«انتهاكات لحقوق الانسان، وآلاف المعتقلين السياسيين في السجون، وتراجع هامش حريّة التعبير، وإغلاق للمجال السياسيّ أكثر مما كان في عهد النظام الذي أسقطته الثورة»، لو أنّك أخبرت شابًّا يقف في ميدان التحرير إبّان ثورة 25 يناير (كانون الثاني) في مصر قبل سبع سنوات أن هذا سيكون مصير البلد؛ لاتهمك بالتشاؤم غير المبرر، أو حتى الجنون، لكن المصريين اليوم – حسب العديد من المراقبين – يعيشون هذا الواقع المأساوي بكل تفاصيله وإحباطاته.

سبع سنوات كاملة منذ أن أغرق المصريون الشوارع متظاهرين ضدّ حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، ولعلّ أهداف الشعار الشهير الذي رفعه الثوار في ميدان التحرير وكل ميادين البلاد «عيش.. حريّة.. عدالة اجتماعيّة» لم تتحقق بشكل مقبول – إن لم تكن قد تراجعت وانحدرت – إلاّ أن الكثير من أساتذة التاريخ والمثقّفين يؤكّدون على أن أعمار الثورات تفوق بكثير أعمار الأفراد القصيرة، وكثيرًا ما يستشهدون على هذا بالثورة الفرنسية التي عرفت انتكاسات وتقلّبات قبل أن تستقرّ أوضاعها، بل إن هناك مقولة شهيرة لرئيس الوزراء الصيني السابق حين سُئل عن نتائج الثورة الفرنسيّة؛ فأجاب بأن الوقت مازال مبكّرًا للحكم على نتائجها، بالرغم من أنها سبقت الثورة المصرية بقرنيْن من الزمن.

في الأسطر القادمة، سنسافر إلى السنوات السبع الأولى من الثورة الفرنسيّة؛ لنرى تقلّباتها وهزائمها وإخفاقاتها، والتحديات التي واجهتها في أيامها الأولى، الأمر الذي سيساعدنا على تكوين تقييم قريب من الموضوعيّة للحالة التي تعيشها الثورة المصرية في عيد ميلادها السابع.

السنة الأولى.. الشعب يريد إسقاط النظام

إنه العام 1789، بينما تغلي قطاعات واسعة من الشعب الفرنسيّ الذي يعاني أشد المعاناة تحت وطأة أوضاع اقتصاديّة خانقة، جرى في مايو (أيّار) اجتماع مصيريّ، حين استدعى الملك «الهيئة الثالثة»، أو ممثّلي الطبقات الثلاث المكوّنة للمجتمع الفرنسي: النبلاء، ورجال الدين، والشعب. وقد كان هدف الاجتماع الحصول على موافقة من قبل هذا المجلس لزيادة الضرائب على الشعب؛ وذلك لأن الخزينة الفرنسية مفلسة تمامًا.

أراد الملك الحصول على موافقة الهيئة الثالثة حتى يكون هنالك إجماع على هذا القرار غير الشعبيّ، ولتفادي أيّة أعمال عنف أو مظاهرات شعبيّة معارضة لهذا القرار، خصوصًا مع غليان الشارع الفرنسيّ واحتجاجاته التي لا تتوقّف؛ بسبب الأزمة الاقتصاديّة الطاحنة، وتفشّي الفقر، والبؤس في المجتمع. لكن النّواب، وبحُكم غليان الشارع وضغوطاته، لم ينصاعوا لقرار الملك، بل أعلنوا في 17 يونيو (حزيران)  قيام اجتماع لن يحل نفسه إلاّ بدستور جديد يقرّ ملكيّة برلمانيّة، ويُنهي الحكم الشموليّ الذي يحتكره الملك، مستلهمين ذلك من الثورة الأمريكية.

لوحة لجون فيكتور شناتر – مصدر الصورة: Fine Art America

وفي يوليو (تموز) من ذات السنة انطلقت الشرارة التي يعتبرها الكثير من المؤرخين من أهم الأحداث في بداية الثورة الفرنسيّة؛ وهي الهجوم الذي قاده الثوار الفرنسيون على حصن الباستيل الذي يمثّل – في أذهان العامّة – السلطة الملكيّة الغاشمة، ويسقط على إثر الاشتباكات المسلّحة قتلى من جانب الثوّار والحرس، لكن الثوّار يسيطرون في النهاية على الحصن تمامًا، إنها أولى انتصارات الثورة الفرنسيّة.

تقرّر الجمعيّة العامة (البرلمان) وسط هذا الزخم الثوريّ الذي عمّ أرجاء فرنسا بعد اقتحام الباستيل، والضغوط من قبل المجموعات الثوريّة التي بدأت حملات «الإرهاب الثوريّ» التي استهدفت النبلاء وأصحاب الأموال وممتلكاتهم، إلغاء جميع امتيازات الطبقة الحاكمة، وإنهاء نظام الإقطاع رسميًّا، وتعلن بعدها بأيّام عن وثيقة «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» المستلهمة من الثورة الأمريكية مجدّدًا، والتي تعتبر من أهم محطّات الثورة؛ فقد بدأت الوثيقة بعبارة شديدة الثوريّة في ذلك السياق التاريخي، وقد كانت إعلانًا عن قطيعة مع النظام البائد القائم على الطبقيّة: «كل الناس يولدون ويموتون أحرارًا ومتساوين في الحقوق».
صحيح أن الغضب في الشارع الفرنسيّ كان قد بلغ عنان السماء، لكن مكانة الملك في قلوب الكثيرين كانت محفوظة؛ إذ إن الغضب في مجمله كان موجهًا تجاه الإقطاعيين وطبقة النبلاء والفاسدين الذين يتعامل معهم المواطن بشكل يوميّ، ويرى فسادهم، لذلك تفاءل الكثيرون بأن الملك سيتبنّى هذه الإصلاحات ويدافع عنها، إلا أنه لم يفعل، وبذلك بدأ الغضب الشعبيّ ينتقل إلى أعلى هرم السلطة.

الجمعيّة العامّة من جهتها، مستندة إلى غضب الشارع، ونفوذها في صفوف الثوّار، تقرّر أن السبيل الوحيد للخروج من الأزمة الاقتصاديّة الخانقة هو مصادرة الأراضي والممتلكات التابعة للكنيسة الكاثوليكيّة، وضمّها إلى الخزينة العموميّة.

في المقابل، مرّت السنة الأولى للثورة المصريّة بابتسامة في الوجه، ودموع لم تجفّ بعد، ويقين لا يهتزّ بغد أفضل؛ فبعد خروج ملايين المواطنين المصريين إلى الشوارع، وسقوط شهداء في مختلف المحافظات برصاص الشرطة، أعلن الرئيس حسني مبارك تخلّيه عن السلطة بعد أكثر من 30 سنة على رأسها، وقد عدّت لحظة تاريخيّة حاسمة، وانتصارًا كبيرًا للثورة، لكن السنة الأولى لم تكن أفراحًا وأحلامًا ثوريّة تعانق السماء فقط، بل كانت سنة سقطت فيها الدماء بغزارة؛ إذ شهدت مصر عدّة أحداث عنف ومواجهات، جرى فيها إطلاق النار على المتظاهرين؛ مما أدّى إلى سقوط شهداء، مثل أحداث محمّد محمود، وماسبيرو، ومذبحة بورسعيد.

السنة الثانية.. رياح الحريّة

بدأ الشعب يتنفس رائحة الحريّة التي جلبتها الثورة؛ إذ تضاعف عدد الجرائد والمجلات المعارضة، وأُنشِئت النوادي السياسية (الأحزاب) وانطلقت المناظرات تناقش كلّ القضايا السياسية والفلسفية والاقتصاديّة دون رقيب، وسيطر هذا الحراك الفكري الحرّ على المشهد السياسي في فرنسا، وانبثقت عنه حركات واتّجاهات فكريّة متنوّعة. ومن بين أهم التيارات السياسيّة في هذه المرحلة، برز «نادي اليعقوبيين» الذي ترأسه في مارس (أذار) شخص يدعى «روبيسبيار»، المحامي والسياسي الذي سيكون له تأثير جوهري في مسار الثورة الفرنسية.

لوحة Tennis Court Oath للفنان جاك لويس دافيد

أخذت الجمعية العامّة المدعومة من الشارع زمام المبادرة، ولم تكتفِ بكتابة الدستور كما أعلنت في بدايتها، بل شرعت  في إجراء إصلاحات عميقة للمؤسسات الحكومية وعدّلت التقسيمات الإدارية بما يخدم المصالح العامّة، لا مصلحة النبلاء والإقطاعيين.وفي 12 يوليو (تمّوز) أقرّت الجمعيّة ما سمّي بـ«الدستور المدني لرجال الدين» الذي  ينص على أن أعضاء الكنيسة يجري انتخابهم، ويخضعون لقوانين الدولة والملك والدستور. وقد أدّى هذا القرار إلى انقسام الكنيسة إلى: قساوسة ثوريين، وقفوا مع قرارات الجمعية العامّة. والقساوسة الرافضين رفضًا قاطعًا لهذه الأفكار التي اعتبروها «كُفرًا».

أما المصريون فقد بدأوا العام الثاني للثورة ببرلمان جديد سيطر عليه الإسلاميون؛ إذ حاز حزب «الحرية والعدالة» التابع لجماعة الإخوان المسلمين، والأحزاب السلفية، الأغلبية البرلمانيّة بأكثر من 70%، إلا أن المجلس العسكري أعلن حلّ هذا البرلمان بعدها بستة أشهر بحكم من المحكمة الدستورية.

كما جرت أول انتخابات رئاسيّة تعدديّة بعد الثورة، شهدت تنافسًا بين مختلف الأطراف السياسيّة، وانتهت بتقلّد الدكتور محمّد مرسي، القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، لمنصب رئيس الجمهوريّة. لقد انتهت السنة الثانية للثورة برئيس جمهوريّة جديد، ودستور جديد، وبرلمان محلّ.

السنة الثالثة.. الثورة المضادّة ترتّب أوراقها

استفزّ القانون المنظّم للكنيسة بابا الفاتيكان؛ ما جعله يشجبه علنًا، ويعتبره «كُفرًا»، وقد رأى الملك في هذا التصريح مؤازرة له ولنظامه، كما أنه أراد الحفاظ على التحالف القائم بينه وبين الكنيسة؛ مما جعله يستجيب سريعًا باستخدم حقّه في «الفيتو»، ويتدخّل بذلك في عمل الهيئات التشريعية؛ ليوقف هذا القانون.

وفي يونيو من ذات السّنة، بدأ الملك في التفكير باستراتيجيّة لإجهاض الثورة، وعودته إلى الحكم المطلق، وبدأ في تنفيذ خطّة محكمة تقضي بأن يزور هو وعائلته وحدات لجنود موالين له؛ للاستعانة بهم في الانقلاب على الثورة، لكن الخطّة تنتهي بالتعرف عليه من قبل بعض الثوّار في الطريق، وبذلك يتمّ إيقافه وإرجاعه إلى باريس. هذه الحادثة كان لها وقع كبير على نفوس الفرنسيين الذين كان الكثير منهم يحتفظ بتقدير واحترام للملك، لكن ولاءهم بدأ يتزعزع شيئًا فشيئًا، وسط تعالي الاتهامات له بالخيانة، وطعن الثورة في الظهر، بدلًا عن دعمها.

الملك لويس السادس عشر – مصدر الصورة: biography.com

في صيف هذه السنة، كانت موجات العنف قد بدأت، وانطلاق مسلسل سيلان الدم بعد إطلاق جنود النارعلى مجموعة من الثوار الجمهوريين الذين يطالبون بتسليم الملك.

وقد كان أهمّ حدث في السنة الثالثة للثوّرة هو الإعلان عن أول دستور في التاريخ الفرنسيّ، إذ تنتقل البلاد بموجبه من ملكية مطلقة إلى ملكيّة دستوريّة على الطريقة الإنجليزية، ويتم سنّ القوانين من قبل المؤسّسة المسمّاة بـ«الجمعية التشريعيّة»، وبذلك يتخلّى عن لقبه «ملك فرنسا» إلى لقب آخر أكثر تواضعًا: «ملك الفرنسيين»، يمتلك بموجب الدستور الجديد سلطة تنفيذية، ويواصل امتلاكه لـ«حق النقض» (الفيتو) الذي يسمح له بتأخير ورفض نصوص الجمعية التشريعيّة.

أما الثورة المصرية فقد شهدت استقطابًا حادًّا بين مختلف الأطراف السياسية في سنتها الثالثة، إذ ارتفعت الأصوات المعارضة للرئيس المعزول مرسي، ودعت العديد من الأحزاب والحركات السياسية إلى إزاحته من السلطة عن طريق انتخابات مبكّرة، وتنظّمت هذه الأطراف المعارضة في مظاهرات موحّدة في 30 يونيو 2013، ليدخل الجيش بقيادة عبد الفتاح السيسي على الخطّ، ويزيح الرئيس مرسي عن السلطة، ويودعه السجن، فتدخل البلاد في دوّامة من العنف، كان أقساها الفض العنيف لاعتصام ميدان «رابعة العدوية» التي تصفه منظمات حقوقيّة عالميّة بأنها أسوأ جريمة قتل في يوم واحد للمتظاهرين في التاريخ الحديث. بنهاية السنة الثالثة للثورة كان لمصر رئيس جديد، ودستور جديد، وسجون مليئة بالمعتقلين السياسيين، ومذبحة هي الأكبر في تاريخها الحديث.

اقرأ أيضًا: «ساسة بوست» يتحدث مع أهالي المختفين منذ فض «رابعة».. 4 سنوات من البحث دون جدوى

السنة الرابعة.. الثورة تكشّر عن أنيابها

حملت السنة الرابعة من الثورة العديد من الأحداث والانعطافات الكبيرة في مساراتها، ففي داخل نادي اليعقوبيين بدأ نقاش حاد حول شنّ حرب على الجيران الأوروبيين الذين يهدّدون الثورة الفرنسيّة، إذ تخاف الملكيّات الأوروبيّة من وصول أفكار الثورة الفرنسيّة إلى بلدانهم وتهديد ملكهم، وقد أدى هذا النقاش إلى انقسام الحزب إلى فريقين: «الجيرونديون» ويرون أن تبقى السلطة لا مركزيّة، ويدفعون نحو حرب تجبر المَلِك على الاصطفاف مع الثورة ومطالبها.

أمّا القسم الثاني وهم نوّاب باريس، بقيادة شخصيّات فرنسيّة تاريخية معروفة، مثل: روبيسبيار، ودانتون وآخرين، ويرون أن السلطة ينبغي أن تكون مركزيّة؛ حتى تستطيع الحفاظ على مكتسبات الثورة، وتأمن الفوضى العارمة التي انتشرت في تلك الأيام، وترتكز قوّة هذا الفصيل في نفوذه الكبير عند الطبقات البسيطة التي تغلي من الثوار الباريسيين؛ إذ يستطيعون إشعال الشارع في أية لحظة.

عاش الشّارع الفرنسيّ ترقّبًا كبيرًا لموقف الملك من الحرب في مارس من تلك السنة، وفي النهاية أخذ الملك برأي الجيرونديين، المطالبين بالحرب مع الجيران الأوروبيين – النمسا بالتحديد في تلك المرحلة – لكن نيّته كانت مختلفة جذريًّا عمّا أراده هؤلاء الثوريّون من تصدير للثورة، إذ كان يعوّل على هزيمة الجيش الفرنسيّ من طرف القوات الأجنبية التي ستعيده إلى عرشه، وتهزم بذلك الثورة؛ ليسترجع ملكه المطلق، ويحكم قبضته على السلطة مجدّدًا.

صحيح أن الدستور الجديد كان يتحدّث عن ملكيّة دستورية على النمط الإنجليزيّ، لكن الغليان في الشارع، والزخم الثوري لم يتوقّف، بل تجاوز كل تلك الأطروحات. وبفعل الغضب العارم تجاه الملك؛ اقتحمت جموع الثوار القصر الملكيّ، وأجبروا الملك على ارتداء «القبّعة الفيريجية» التي كانت ترمز للثورة، والتي استلهم منها علم فرنسا لاحقًا.

Embed from Getty Images
متظاهرات ترتدين القبعة الفريجيّة

كان جنون الشارع وعنفوانه يتفاقم، وفي أغسطس (آب) من نفس السنة غزت حشود من الباريسيين القصر الملكيّ، وحدثت مواجهات دامية بينهم وبين الحرس وقع ضحيّتها العشرات؛ لتنتهي المواجهات بانتصار الحشود، وبسجن المَلِك وعائلته، وإزاحته رسميًّا من السلطة، وبذلك سقطت الملكيّة في فرنسا.

بعدها بأقلّ من شهر جرى إعدام جماعيّ لأكثر من ألف سجين بتهمة الانتماء للملكيّة، وتم تنفيذ الحكم من طرف الثوّار البسطاء بتحريض من طرف جون بول مارات، الصحافيّ الثوريّ الراديكاليّ الذي كرّس حياته للدفاع عن الثورة ومطالبها لدرجة التطرّف.

وفي العشرين من سبتمبر (أيلول) تم تنصيب برلمان جديد سمّي بـ«المؤتمر الوطني الفرنسيّ»، وأعلن النواب بعدها بيوم انتهاء حكم الملكيّة، وإعلان الجمهورية الفرنسية، كما أعلنوا الشروع في استخدام تقويم تاريخيّ جديد يبدأ منذ اليوم الذي صارت فيه فرنسا جمهوريّة.

لقد كان الجيران الأوروبيون ينظرون إلى الثورة بكلّ توجّس منذ البداية، لكن بعد المنحى المتطرّف الذي أخذته الثورة في مارس بإسقاط الملك وإعلان الجمهوريّة، صار الوضع بالنسبة للأوروبيين الخائفين على مُلكهم وعروشهم من تصدير الثورة لبلادهم لا يحتمل الانتظار.

طبول الحرب تُقرع، والجميع يشحذون سيوفهم ويحشدون جيوشهم؛ الملك لويس السادس عشر وأتباعه يريدون حربًا تَهزِم الثورة وتعيدهم إلى الحكم مجدّدًا، والثوّار يريدون حربًا يصدّرون من خلالها مبادئ الثورة إلى أوروبا والعالم كلّه، والأوروبيون يريدون حربًا تنهي هذا العبث كلّه، وتحميهم من تصدير الثورة لبلادهم. في أبريل (نيسان) أعلنت فرنسا الحرب ضدّ ملك بروسيا والمجر، وفي خضمّ الحرب منيت الثورة بهزائم وانتصارات في كثير من المعارك؛ مما جعل الروح الثوريّة تلتهب في صفوف الشعب لمواصلة المضيّ قدمًا في تحقيق أهدافها.

في مصر كانت السنة الرابعة للثورة قد شهدت وصول وزير الدفاع عبد الفتّاح السيسي إلى منصب رئيس الجمهوريّة، كما شهدت اعتقالات سياسيّة وقتلى وجرحى بالجملة في صفوف المتظاهرين.

السنة الخامسة.. عهد «الإرهاب الثوريّ» والإعدامات بالشّبهة

استهلّ الفرنسيون السنة الخامسة من الثورة (1793) بإعدام الملك لويس السادس عشر باستخدام المقصلة في ساحة عمومية، إذ رأى جموع الفرنسيين رأس ملكهم يتمرّغ في التراب وسط صدمة عارمة، ولعلها كانت المرّة الأولى التي تشاهد أغلبيّتهم الملك بأعينهم، لكن ليس في قصوره المشيّدة أو في عرشه الفخم، بل أمام المقصلة، وهو يرتجف منتظرًا تنفيذ الحكم. في النهاية الملك الذي كان وأجداده رمزًا للهيبة والسلطة والجبروت لقرون طويلة، هو مجرّد إنسان من لحم ودم، وله دم أحمر، تمامًا مثل دم البؤساء الذين يعيشون في جحور باريس.

في ظلّ غليان الشارع وغياب الاستقرار داخل السلطة بفعل الفراغ الذي تركه الملك، رأى المؤتمر الوطني الفرنسيّ (البرلمان الحاكم) أن البلد في خطر من التهديدات الخارجيّة، ولذلك ينبغي تجنيد 300 ألف مواطن لتعزيز قدرات الجيش، لكن تحت ظروف الشارع الغاضب والمعترض على أي قرار يأتي من السلطات في باريس؛ انطلقت انتفاضة من طرف الفلاّحين في غرب فرنسا عُرفت باسم «حرب فاندي»؛ إذ رأى الفلاّحون أن السلطة في باريس تمثّل الثورة المضادة، وأنّ القائمين عليها يعملون بنفس عقليّة النظام البائد، كما اعتبروهم ملكيّين في الخفاء، ولو ادّعى خطابهم غير ذلك.

في مارس من نفس السنة؛ أقيمت ما سمّيت بـ«المحاكم الثوريّة»؛ من أجل محاكمة الخونة، والمعارضين للنظام الجمهوري الجديد، وأنصار الملكيّة، في نفس الوقت الذي أقرّ فيه المؤتمر الحاكم لجنة لإنقاذ البلاد برئاسة «روبيسبيار»، رئيس حزب اليعقوبيين.

عهد الإرهاب الثوري بريشة الفنان البريطاني جيمس غيلراي

هذا القرار – كما يرى المؤرخون – كان بداية عصر جديد من الديكتاتوريّة، لكن بأيادي الجمهوريين اليعقوبيين هذه المرّة. بعده بأشهر قليلة تم إيقاف جماعة الجيرونديين المعارضين لنوّاب باريس من طرف أتباع روبيسبيار؛ وجرى إعدامهم. لقد أصبح الثوّار، الذين جمعهم يومًا حلم واحدٌ، يصفّي بعضهم البعض لمجرد الخلاف السياسي، والاتهامات بالخيانة.

لكن العنف لم يكن في اتجاه واحد فقط، بل طال الجميع، ووصل إلى جون بول مارات نفسه؛ الصحافي الثوريّ الذي طالما حرّض على إعدام الملكيين، هاهو يُقضى عليه بمثل ما قضى على من سبقه؛ إذ تمّ اغتياله من طرف شابّ متحمّس.

وردًا على هذا الاغتيال؛ أقرّ المؤتمر الوطنيّ قانونًا ثوريًا مثيرًا للجدل في سبتمبر من ذات السنة؛ يسمح بإيقاف ومحاكمة وإعدام أي شخص يشتبه فيه؛ وبذلك أصبح «عهد الإرهاب الثوريّ» مقنّنًا من قبل السلطة الحاكمة نفسها، وقد احترق به كبار الشخصيات من هذه السلطة التي أقرّت مثل هذه القوانين؛ إذ تمّ إعدام أكثر من 20 ألف فرد بموجب الإرهاب الثوريّ، وقد كان – للمفارقة – أحدهم، روبيسبيار نفسه، الرجل الذي لطالما طالب بإقرار هذه الممارسات، وبالإضافة إلى تصفية المنافسين السياسيين، استُخدم هذا الإجراء من أجل محاربة الدين المسيحي في الدولة الفرنسيّة من خلال إعدام المنتسبين للكنيسة بالجملة.

الثورة كانت قد أعدمت الآلاف في هذه المرحلة، من داخل معسكرها وخارجه، لكن امرأة كانت تقبع في السجن نجت إلى حدّ الآن من لهيبها، وتناساتها المقصلة المشغولة بإعدام الملكيين والثوريين والقساوسة؛ إنها ماري أنطوانيت، زوجة الملك لويس، التي سيتمّ إعدامها في 16 أكتوبر (تشرين الأوّل) من نفس السنة.

كان الجيران الأوروبيون قد نفد صبرهم بعد إعدام الملك، وقد باشرت إنجلترا حملات عسكريّة على فرنسا بالتعاون مع النمسا وبروسيا وإسبانيا. ومُنيت القوات الفرنسيّة بهزيمة ثقيلة في مدينة «نيرفيندن» البلجيكيّة من طرف قوّات الامبراطوريّة الرومانية المقدّسة؛ ممّا شكّل خيبة أمل بالنسبة للثوار الذين لا يصدّقون أن الثورة في الحقيقة يمكن هزيمتها.

أما في مصر ففي العام الخامس تواصلت انتهاكات حقوق الإنسان والتضييق على حريّة التعبير، وغلق المجال السياسي، كما شهدت  مستويات قياسيّة في عدد أحكام الإعدام، بالإضافة إلى أزمة اقتصاديّة خانقة.

اقرأ أيضًا: انفوجراف: بالأرقام الدقيقة.. حصاد أحكام الإعدام في مصر منذ فرض حالة الطوارئ

السنة السادسة.. الثورة تأكل أبناءها

في يونيو (حزيران) من سنة 1794، جاء النصر في «فلوريس» ليعيد شيئًا من الروح الثوريّة للفرنسيين، لكن هذا النصر جعل «الديكتاتوريّة الثوريّة»، التي مارسها اليعقوبيون في السلطة، محلّ مساءلة من طرف الشعب.

بعد إعدام الجيرونديين، الفئة الثوريّة المعارضة لنوّاب باريس؛ جاء الدور على نوّاب باريس ليعدم بعضهم بعضًا، تطبيقًا للقانون التاريخيّ بأن الثورة تأكل أبناءها؛ فقد اتَّهم روبيسبيار – زعيم اليعقوبيين – رفقاء دربه دانتون وكاميل ديمولان وأتباهم بأنّهم متساهلون مع الخونة، وذلك لأنهم طالبوا بإنهاء عهد الإرهاب الثوريّ والإعدامات غير المبررة والمبالغ فيها؛ لتطالهم المقصلة التي طالبوا بترشيد استخدامها.

لوحة تخلّد إعدام الملك لويس السادس عشر – مصدر الصورة: learnodo-newtonic.com

لكن الفرنسيّ الفقير لم يرَ شيئًا من مكتسبات الثورة إلى حدّ الساعة، بل إن أوضاعه – المزرية أساسًا – ازدادت سوءًا بشكل فظيع؛ فالحروب التي دخلتها فرنسا والانتفاضات الداخليّة، بالإضافة إلى عهد الإرهاب الثوريّ الذي باشرته السلطة الجديدة، والمظاهرات والاحتجاجات التي لا تتوقف، جعلت الأوضاع الاقتصاديّة شديدة التدهور.

في صيف 1794 كان العنف وتردي الأوضاع الاقتصاديّة قد بلغ حدًّا جنونيًّا؛ ما دفع بمجموعة من البرلمانيين، سمّوا أنفسهم بـ«الثرميدوريين» بالتمرّد على روبيسبيار، والاتفاق على إسقاطه هو وجماعته من اليعقوبيين، وقد جرى إيقافه في يوليو، وتم إعدامه بعدها بيوم واحد؛ ليكتوي هو نفسه بنار الإعدامات التي أوقدها. وبعد إعدام روبيسبيار، أطلق النواب المتمرّدون سراح المعتقلين، وأعلنوا إنهاء عهد الإرهاب الثوريّ.

أما في مصر فقد شهدت السنة السادسة عودة نسبية للنفس الثوريّ بعد المظاهرات التي شارك فيها آلاف المواطنين تحت عنوان «الأرض هي عرض»، اعتراضًا على تنازل الحكومة المصريّة بقيادة الرئيس السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير للسعوديّة.

اقرأ أيضًا: خط زمني يُلخص القصة شبه الكاملة لمعركة جزيرتي تيران وصنافير

السنة السابعة.. لا يموت مستبدّ إلا ليولد آخر

حملت هذه السنة أنباءً سيّئة للملكيّين أنصار «الثورة المضادة» الذين يحلمون بعودة النظام الملكيّ البائد، فقد توفي الشاب لويس السابع عشر، الوريث الشرعيّ الوحيد للملك لويس السادس عشر، وبذلك انقطع النسل الملكيّ تمامًا، وانعدمت فرصة عودته.

اليعقوبيون الذين خرجوا من السلطة بعد إعدام زعيمهم روبيسبيار لم يذهبوا إلى بيوتهم ويعتزلوا السياسة، بل بدأوا مباشرة في خطّة استعادة السلطة من «الثرميدوريين»، وهؤلاء بدورهم لم يبقوْا مكتوفي الأيدي أيضًا، إذ بدأوا في إعداد دستور جديد للتخلّص من تركة نظام اليعقوبيين، وانبثق عن هذا الدستور غرفتان للبرلمان بدلًا عن الواحدة على الطريقة الإنجليزية: «الخمسمائة» (نسبة لعدد أعضائها)، والقدامى.

كما شهدت هذه السنة أيضًا بروز اسم شابّ مجهول في الساحة السياسيّة، يعمل في صفوف الجيش الفرنسيّ، ويدعى نابليون بونابارتوتم إقرار الدستور الجديد في أكتوبر، الذي يعلن قيام نظام جديد في فرنسا: «الديريكتوار» أو المديريّة. أما في مصر فقد شهدت الساحة السياسية بعد سبع سنوات من الثورة اعتقالات في صفوف المترشّحين المحتملين لمنافسة الرئيس السيسي على منصب رئيس الجمهوريّة.

اقرأ أيضًا: بعد إقصاء عنان.. كيف ضغط النظام المصري لعدم انسحاب خالد علي؟

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)