقلاليّة نسبيّة لإقليمه. 

في هذه اللوحة للفنان الفرنسي هوراس فيرنيه التي رسمها بعد سنة من المعركة الضخمة، يصوّر اقتحام الفرنسيين لأسوار المدينة والاشتباكات مع سكّانها، فيما تبدو جُثث المقاومين متساقطة على جوانب اللوحة، بينما يتوسّط اللوحة جنديّ يحمل العلم الفرنسي عاليًا. 

كانت المواجهة العسكريّة الشاملة بين الطرفيْن مسألة وقت فقط، لكن قبل أن تشنّ القوّات الفرنسيّة حملتها العسكرية من أجل غزو مدينة قسنطينة في شرق البلاد، مهّدت لها من خلال عقد الصُلح مع الجبهة الغربيّة بقيادة الأمير عبدالقادر، ممّا سمح لها بالتفرّد بقسنطينة سنة 1837 مستغلّة العلاقة المتوتّرة بين الباي والأمير.

حاول الفرنسيّون اقتحام قسنطينة لأول مرة سنة 1836، لكنّ الحملة فشلت بعد أسبوع كامل من القتال أوشكت ذخيرتهم فيها على الانتهاء، ليرسلوا بعد سنة واحدة جيشًا ضخمًا يتكوّن من 11 ألف جندي بقيادة الجنرال دامريمون الذي نجح هذه المرة في اقتحام المدينة، هناك حيث استمرّت المعارك في كل الشوارع والأزقّة بين السكّان وقوّات الاحتلال الفرنسي، لتنتهي الحملة بانتصار الفرنسيين وكسر المقاومة في شرق البلاد. 

الأمير عبد القادر.. أطول مقاومة مسلّحة في تاريخ الاحتلال الفرنسي

سنة 1835 كانت قد مضت خمس سنوات على دخول الاحتلال الفرنسي الجزائر وسيطرتهم على أغلب مساحتها الجغرافيّة وتثبيت أركان النظام الاستعماري، كما كانت قد مرّت ثلاث سنوات منذُ بويع الأمير الشاب عبد القادر ذي 24 ربيعًا من طرف قبائل وشيوخ الجزائر باعتباره قائدًا للجزائريّين، خصوصًا بعد فرار الدايات العثمانيين إثر الاحتلال الفرنسيّ.

استطاع الأمير عبد القادر في هذه الفترة الوجيزة توحيد العديد من القبائل العربيّة والبربريّة تحت لواء دولته، وتكوين جيش وإقامة مؤسّسات سياسية وقانونيّة سهّلت له حُكم مساحة واسعة من الجزائر ظلّت تُنافس النفوذ الفرنسي في البلاد، في خضمّ صراع سياسيّ وعسكريّ محتدم مع الاحتلال الفرنسي.  

لوحة الرسّام الفرنسي هوراس فيرنيه (horace vernet) تخلّد ذكرى معركة الهبرة التي وقعت في خريف سنة 1835 بمنطقة وادي الهبرة غرب البلاد بين قوّات الأمير عبد القادر والقوّات الفرنسيّة بقيادة الماريشال كلوزيل، والتي انتهت بهزيمة قوّات الأمير واحتلال الفرنسيين لمدينة معسكر. 

معركة سيدي براهيم – الرسّام: لويس ثيودور ديفيلي

خاض الأمير عشرات المعارك ضد الفرنسيّين، واستمرّت المقاومة الجزائرية تحت قيادته 15 سنة كانت حافلة بالمواجهات السياسيّة والمسلّحة على حدّ سواء ضد المحتلّين، وحتّى بعد دحر مقاومته وأسره لدى الفرنسيّين، بقي ذِكره خالدًا لديهم بحُكم أخلاقه التي اشتهرت عنه وتعامله الراقي تجاه أسرى الحرب وحفظه للعهود. 

معركة سيدي ابراهيم التي جرت في منطقة الغزوات (محافظة تلمسان) في سبتمبر (أيلول) 1845 تعدّ إحدى أكبر المعارك التي انتصر فيها الأمير عبد القادر على الفرنسيّين، إذ قضت قوّاته على حامية فرنسية كاملة، كما نجحت في أسر 600 فرنسي في منطقة عين تيموشنت، وهو ما أدّى بالفرنسيين إلى طلب العون من الحكومة الفرنسيّة لإرسال تعزيزات أكبر للقضاء على مقاومة الأمير، وهو ما استجابت له باريس بإرسال الجنرال بيجو على رأس قوّة بشريّة ضمّت جيشًا ضخمًا قوامه 120 ألف جندي. 

نفس المعركة بريشة الرسّام الجزائر حسين الزيّاني

إلى جانب الشجاعة الاستثنائيّة والبراعة القاتليّة التي اتّسم بها الأمير عبد القادر، تذكر كُتب التاريخ مواقفه اتجاه الأسرى الفرنسيين، إذ يذكر هنري تشرشل في كتابه عن الأمير عبد القادر أنّه عزّى الأسرى الفرنسيين وطمأنهم بأنه لن يصيبهم أي مكروه: «لا تيأسوا أبدًا من المستقبل، فلن تحدث لكم مضرّة، إن مشيئة الله قد قرّرت أن تسقطوا في يدّي. والله قادر على أن يحكم بتحريركم».

استمرّت المقاومة الجزائرية تحت قيادة الأمير عبدالقادر 15 سنة خاض خلالها عشرات المعارك ضد الاحتلال الفرنسي إلى غاية انهزامه سنة 1847، ثم أسره مع عائلته في فرنسا، لتُطوى صفحة مقاومة الأمير عبد القادر الجزائري، وتمهّد لولادة مقاومات مسلّحة أخرى في أرجاء الجزائر. 

سياسة

منذ 5 سنوات
في ذكرى الأمير عبد القادر.. أبرز وجوه المقاومة الشعبية الجزائرية

لالة فاطمة نسومر.. ابنة الزاوية وبطلة المقاومة الجزائرية

بعد حوالي عقدين من احتلال القوّات الفرنسية للجزائر سنة 1830، كانت المقاومة الشعبية الجزائريّة تعرف تحوّلات خطيرة، فثورة الأمير عبد القادر التي انطلقت سنة 1832 واستمرّت لما يزيد عن 15 سنة قد هُزمت بعد وقوع الأمير في الأسر، لكن ذلك لم يكن يعني انتهاء الثورة، بل إنّ نهاية مقاومة الأمير كانت موعدًا لولادة عدّة بؤر مقاومات محليّة في مختلف الأقطار الجزائريّة، إذ اشتعلت في منطقة الظهرة والزعاطشة ببسكرة في الصحراء الجزئريّة، إلى جانب بلاد القبائل في جبال جرجرة.

بقية منطقة جبال جرجرة بعيدة عن أطماع الفرنسيين إلى غاية سنة 1847، فبعد انكسار مقاومة الأمير عبد القادر وتفرّق جيشه والقبائل المُبايعة له، ظهرت قيادات ثوريّة في عدّة جهات من الجزائر، من بينها منطقة زواوة المعروفة بـ«منطقة القبائل»، إذ انتظم سكّان المنطقة إلى جانب طلبة الزوايا في موجة ثورية شهدت مواجهات قويّة ضد الجيوش الفرنسيّة، وقد كانت لالّة فاطمة نسومر، إحدى هذه قيادات الثورة.

يصوّر هنري فيليكس فيليبوتو، الفنّان الفرنسي الذي له العديد الأعمال الفنيّة التي خلّدت الحروب النابليونيّة ضد أوروبا، بالإضافة إلى الحرب في الجزائر، يصوّر قيادة لالة فاطمة نسومر بالإضافة إلى الشريف بوبغلة لجيوش المقاومة ضد الفرنسيّين. 

وُلدت لالة فاطمة نسومر، سنة 1830 – نفس السنة التي دخلت فيها قوّات الاحتلال الفرنسيّ الجزائر – أبوها الشيخ الطيب، شيخ زاوية ورجة الرحمانية. وفي أواخر سنوات الأربعينيات من القرن التاسع عشر، شهدت منطقة زواوة توافد العديد ممّن يُدعوْن بالأشراف، وهم رجال متصوّفون كان بعضهم في جيش الأمير عبدالقادر، وقد عزموا على تفجير الثورة من جديد في منطقة زواوة، كان أبرزهم الشريف محمّد الهاشمي الملقّب بـ«بومعزة» والشريف محمد الأمجد بن عبدالملك الملقّب بـ«بوبغلة» وغيرهم، وقد اتّصل هؤلاء الأشراف بالزوايا المحلّية من أجل حشد الدعم لثورتهم ضد الفرنسيين، ومن بينهم زاوية ورجة الرحمانية، لتنظمّ إليهم لالة فاطمة نسومر وتشارك معهم في العديد من المعارك الحربيّة. استمرّت مقاومة لالّة فاطمة نسومر المسلّحة إلى غاية سنة 1857 حين قاد الجنرال راندون حملة عسكرية على جبال جرجرة، انتهت بأسر لالة فاطمة نسومر، التي توفيت بعدها بستّ سنوات في الإقامة الإجبارية. 

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
لالة فاطمة نسومر.. ابنة الزاوية التي قادت المقاومة الجزائرية ضد الفرنسيين

معركة الأغواط.. أولّ سلاح كيماوي في العصر الحديث

فصل آخر من فصول المقاومة الجزائريّة العسكريّة شهدتها مدينة الأغواط سنة 1852، وذلك للتصدّي للحملة العسكرية الفرنسيّة التي حاصرت المدينة وأرادت اقتحامها. موقع مدينة الأغواط الجغرافيّ الاستراتيجيّ الذي يتوسّط خريطة الجزائر ويمثّل مدخلاً للصحراء الكُبرى جعلها مُغرية للسيطرة الفرنسية، وقبل ذلك فقد كانت المدينة موقع انطلاق هجمات المقاوِم الغامض المعروف بـ«ناصر بن شهرة» الذي كان يقود المقاومة الجزائرية المسلّحة في الصحراء، والذي شارك في عدّة انتفاضات، من بينها ثورة أولاد سيدي الشيخ والقبائل والشريف عبد الله وغيرها.

وقد شهدت المعركة الدامية التي شنّتها فرنسا ضد الاغواط لأوّل مرّة في العصر الحديث، استعمال الأسلحة الكيميائيّة في الحروب، ويلقّب سكّان المدينة السنة التي اقتحمت فيها القوّات الفرنسية المدينة وارتكبت فيها تلك المجزرة بـ«عام الشكارة»، وذلك بسبب خنق المقاومين بالغاز ووضعهم في أكياس.

لوحة «المعركة الأخيرة» للرسّام الدنماركي نيلز سايمونسن

وقد أكّد الباحث الجزائري عبد الكاظم العبودي لجريدة «الشروق» الجزائريّة استخدام الفرنسيين لغاز الكلوروفورم السّام صبيحة الرابع من ديسمبر (كانون الأول)، والذي أدّى إلى تنويم المشاركين في المقاومة الجزائرية وشلّ أعضائهم «قبل أن يتمّ وضعهم في أكياس وحرقهم أحياء» حسب الباحث، وأضاف أنّ تفاصيل هذا الملف موجود لا يزال مذكورًا في الأرشيف الفرنسي، وتشير مصادر إلى أنّ المذبحة الفرنسيّة ضد سكّان الأغواط قد قضت على ثُلثيْ سكّانها.

نيلز سايمونسن (Niel Simonsen) هو رسّام دنماركيّ قاده شغفه بالفن إلى السفر إلى عدّة مناطق في العالم، من بينها الجزائر في الوقت الذي كانت المقاومة الشعبيّة ضد الاستعمار الفرنسي على أوجّها، فصوّر بعض اللوحات الفنيّة التي خلّدت الصراع بين الجزائريين والفرنسيين، ومن بين أشهر هذه اللوحات هي لوحة «المعركة الأخيرة» التي تخلّد اقتحام الفرنسيين لمدينة الأغواط سنة 1852. لوحات سايمونزن الفنيّة الخاصة بالجزائر وجدت طريقها إلى المتحف الوطني الدنماركي في العاصمة ستوكهولم.

سياسة

منذ 5 سنوات
الهولوكست الأول.. حيت ارتكبت فرنسا إبادة جماعية بالأسلحة الكيماوية في الأغواط

ثورة الزعاطشة.. جماجم المقاومين في متاحف فرنسا

بعد انكسار المقاومة الجزائرية متمثلة الأمير عبد القادر وأسره سنة 1847، شهدت البلاد ركودًا مؤقّتًا في صفوف المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي لتعود بعدها بسنوات قليلة، بالخصوص في منطقة التلّ والصحراء. ومن بين المناطق في مقدّمة الصراع مع الفرنسيين كانت الزعاطشة (محافظة بسكرة) بقيادة الشيخ بوزيّان أحد الزعماء القبليين للمنطقة. 

بدأ الشيخ بوزيان حملته للجهاد ضد الاستعمار الفرنسي في مايو (أيار) 1849 وسط ظروف داخليّة مشحونة بالتوتّر والغضب من الفرنسيين نتيجة سياستهم القمعيّة وزيادتهم الضرائب على الفلاّحين، بالإضافة إلى القبضة الأمنية الشديدة على المنطقة، وعمل على توحيد قبائل المنطقة خلف فكرة الجهاد والمقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، وقد ساعده على ذلك بعض الانتصارات العسكريّة التي حقّقها، بالخصوص بعد فشل العقيد كربوجيا في وأد الثورة في منطقة الزعاطشة. 

جون أدولف بوسي (Jean-Adolphe Beaucé) هو رسّام متخصّص في مشاهد المعارك والحروب، وقد رافق قوّات الاحتلال الفرنسي في شمال أفريقيا والشرق الأوسط والمكسيك، وصوّر العديد من المعارك التي خاضها ضد المقاومات المحليّة، من بينها معركة الزعاطشة.

في خريف سنة 1849 عزم الفرنسيّون على اقتحام المدينة ووأد الثورة فيها، هذه المرّة بتعداد أكبر وتجهيزات عسكريّة أكثر قوّة، كما وصل الأمير جيروم بونابارت، أحد أحفاذ الإمبراطور نابليون للمساهمة في المعركة المنتظرة، وكثّف الجيش الفرنسي من قطع أشجار النخيل التي كانت بمثابة الحصن الطبيعي للمنطقة، لكن مقاومة السكّان استمرّت بشدّة طوال فترة الحصار، ليصل عدد قتلى الفرنسيين إلى 888، بعضهم برصاص المقاومة، والآخرون بسبب الأمراض حسب التقارير العسكريّة. 

وفي شهر نوفمبر (تشرين الثاني) أطلق الفرنسيّون الحملة الأكبر من أجل تدمير المدينة والقضاء على المقاومة فيها، إذ هاجم أكثر من 8 آلاف عسكري باستخدام 16 مدفعًا حربيًا الواحة الصحراويّة في صبيحة يوم 26 نوفمبر، واستطاعوا اقتحامها وأوقعوا إبادة جماعية في صفوف سكّان المدينة، ما لم يستثنِ حتى الأطفال والشيوخ والنسوة حسب التقارير العسكرية.

 بعد تواصل الاشتباكات أمام بيت الشيخ بوزيّان الذي نُسف بيته ثلاث مرّات، أعدِم قائد مقاومة الزعاطشة وابنه والشيخ سي موسى الدرقاوي رميًا بالرصاص، كما قطعت رؤوسهم وعلّقت على جذع النخلة تشفّيًا واستهزاءًا. لكن الأبشع كان نقل رؤوسهم رفقة باقي المقاومين إلى «متحف الأنثروبولوجي بباريس»، إذ لا تزال جماجمهم لحدّ الساعة في ذلك المتحف، وهو ما تحاول الحكومة الجزائريّة طوال السنوات الماضية التصدّي له من خلال مطالبتها فرنسا بإرجاع جماجم هؤلاء المقاومين لدفنهم، وقد أكّد الرئيس الجزائري تبّون عزمه استرجاع هذه الجماجم في تصريح له مؤخّرًا. 

المصادر

تحميل المزيد