يتواصل الحراك الشعبي في الجزائر لأسبوعه رقم 31، مُطالبًا برحيل باقي رموز السلطة، ومن بينهم كلّ من الوزير الأوّل بدوي ورئيس الدولة بن صالح الذي استلم الحكم بعد استقالة بوتفليقة في الثاني من أبريل (نيسان) الماضي، كما أكّد المتظاهرون على رفض إجراء الانتخابات التي أعلن قائد الأركان أنها ستقام في 12 ديسمبر (كانون الأول) المقبل لعدم توفّر شروط النزاهة حسب قولهم.

وردّد المتظاهرون شعارات رافضة للحكم العسكري «دولة مدنية ماشي عسكرية» بالإضافة إلى شعارات رافضة للانتخابات «ماكاش انتخابات مع العصابات» وأخرى منتقدة لرموز السلطة كالفريق قايد صالح والرئيس بن صالح والوزير الأوّل بدوي، وطالبوا بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين. وشملت الاحتجاجات العاصمة وأغلب المدن والمحافظات الجزائريّة.

لكن اللافت للانتباه في احتجاجات الجمعة 20 سبتمبر (أيلول) الجاري عن سابقاتها، كان عودة الزخم الشعبي للمسيرات بشكل قويّ للغاية، أكبر بكثير من الجمعات السابقة، إذ شهد الحراك الشعبي مشاركة واسعة داخل العاصمة وخارجها، رغم إجراءات السلطات التي أغلقت مداخل العاصمة ومنعت وسائل النقل من دخولها، بالإضافة إلى حملة الاعتقالات التي طالت عشرات النشطاء السياسيين في الأيّام الماضية، فما أسباب عودة الزخم الشعبي لمسيرات الحراك الشعبي في الجزائر؟

أيهما أفضل لك في الجزائر؟ أن تكون من فلول بوتفليقة أم طالبًا جامعيًا يعارض ابن صالح

لماذا شهد الحراك الشعبي عودة قوّية للزخم الشعبي؟

ما السبب وراء زيادة موجة الحراك الشعبي الأخيرة التي اعتبرها البعض الأكبر منذ مسيرة الخامس من يوليو (تموز) الماضي، الذي صادف تاريخ استقلال البلاد؟ اجتمعت العديد من الأسباب التي جعلت من الجمعة 31 استثنائيّة من ناحية عدد المشاركين والحماسة والحُرقة الشديدتيْن اللتيْن صحابتا هذه المسيرات.

فبعد أكثر من ستّة شهور من الاحتجاجات التي لم تتوقّف رغم العديد من المناسبات كالعطلة الصيفية وشهر رمضان وارتفاع الحرارة وغيرها، يرى الكثيرون أن السلطة تعنّتت في التعامل مع مطالب الحراك الشعبي، المصرّ من جهته على رحيل رموز النظام المتبقّية والمتمثّلة في كل من الوزير الأول بدوي -المعيّن من طرف بوتفليقة قبل استقالته- ورئيس الدولة بن صالح، كما يرى المشاركون في الحراك الشعبي الاستحالة إجراء انتخابات في ظلّ بقاء رموز نظام بوتفليقة في مناصبهم.

بالإضافة إلى ذلك فقد جاءت تشكيلة «السلطة العليا لتنظيم الانتخابات» التي من المفترض أن تكون جهة مستقلّة عن السلطة، المكلّفة بتنظيم ومراقبة الانتخابات وإعلان نتائجها، والتي جرى إعلان تشكيلتها في الأسبوع المنصرم؛ مخيّبة لآمال الكثيرين. فبغضّ النظر على أنّ هذه اللجنة جرى تعيينها من طرف السلطة في جوّ من الغموض وغياب الشفافية ودون أدنى استشارة للقوى السياسية والشعبيّة؛ فقد وقع الاختيار على محمد شُرفي، أحد وزراء نظام بوتفليقة ليترأس الهيئة، كما أنّ تشكيلتها بشكل عام خلت من الأسماء المستقلّة المعروفة التي من شأنها إعطاء رسائل مطمئنة حول جديّة السلطة في إجراء انتخابات نزيهة وشفّافة.

أسبوع عاصف.. اعتقالات وانتخابات وأحداث عنف

يمكن القول أنّ الأسبوع الذي سبق الجمعة 31 والأحداث الذي صاحبته كان يمثّل «عاصفة مثاليّة» تراكمت خلالها الأحداث لتجعلها جُمعة استثنائيّة من ناحية الحضور الشعبي المفاجئ والزخم الاحتجاجيّ الذي يذكّر بالأسابيع الأولى للحراك المندلع في 22 فبراير الماضي. فقد تزامنت احتجاجات الجمعة رقم 31 مع الدخول الاجتماعي في شهر سبتمبر (أيلول) وهو الذي عادة ما يشهد أكبر قدر من الاحتجاجات الشعبية والإضرابات العمّالية سنويًّا.

Embed from Getty Images

 كما شهد الاسبوع المنصرم عودة الاعتقالات في صفوف نشطاء الحراك الشعبي بقوّة، والتي راح ضحيّتها نشطاء سياسيّون من مختلف التيّارات والحركات، والذين يقدّر عددهم بالعشرات. بالإضافة إلى ذلك فقد شهدت مدينة واد رهيو، بمحافظة غليزان -غرب الجزائر- أحداث عنف دمويّة راح ضحيّتها قتيلان على الأقل، وذلك بعد اشتباكات بين الشرطة ومواطنين، استُخدمت فيها الذخيرة الحيّة، وقد رُفعت خلال مسيرات الحراك الشعبي في عدّة محافظات، شعارات تضامنيّة مع ضحايا أحداث واد رهيو، ومندّدة بعنف السلطة.

وشهدت الآونة الأخيرة عودة قويّة لظاهرة «الحرقة»، أو الهجرة غير الشرعية عبر «قوارب الموت» المتّجهة إلى أوروبا، ومع عودة هذه الظاهرة، عادت معها أيضًا العديد من التوابيت حاملة الشباب الغرقى الذين انقلبت بهم القوارب الخشبيّة المهترئة، إذ شهدت ولاية بومرداس غرق مركب كان يحمل مجموعة من الشباب «الحرّاقة» ممّا أدى إلى وفاة 18 من ركّابه.

وهو ما زاد من موجة الغضب الشعبيّة المندّدة بهذه الظاهرة، منتقدة السلطات على عدم اتخاذ إجراءات حقيقيّة لإيقاف الشباب عن ركوب البحر وخلق فرص اقتصاديّة واجتماعيّة حقيقيّة من شأنها القضاء على حالة الإحباط القاتلة التي يعاني منها قطاع كبير من الشباب الجزائري، خصوصًا بعد ستة أشهر من الحراك الشعبي الذي مثّل بارقة أمل بالنسبة للكثيرين، دون حدوث انفراج حقيقي في الحالة السياسية والاقتصاديّة، وهو ما أعاد حالة الإحباط واليأس إلى ما كانت عليه قبل 22 فبراير (شباط).

أما القرار الذي أثار ردّة الفعل الأكبر من طرف الحراك الشعبي، واستفزّ الكثيرين للعودة إلى المسار الاحتجاجي؛ كان ذلك الذي جاء في خطاب قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح، بمنع السيّارات والحافلات القادمة من خارج العاصمة من دخولها يوم الجمعة وتوقيع عقوبات على أصحابها تصل حدّ حجز السيّارات، بالإضافة إلى منع باقي أشكال المواصلات كالقطارات تمامًا، وذلك من أجل تجفيف الحراك الشعبي في العاصمة.

الأمر الذي أدّى إلى ردّة فعل عكسيّة تمثّلت في زيادة أعداد المشاركين من داخل العاصمة، الذين رأوا في قرار قائد الأركان مناسبة للعودة إلى الشارع بقوّة. بالإضافة إلى ذلك فقد أبدع المتظاهرون من خارج العاصمة طُرقًا أخرى من أجل «كسر الحصار» المفروض عليهم، إذ لجأ بعضهم إلى دخولها مشيًا على الأقدام أو حتّى عبر البحر، من خلال زوارق بحريّة توصلهم إلى شواطئ العاصمة، من أجل المشاركة في الحراك الشعبي، وهو ما أثار إعجاب الكثير من روّاد مواقع التواصل الاجتماعي.

ومع استمرار مسلسل الاعتقالات في صفوف النشطاء السياسيّين، بالإضافة إلى تشكيلة «السلطة المستقلة لتنظيم الانتخابات» المخيّبة للآمال، وإصرار السلطة الفعلية على الذهاب إلى انتخابات دون توفّر الحدّ الأدنى من شروط النزاهة؛ فإن الشعور المتزايد عند المشاركين في الحراك الشعبي هو أن السلطة الفعلية المتمثلة في قيادة الأركان تحاول القضاء على الحراك الشعبيال، وإعادة استنساخ النظام من خلال الهروب إلى الأمام عبر انتخابات رئاسية لا تتوفر على شروط النزاهة.

ما سيعني وصول مرشّح المؤسسة العسكرية المفضل للرئاسة، وذلك عكس الموقف المعلن في البداية بأن المؤسسة العسكرية تقف إلى صف المطالب الشعبية، خصوصًا بعد إجبار بوتفليقة على الاستقالة وحملة الاعتقالات التي طالب أغلب رموز النظام القديم، وبالتالي فإنّ الفترة الأخيرة تشهد تباعدًا مستمرًا في الرؤى بين سلطة فعليّة تريد الاتجاه إلى الانتخابات في أقرب الآجال دون توفير الحد الأدنى من شروط النزاهة، ودون إشراك القوى الشعبية والسياسيّة في صناعة القرار، وحراك شعبيّ يرفض انتخابات شكليّة مفروضة بالقوّة، ويتمسّك بمطلب التغيير الجوهري.

لماذا تريد السلطة الجزائرية التعجيل بالانتخابات الرئاسية رغم رفض الحراك؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد