إنه عصر المفاجآت الانتخابية، فبعد فوز دونالد ترامب غير المتوقع بالسباق الرئاسي الأمريكي، ها هو فرانسو فيون، المرشح اليميني الفرنسي، يسير على نفس الطريق للوصول إلى قصر الإيليزيه، حيث تصدر بشكل مفاجئ الانتخابات التمهيدية الأخيرة لليمين الفرنسي، ما يقوي حظوظه للظفر بورقة دخول قصر الإليزيه.

وتزداد الساحة الإعلامية الفرنسية سخونة إثر اقتراب موعد الاقتراع الرئاسي المزمع عقده في العام المقبل، ولا سيما مع جدل رؤى المرشحين الرئاسيين المتعددة نحو قضايا الهجرة والإرهاب وروسيا والأزمة السورية، لكن قبل استكشاف خريطة السباق الانتخابي الفرنسي، لنتعرف أولًا على طبيعة نظام الانتخابات الرئاسية في فرنسا.

نظام الانتخابات الرئاسية في فرنسا

حددت الحكومة الفرنسية موعد الانتخابات الرئاسية القادمة في يوم 23 أبريل (نيسان) 2017 بالنسبة للجولة الأولى، وستكون الجولة الثانية في السابع من مايو (آيار) من نفس العام، وتبدأ الحملة الانتخابية قبل 15 يومًاعلى أقل تقدير من موعد الجولة الأولى من الانتخابات.

وتجرى الانتخابات الرئاسية في فرنسا كل خمس سنوات عن طريق الاقتراع الحر المباشر، حيث تنظم على شكل جولتين، في الجولة الأولى يتم التباري بين المرشحين الرئاسيين المتعددين، ثم يُسمح لمرشحين اثنين فقط، اللذين حصلا على أكبر نسبة من الأصوات، بالوصول إلى الجولة الثانية من الانتخابات، التي تحدد الفائز بينها حسب عدد الأصوات.

لكن إذا ما حصل مرشح على أغلبية مطلقة، أي 50% من الأصوات، منذ الجولة الأولى، فإنه يُعلَن رئيسًا للجمهورية دون المرور للجولة الثانية، إلا أنها حالة نادرًا ما تحصل.

ويسمح القانون الفرنسي لأي فرد حامل للجنسية الفرنسية، ومتحل بـ«الكرامة الأخلاقية»، وسنه لا يقل عن 23 سنة، أن يقدم نفسه باعتباره مرشحًا رئاسيًّا، لكن قبل ذلك عليه جمع توقيع 500 عضو منتخب في المجالس النيابية في كافة الأقاليم الـ30، وتقديم مظروف مغلق إقرارًا للذمة المالية لدى المجلس الدستوري قبل شهرين من موعد الجولة الأولى الانتخابية، كما يجب عليه فتح حساب مصرفي متعلق بتمويل الحملة الانتخابية، يوضع تحت تصرف المجلس الدستوري في غضون الشهرين التاليين من إجراء الانتخابات.

يملك الرئيس في الجمهورية الفرنسية سلطات مركزية، فهو قائد القوات المسلحة الفرنسية، والممثل الدبلوماسي الأول للدولة الفرنسية، وله سلطة إجراء استفتاء شعبي وحل البرلمان، مثلما يسمح له بتطبيق المادة 16 من الدستور، التي تعطي لرئيس الجمهورية سلطات خاصة في وقت الأزمات من أجل حماية الديمقراطية وإعادة تسييرالسلطات العامة في أسرع وقت ممكن، وتعد كل هذه الصلاحيات مجالًا خاصًا به لا يتقاسمها مع المؤسسة التشريعية أو المؤسسة الدستورية.

من واجبات رئيس الجمهورية العمل الدؤوب على ترسيخ احترام الدستور ويتولى تسيير السلطات العامة ويحرص على استمرارية الدولة وفق الدستور الفرنسي، كما يشارك في إصدار المراسيم والقرارات والقوانين بالتشاورمع مجلس الوزراء الحكومي.

وعادة ما يكون التباري في الانتخابات الرئاسية الفرنسية بين مرشح اليمين ومرشح اليسار بالإضافة إلى المرشحين المستقلين، مع مرشحي بعض الأحزاب الصغيرة غير التابعة لليمين أو لليسار.

أبرز المرشحين لرئاسيات فرنسا

صحيفة «لوموند» الفرنسية أحصت، في تقرير لها، حوالي 18 مرشحًا رئاسيًّا، من المرجح أن يمروا إلى الانتخابات الرئاسية النهائية، يتقدمهم سياسيو اليمين واليسار، حيث يسعى كل منهم إلى كسب الرأي العام الفرنسي، لتمكينه من دخول قصر الإليزيه.

وقد استطاع فرنسوا فيون، رئيس الوزراء الفرنسي السابق، من الفوز بالدورة الأولى من الانتخابات التمهيدية لأحزاب اليمين، التي شهدتها فرنسا الأحد 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، حيث حصد بشكل مفاجئ 43.6% من الأصوات، متفوقا بذلك على خصميه اليمينيين آلان جوبيه الحاصل على 26.7% من الاصوات، ونيكولا ساركوزي، الذي مني بهزيمة فادحة بعد احتلاله المركزالثالث بـ22.9 % من الأصوات.

وبذلك يضمن فرانسوا فيون مروره للجولة الثانية من الاقتراع لاختيار ممثل اليمين في الانتخابات الرئاسية، حيث يُتوقع فيها أن يهزم منافسه آلان جوبيه، الذي كانت استطلاعات الرأي قد تنبأت بفوزه بالمركز الأول خلال الدورة الأولى للانتخابات اليمينية، إلا أن صعود فرانسوا فيون المفاجئ أربك حسابات المراقبين للمشهد السياسي الفرنسي، بعد تفوقه على منافسيه اليمينيين بفارق كبير في الجولة الأولى.

وتكتسي الانتخابات اليمينية التمهيدية أهمية قصوى، باعتبار أن الفائز فيها يملك حظوظًا أوفر للظفر بورقة دخول قصر الإليزيه، ولاسيما أمام تشتت اليسار الفرنسي، الذي تدهورت شعبيته إلى حد كبير خلال عهد الرئيس الفرنسي فرانسو هولاند، وتشير كل استطلاعات الرأي تقريبًا إلى أن مرشح اليمين الوسط سينافس زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، المزمع عقدها في العام المقبل.

وكانت مارين لوبين، رئيسة الجبهة الشعبية المثيرة للجدل، قد أشادت ببروز عالم جديد إثر انتخاب ترامب، قائلة
«اليوم الولايات المتحدة الأمريكية وغدًا فرنسا»، وتسعى مرشحة اليمين المتطرف إلى استغلال موجة الشعبوية المتصاعدة في الغرب، من أجل تحقيق نتائج إيجابية في الانتخابات الرئاسية الفرنسية لـ2017، غير أن كافة استطلاعات الرأي حتى الآن لا ترجح فوزها بالسباق الرئاسي.

أما بالنسبة لليسار الفرنسي، فلا يبدو أنه سيصل الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية كما تظهر استطلاعات الفرنسية، التي تبين نفورًا شديدًا للناخبين الفرنسيين من مرشحي اليسار، وذلك بعد تدهور شعبية التيار السياسي في حقبة ممثله في الحكم فرانسوا هولاند، كما أنه يعاني من التشرذم، ما يقلل حظوظه في تكرار ولاية ثانية.

وبسبب ذلك، فضَّل الليبرالي إيمانويل ماكرون، وزيرالاقتصاد الفرنسي السابق، إعلان ترشحه رسميًا لخوض الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2017 باعتباره مرشحًا مستقلًا، وعلى الرغم من أن ماكرون هو من بين السياسيين الأكثر شعبية في فرنسا، لتخفيفه القيود عن قطاع الخدمات خلال توليه منصبه في حكومة الرئيس الاشتراكي فرانسواهولاند، إلا أنه يستبعد نجاحه في بلوغ الجولة الثانية من الاقتراع الرئاسي، لعدم نيله أي دعم حزبي، كما أنه لم ينتخب من قبل.

ومن ثمّة يصبح الفائز في الجولة الثانية من الانتخابات التمهيدية اليمينية، المزمع عقدها يوم 27 من هذا الشهر، هو المرشح الأكثر حظًا لدخول قصر الإليزيه أمام ضعف المنافسين اليساريين والمستقلين، وبالتالي يصير محدد السياسة الفرنسية محليًا ودوليًا خلال الفترة القادمة.

سياسة فرنسا بين فرانسوا فيون وآلان جوبيه

يدرج المحللون فرانسوا فيون، الذي شغل منصب رئيس وزراء في فترة رئاسة ساركوزي الثانية بين 2007 و2012، في أقصى يمين الوسط الفرنسي، فعلى الرغم من عزمه تنفيذ سياسة ليبرالية على المستوى الاقتصادي، إلا أنه يتميز ببرنامجه المحافظ على المستوى الاجتماعي، بينما يوصف آلان جوبيه، رئيس الوزراء السابق، بـ«الليبرالي المعتدل»، نظرًا لرؤيته الأكثر تحررًا وسط اليمين الفرنسي.

https://www.youtube.com/watch?v=JFc92ky0zqM

على مستوى «الإرهاب»، ينوي كل من آلان جوبيه وفرانسوا فيون إسقاط الجنسية عن جميع الفرنسيين المرتكبين لجرائم «إرهابية»، إلا أن الأخير يريد أكثر من ذلك، وهو نزع الجنسية الفرنسية عن مزدوجي الجنسية المتهمين بقضايا «الإرهاب»، وعن كل الفرنسيين الجهاديين الملتحقين بالتنظيمات الإسلامية في سوريا والعراق، بالإضافة إلى نيته إبعاد كل من لهم علاقة بجهات «إرهابية»، وسبق له أن علق قائلا حول هذا الأمر: «لا توجد مشكلة دينية في فرنسا، نعم هناك مشاكل تتعلق بالإسلام.. لكن الحل لا يكمن في استهداف المسلمين الملتزمين بالقانون، بل يستهدف المتعصبين».

وبالنسبة لقضية الهجرة، فيريد آلان جوبيه إعادة النظر في قانون «لم الشمل العائلي» وربطه أكثر بالإمكانات المالية التي يملكها كل مهاجر، وحصر قانون المساعدات الطبية الموجه للمهاجرين غير الشرعيين في الحالات الخطيرة فقط، ويترك مهمة تحديد عدد المهاجرين الممكن استقبالهم كل سنة لمؤسسة البرلمان الفرنسي.

في حين يشترط فرانسوا فيون أنه على كل أجنبي سعى للحصول على الجنسية الفرنسية الاستجابة لبعض المعايير، التي لم يوضحها، كما يرغب في تقليص المساعدات الاجتماعية الموجهة للأجانب، ويريد هو أيضًا أن يحدد البرلمان عدد المهاجرين الممكن استقبالهم.

أما على صعيد السياسة الخارجية فيبلغ الاختلاف بينهما ذروته، فبينما لا يريد جوبيه أي تدخل عسكري على الأرض في سوريا ويرفض الانتهاكات الروسية علنًا، نجد فرانسوا فيون يشجع على التحالف مع روسيا وبشار الأسد للقضاء على «تنظيم الدولة الإسلامية».

ولا يخفي فيون إعجابه بشخصية بوتين، صديقه القديم، بل وينوي رفع الحظر الاقتصادي المفروض على روسيا منذ أن احتلت جزيرة القرم، مؤكدًا أنه سيتحالف مع أي كان للقضاء على ما يسميه «الأصولية الإسلامية»، بخلاف آلان جوبيه الذي ينتقد الكرملين بشدة بسبب ما يقوم به من قصف على مدينة حلب، فيقول: «أشعر بصدمة كبيرة جراء ما يحدث في حلب. إنها جرائم حرب ارتكبت من قبل نظام بشار الأسد وحلفائه الروسيين».

ويثير فيون حفيظة الليبراليين في فرنسا، حيث ينوي إلغاء قانون تبني الأطفال لدى مثليي الجنس، ويرفض عملية استئجار الأرحام، ولا يقبل بظاهرة الأمهات العازبات، كما أنه يريد منع ارتداء لباس «البوركيني»، وهي المسائل التي لا يتقاطع فيها معه منافسه جوبيه في الانتخابات اليمينية التمهيدية.

ويعود هذا الزخم المتزايد لليمين في فرنسا مع صعود فيون المفاجئ، وفق المحللين الفرنسيين، إلى الفشل الذريع لأحزاب اليسار الحاكمة في محاربة الإرهاب والتطرف، خصوصًا بعد أن شهدت فرنسا منذ 2015 «أحداثًا إرهابية» عديدة، خلفت مئات القتلى والجرحى بين المدنيين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد