4,369

تكون الدول التي تعاني أو خرجت لتوها من حروب أهلية أو معارك كبرى، بحاجة إلى مساندة المجتمع الدولي والدول الصديقة للمشاركة في السيطرة على الأوضاع داخلها أو إعادة الإعمار في حالة تضرر البنى التحتية وضعف قدرات مؤسسات الدولة على إعادة البناء وتعويض الخسائر. وعادةً تكون تلك الدول المنكوبة بحاجة ماسة لكل الدول التي تعلن نيتها التعاون من أجل استعادة السيطرة أو البدء في عمليات إعادة  الإعمار، هذه الحاجة للمساندة تصل أحيانًا بتلك الدول لقبول بعض التجاورزات التي تقوم بها الدول الصديقة طالما أنها في الطريق نحو استعادة السيطرة على الأوضاع، لكن في بعض الأحيان تكون هذه التجاوزات من الدول الصديقة سببًا في زيادة الدمار، وإلحاق بالغ الضرر على كل المستويات للدول المنكوبة. في هذا التقرير نستعرض بعضًا من تلك الأمثلة التي كانت التدخلات بها تحت مزاعم الصداقة لكنها تسببت في الكثير من الخراب والدمار.

الأصدقاء الذين حولوا اليمن السعيد إلى تعيس

بعد فترات طويلة من عدم الاستقرار، واستمرار الصراع في اليمن بين الحوثيين من جهة، والنظام اليمني من جهة، نجح الحوثيون في السيطرة على العاصمة اليمنية صنعاء مساء 21 سبتمبر (أيلول) 2014، وكانت هناك أنباء عن محاولة الحوثيين إجبار الرئيس عبد ربه منصور هادي على الاستقالة من منصبه في مقابل ضمان الخروج الآمن له.

دفع ذلك الرئيس اليمني لطلب العون من الدول الخليجية الصديقة لإيقاف تمدد الحوثيين، لتبدأ العلمية التي سميت «عاصفة الحزم» يوم 25 مارس (آذار) عام 2015 بهدف أساسي هو ضرب معاقل الحوثيين، والتي تمثلت في 10 ضربات مركزة على أهداف عسكرية تابعة للحوثيين منها قواعد جوية قرب مطار صنعاء، إضافة إلى القصر الرئاسي الذي سيطر عليه الحوثيون.

الكثير من الأصوات المراقبة للأزمة اليمنية ترفض التحليل القائل إن هذه التحركات العسكرية بقيادة المملكة العربية السعودية كانت بهدف الذود عن الرئيس عبد ربه منصور هادي، فهناك في الواقع الكثير من الأسباب التي تم سردها على أنها الأسباب الحقيقية للرد السريع والحاسم من السعودية ضد المد الحوثي في اليمن.

Embed from Getty Images

نشرت صحيفة «BBC» تقريرًا لها في مايو (أيار) عام 2015 قالت فيه إن مسئولًا بارزًا في إحدى الدول الخليجية قدم لمجموعة صحافيين بريطانين ما أسماه الأسباب «الحقيقية» التي دعت قوات التحالف لشن الحرب ضد الحوثي في اليمن.

الأسباب الحقيقية لحرب اليمن

قال المسؤول سابق الذكر، وقد رفض ذكر اسمه، إن حكومات الدول المشاركة قد اضطرت للتدخل لوقف استيلاء الحوثيين على اليمن بناءً على معلومات استخباراتية في يناير (كانون الثاني) عام 2014 جاء فيها إن الحكومة الأمريكية أكدت أن أنظمة الأقمار الصناعية لديها كشفت نقل نحو 300 صاروخ «سكودا» إلى مناطق سيطرة المتمردين قرب الحدود السعودية. مدى الصواريخ «سكودا» يصل إلى نحو 300 كيلومتر، وهو الأمر الذي يعني قدرة الحوثيين على ضرب مدن سعودية عديدة.

ورغم وجود التحليلات التي تنكر أن يكون الخلاف السني الشيعي هو السبب الرئيس لاندلاع هذه الحرب، إلا أن مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك يرى أن الخلاف الديني التاريخي بين السنة والشيعة كان الخلفية الرئيسية وراء العديد من النزاعات التي حدثت في المنطقة ومنها الحرب في اليمن، وجاء في التقرير أن السعودية السنية وإيران الشيعية تتنافسان على زعامة المنطقة، كما أنهما تستخدمان هذا الصراع لمواصلة تحقيق طموحاتهما.

Embed from Getty Images

على الجانب الآخر في نظر الكثير من المحللين لم يمكن التغافل عن  نوايا المملكة العربية السعودية التي تهدف  لإثبات أحقيتها بقيادة المنطقة واعتبارها القوة الأولى بلا منازع، حيث استطاعت الرياض استغلال فكرة التكاتف السني ضد المد الشيعي الذي تمثله جماعة الحوثي ومن ورائها طهران ومساعيها، للسيطرة على المنطقة، وهو ربما كان أحد الأسباب التي جعلت معظم دول المنطقة تنضم تحت لواء المملكة العربية السعودية إضافة إلى الإغراءات الاقتصادية والدعم السياسي الذي أصبحت توفره السعودية للكثير من تلك الدول. هذه النقطة تحديدًا لا تخلو أيضًا من رسائل قوية من السعودية لدولة قطر التي تجمعها خلافات عميقة مع السلطة في المملكة.

اقرأ أيضًا: ماذا حدث باليمن ليلًا؟ السعودية تقود عملية عسكرية عربية ضد الحوثيين في ليلة ساخنة

عثرت منظمة العفو الدولية في بعثات لها إلى اليمن على أدلة دامغة على استخدام قوات التحالف لأسلحة محرمة دوليًا، ووثقت البعثة التي كانت متجهة إلى شمال اليمن استخدام قوات التحالف لقنابل «عنقودية» محرم استخدامها دوليًا تسببت في مقتل مدنيين بينهم أطفال، ومن جانبه، اعترف المتحدث باسم التحالف باستخدام قنابل عنقودية بريطانية الصنع، لكنه رفض أن تكون قد استخدمت لقتل مدنيين، وقال في المقابل إنها استخدمت لتدمير أهداف عسكرية.

الحصار.. طريق الأصدقاء لقتل 20 مليون إنسان

استراتيجية أخرى استخدمتها قوات التحالف في حربها ضد قوات الحوثي في اليمن وهي استراتيجية الحصار الذي تفرضه على المدن اليمنية، تم هذا الحصار  على الحدود البحرية في يونيو (حزيران) عام 2015 وصرحت وقتها العديد من منظمات الإغاثة أن هذا يترك قرابة 20 مليون إنسان أمام كارثة إنسانية حقيقية، حيث سيفتقر المواطن اليمني لحاجاته الأساسية من الماء والغذاء والدواء. هذا الحصار الذي بدأ بحريًا فقط قبل شهور، وتم فرضه مرة أخرى في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي بشكل كامل بحرًا وبرًا وجوًا، بعدما تم إطلاق صاروخ من داخل الأراضي اليمنية ليسقط بالقرب من الرياض. وعلى الرغم من تأكيدات الرياض بأن هذا الحصار مؤقت، إلا أنه قد تم منع على الأقل ثلاث طائرات إغاثة تابعة للأمم المتحدة لتزويد المناطق المنكوبة بالحاجات الأساسية للحياة.

Embed from Getty Images

هذا الحصار الكامل سيخلف في الكثير من التقديرات ضحايا بالملايين، حيث يقوم برنامج الغذاء التابع للأمم المتحدة في الفترات الأخيرة بإطعام 7 ملايين شخص في اليمن شهريًا، وقد منع الحصار إمكانية وصول الأمم المتحدة لتلك المناطق الآن.

الآن وبسبب الضربات – بحسب بعض التقديرات – المستمرة التي يقوم بها التحالف العربي في اليمن، فإن الكوارث أصبحت تعصف بالشعب اليمني، حيث وصلت أعداد القتلى في بعض التقارير نهاية العام الماضي إلى 10 آلاف قتيل، كذلك لم تعد الأزمات تتمثل في القنابل والرصاص فقط، لكن وصلت الأمور إلى تفشي داء الكوليرا والمجاعات التي تعصف بالبلاد، فقد وصف تقرير للأمم المتحدة أن الوضع في اليمن أصبح أسوأ كارثة إنسانية في العالم.

الإمارات الصديقة تضمن حصتها من الوليمة بالقوة العسكرية

لم تكن السعودية، بين دول التحالف، هي الوحيدة في نظر العديد من المحللين صاحبة النوايا المغايرة للتصريحات المتداولة رسميًا، فقد تحولت الإمارات العربية إلى تبني سياق مختلف مع تصاعد الأحداث في اليمن. سعت الإمارات في الفترات التالية لعاصفة الحزم لبسط سيطرتها على أجزاء واسعة من اليمن عسكريًا وسياسيًا.

كانت استراتيجيتها مبنية على محاور عدة، منها زرع رجال موالين لحكام الإمارات في الجهاز الإداري للدولة اليمنية يضمنون لها قدرًا من التوافق مع الرؤية الإماراتية للمنطقة، كذلك التواجد على الأرض من خلال تدعيم «ميليشيا الحزام الأمني» وربطها مباشرة بالجيش الإماراتي، هذه الميليشيات السلفية انخرطت في  فرض عدد من الإجراءات القاسية على مواطني الشمال الذين يعتقد بأنهم موالون لعلي محسن والإخوان المسلمين وعلي عبد الله صالح، فقد تم طرد البعض منهم، ومنع آخرين من الدخول إلى موطنهم بحسب تصريحات الصحافي اليمني خالد الشايع لـ«ساسة بوست».

استخدمت الإمارات هذه الميليشيات في مقاومة الحكومة اليمنية ومنعها من تنفيذ رغبات الرئيس اليمني منصور هادي بعزل القيادات الأمنية التابعة للإمارات مثل صالح العميري المعروف بـ«أبي قحطان»، الذي قاد تمردًا ضد قرار إبعاده من مهمة الحماية الأمنية لمطار عدن، إذ قام ضباط إماراتيون بمساندته، وشن غارة من طائرة «أباتشي» على مركبة عسكرية، في نقطة العريش بالقرب من المطار، التابعة للحرس الرئاسي لهادي.

ميناء «عدن».. ما أخذ بالمفاوضات لا يسترد إلا بالقوة

على غرار الاهتمام السعودي بمضيق باب المندب، لحماية مصالحها حال قررت إيران غلق مضيق «هرمز» فيصبح «باب المندب» هو الطريق الوحيد المتاح بوجه تجارة النفط الخليجية؛ تولي

الإمارات اهتمامًا خاصًا بمدينة عدن التي تحتوي على أهم المواني اليمنية، والذي يعتبر أحد أهم الموارد المالية والاستراتيجية للدولة.

وبالنظر إلى تاريخ الإمارات من الاهتمام بهذا الميناء، كانت قد وقعت بشأنه اتفاقًا في عام 2008 مع الرئيس المخلوع «علي عبد الله صالح» يتيح لها حق إدارة ميناء «عدن» 100 عام قادمة، ليقوم الرئيس عبد ربه منصور هادي بإلغاء هذه الاتفاقية بدعاوى عدم التزام الشركة الإماراتية بالوفاء بالتزاماتها تجاه الحكومة اليمنية، وهو الأمر الذي لم تنسَه حكومة الإمارات ووجدت الآن فرصتها في استعادة ما فقدته بالمفاوضات عن طريق الميليشيات والسيطرة على الأرض.

Embed from Getty Images

لم تتوقف الخطط التوسعية للإمارات في السيطرة على الأراضي اليمنية، فقد استطاعت الإمارات السيطرة على جزيرة «سقطري» اليمنية، والتي تمتلك موقعًا استراتيجيًا مميزًا لموقعها الذي يشغل نهاية خليج عدن، وكذلك قيمتها السياحية الكبيرة في المنطقة.

«سقطرى».. كيف تحولت الجزيرة اليمنية لولاية إماراتية تحت وصاية أبوظبي العسكرية؟

وبالنظر إلى حالة الصراع الطاحنة في الخليج، فإن الجزيرة التي تشرف على القرن الإفريقي وغرب المحيط الهندي بالقرب من خطوط التجارة العالمية أصبحت ذات أهمية كبرى لكل القوى المتصارعة، حيث ستتمكن الدولة صاحبة السيادة على الجزيرة السيطرة على أهم المضايق المائية في العالم، وهما مضيقا هرمز وباب المندب، واستطاعت الإمارات السيطرة الكاملة على الجزيرة منذ دخولها للحرب اليمنية، كذلك بدأت في تنفيذ أعمال السيادة مثل تسيير رحلات الطيران والسيطرة على مسؤولين محليين لإدارة الجزيرة.

العراق وإيران.. الوجه الآخر لصداقتهما

وصلت العلاقة بين العراق ما بعد صدام حسين، وإيران إلى مراحل متقدمة، هذه العلاقة التي كانت قائمة على الصداقة بين طهران وبغداد، ودعم مادي ولوجستي وأمني من طهران للحكومة العراقية بقيادة نوري المالكي وقتها لم تكن لتمر بسلام، خصوصًا مع حالة الغضب التي استشعرتها بقية دول الخليج وعلى رأسها السعودية التي كانت تشعر بالقلق من هذا التقارب الذي قد يجعل لإيران منطقة نفوذ قوية في الخليج العربي.

البعد السياسي في حالة الصداقة الوطيدة بين العراق وإيران في تلك المرحلة لم يكن هو البعد الوحيد، بل كان هناك البعد المذهبي والديني الذي كان مثار انتقاد كبير من دول الخليج على اعتبار أن إيران كانت تمول وتساند الوجود الشيعي على سدة الحكم متمثلًا في «نوري المالكي».

Embed from Getty Images

هذه النظرة المذهبية التي حكمت العلاقة بين السلطتين جعلت استقرار العراق يبدو بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى. تجلت هذه النظرة التي اختلطت فيها السياسة بالمذهبية في الدعم الكبير الذي خصصته طهران تجاه الميليشيات الشيعية بالعراق. أبرز هذه الميليشيات كان «فيلق بدر» والذي يعود تاريخ تكوينه إلى الثمانينيات لكنه كان صاحب دور كبير في المواجهات مع داعش، كذلك «جيش المهدي» وهو الجيش الذي خضع لسيطرة مباشرة من زعيم التيار الصدري في العراق «مقتدى الصدر» والذي ظهر أعقاب الغزو الأمريكي لبغداد.

Embed from Getty Images

انتشر في العراق كذلك عدد آخر من الميليشيات الشيعية ذات التأثير الأقل، والتي اشتركت جميعها في تلقي الدعم من إيران، مثل عصائب أهل الحق وحزب الله العراقي والتي كانت تقاتل جميعها على جبهات مختلفة ضد مقاتلي داعش. هذه الميليشيات كان لها دور كبير في إذكاء الطائفية في العراق، والتي تسببت أيضًا بأفعالها في حرج كبير لطهران بعد قيامها باعتداءات واسعة على المواطنين السنة في المناطق التي استطاعت السيطرة عليها بعد إخراج داعش منها.

المثال الأكبر على هذه الانتهاكات هو ما حدث في مدينة «ديالى» من انتهاكات ضد مدنيين وتفجير مساكن ودور عبادة، وقامت المليشيات الشيعية بتلك الانتهاكات بغية إفراغها من السُكان السُنّة، كذلك شهدت المحافظة عمليات قتل جماعي راح ضحيتها مدنيون من السنة والشيعة هذا الحرج الذي تسببت به تلك الفصائل والميليشيات كان صريح الأثر في كشف الوجه الآخر للصداقة الإيرانية العراقية حيث كان قائد «فيلق القدس» وهو إحدى كتائب الحرس الثوري الإيراني «قاسم سليماني» على رأس جبهات القتال هناك.

الدبلوماسية العراقية تنظف وجه طهران أمام العالم

على المستوى الرسمي، أعلنت السلطات العراقية في أوقات عدة تلقيها مساعدات مباشرة في معاركها ضد داعش، هذه المساعدات التي أعطت للجميع الانطباع عن مدى عمق العلاقة بين العراق وإيران وصلت أحيانًا لإعلان المؤسسة التشريعية العراقية ممثلة في لجنة الأمن والدفاع عن امتلاكها وثائق رسمية تثبت وجود 30 ألف مقاتل إيراني في العراق على أقل تقدير. كذلك حديث رئيس مجلس النواب عن وجود عسكري إيراني في إطار التعاون الرسمي بين البلدين في الحرب على داعش.

هذه العلاقة القوية التي جمعت طهران وبغداد في مرحلة ما بعد الغزو الأمريكي كان الهدف منها هو استعادة الدولة والمؤسسات التي سقطت بعد الحرب وسقوط صدام، غير أن هذه الصداقة القوية لم تخل من استفادات كبيرة للجانب الإيراني، بل وكثير من الأضرار التي لحقت بالجانب العراقي. فالتوجه الطائفي الذي لعبت به إيران طيلة الوقت كان عاملًا لا يمكن تجاهله في تأجيج الصراع وامتداده من الأبعاد السياسية في كثير من الأحيان للبعد المذهبي. كذلك اعتبرت طهران العراق بمثابة الدرع الواقي لها أمام انتقال داعش إلى أراضيها، بغض النظر عما سيخلفه هذا الصراع من دمار كامل اقتصاديًا وسياسيًا للعراق.

هل كان نفط العراق يكفي لإعادة إعماره؟

لم تكن إيران المستفيد الوحيد من العراق في مرحلة ما بعد الحرب، كذلك الشركات الكبرى التي ساهمت في إعادة الإعمار بحسب الخطط التي قدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا لإعادة الإعمار من إيرادات استخراج النفط.

حظيت الشركات التي حصلت على عقود لاستخراج النفط في العراق بمميزات غير طبيعية ولا يمكن الحصول عليها في بلد يستطيع المساومة على تلك النسب بحسب تصريحات «محمد علي زيني» الاقتصادي المتخصص في المركز الدولي لدراسات الطاقة.

Embed from Getty Images

كانت صحيفة «الإندبندنت» قد حصلت على وثيقة توضح الشروط التي حكمت العلاقة بين تلك الشركات والحكومة العراقية، وبحسب تلك الوثيقة فإن الشركات لها الحق في استمرار الشروط الواردة في العقود لفترة تصل إلى 30 عامًا كاملة. من بين تلك المميزات الكبيرة حصول الشركات على نسبة 20% من الأرباح بعد استرجاع تكليف الإنتاج، وهو ضعف الرقم الذي تحصل عليه تلك الشركات في بقية الدول.

تظهر الوثيقة كذلك حصول بعض الشركات على نسبة 70% من العائد بعد استرجاع تكاليف الإنتاج، والرقم الذي يزيد 40% عما تجنيه الشركات في الحالات الطبيعية، وتم تبرير هذه النسب في الوثيقة بداعي غياب التدعيم الأمني في تلك المناطق. لمحاولة الحفاظ على تلك المكاسب من تبعات أي استقرار لحكومة عراقية، وضعت الشركات بندًا في العقود يمنع الدولة العراقية من الحق في تغيير أي من بنود العقود الموقعة أمام أي محكمة محلية، ليكون هذا الحق حصريًا للمحاكم الدولية.

لمحاولة الاقتراب من الأرقام الحقيقية التي جنتها تلك الشركات التي عملت في إعادة إعمار العراق في مرحلة ما بعد الحرب، وبالنظر إلى كل تلك المميزات التي حصلت عليها تلك الشركات؛ فقد نشرت صحيفة «فورين بوليسي» تقريرًا لها يقدر حجم الأرباح التي حققتها تلك الشركات بما قيمته 138 مليار دولار أمريكي.

في سوريا.. أسباب كثيرة للحذر من ادعاءات إعادة الإعمار

تعاملت العديد من الحكومات والمنظمات الدولية مع المسألة السورية على أنها «محرقة الإرهابيين»، فبعد سيطرة الحركات الجهادية على المشهد، بعد نشأة الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش« أبريل (نيسان) 2013، وتمددها باستمرار وصولًا إلى توالي الانتصارات بعد السيطرة على الموصل يونيو (حزيران) 2014، حتى أصبحت دولة على الأرض، تستقطب الحالمين بالخلافة الإسلامية من أنحاء العالم، وتمثل أضخم تجربة لمجتمع جهادي معولم يتشكل ويتوسع باستمرار ما بين سوريا والعراق، بالتوازي مع المجاهدين المهاجرين إلى جبهة النصرة والتنظيمات الأقرب إلى القاعدة والتيار السلفي الجهادي والذي تمثل «جبهة أنصار الدين» القسم الأكبر منه.

Embed from Getty Images

خلق هذا التمدد العالمي لتنظيم الدولة الإسلامية  والتمركز  في الحين ذاته ضمن منطقة جغرافية مشتعلة أكبر تجمع حديث للجهاديين في العالم، وشكل دافعًا كبيرًا للهجرة المتزايدة من سوريا، حتى شكل السوريون الجاليات الأكبر في دول العالم. كذلك خلق هذا التمدد للدولة الإسلامية، فيما بعد، مبررًا قويًا لموجة الثورات المضادة إقليميًا ووأد التجارب الديمقراطية وآفاق الحل السياسي للأزمة. ووفرت الصراعات الدموية بين التيارات داخل سوريا قاعدة بيانات معروفة دوليًا  حول الجهاديين الذين  ظهروا لأول مرة في الإعلام مع الثورة، وأصبح الإرهاب الحجة الأمثل لسد منابع الدعم للمعارضة السورية سواء على مستوى المنظمات أو الدول.

روسيا وإيران.. اجتماع ينذر بالخطر

جاء هذا في مقابل وجود ملجأ إقليمي دولي للنظام السوري وهو النظام الروسي،الذي  لا يوفر دعمًا دبلوماسيًا فقط، وإنما يشترك في المعركة على الأرض، ووفر جسر إمداد إقليميًّا لا ينقطع من السلاح والميلشيات التي تقاتل إلى جانب النظام السوري.

روسيا التي قادت الحرب مع النظام وحتى بمعزل عنه، بحكم أن قيادة معظم المعارك الكبرى كانت بيد ضباط الحرس الثوري الإيراني وقياديي حزب الله بدعم مباشر من موسكو، ووصلت أعداد «المهاجرين» الشيعة الممثلين لحركات جهادية وطائفية لسوريا قرابة ثلاثة أضعاف أعداد «المهاجرين السنة» في الوقت الذي سبق سيطرة تنظيم داعش على الموصل. وتورطت هذه الميليشيات الشيعية ذات الصبغة الطائفية  بعشرات المذابح الطائفية في حمص وريف دمشق وحلب.

Embed from Getty Images

لم يتم التعامل مع المؤسسة السياسية للثورة والمعارضة السورية بشكل جدي دوليًا، حيث ما زال النظام السوري هو الممثل الرسمي لسوريا في المؤسسات الدولية، بقدر ما تم اعتبار الائتلاف أو المجلس الوطني مجرد غطاء يعطي واقعية إعلامية لمحاولات الحل الدبلوماسي محسومة المصير سلفًا مثل اتفاقية جنيف وجنيف 2. وكان إبقاء المسألة السورية على تعقيداتها هدفًا مشتركًا من الأطراف الدولية والعربية في نظر العديد من المحللين، كمنفى لأزمات المنطقة ومحرقة للجهاديين أمام العالم. كذلك اعتبارها النموذج المرهب لمآل الثورات العربية على الأنظمة الديكتاتورية، وما يُمارس على المستوى الدولي أو الحصار الخارجي، يُمارس على المستوى المحلي عبر سياسات تشجيع اللجوء وتجريف ثورة من النشطاء.

4 مليارات دولار وأشياء أخرى: الدور السعودي الكبير في إجهاض الثورة السورية

استخدامات أخرى لورقة اللجوء

كانت السياسة  لتشجيع اللجوء، وعدم العمل بجدية على إقامة مخيمات داخلية أو مناطق آمنة، سببًا لإفراغ الثورة من قوامها الشعبي خاصة مع التزايد المطرد في وحشية قصف النظام الذي يستهدف المدنيين والمناطق الآهلة بالسكان، وأدى فتح باب اللجوء على مصراعيه وتحويل القضية السورية إلى قضية لاجئين إنسانية، وتحويل معظم الجهد الإغاثي نحو اللاجئين لاستهلاك الأموال المعلنة المخصصة للدعم عبرهم، إلى أن يكون هناك 4 ملايين لاجئ ما بين الأردن وتركيا والدول الأوروبية، هذا عدا المسافرين رسميًا للإقامة في بلدان أخرى، لتتحول المناطق التي تسيطر عليها المعارضة شيئًا فشيئًا إلى مناطق مواجهة عسكرية، وتفقد الثورة شرعية التمثيل الدولي والوجود الاجتماعي، لتتحول إلى جسد منعزل.

إضافة إلى الهجرة التي اجتذبت المدنيين، هناك من اجتذب نشطاء الثورة، وهم المنظمات الأجنبية في تركيا، والتي وظفت المئات من النشطاء وخلقت مجتمعًا موازيًا من العاملين في المنظمات، أشبه بالمجتمع السياسي الموازي  ما أدى في نظر البعض لتفريغ الحراك الثوري من حامله الفاعل والنخبوي.

Embed from Getty Images

لا تخفى الآن المكاسب التي توقعتها، وعملت على تحقيقها، إيران وروسيا منذ بداية الحرب الأهلية السورية.  فإيران والتي تعتبر  صاحبة الأهداف والمصالح الأكبر مع النظام السوري بقيادة الأسد، تسعى لتثبيت الرئيس الذي أعيد انتخابه في 2014 ليكون الحليف الرئيس لها في المنطقة. فالأسد قد سمح لجنود الحرس الثوري الإيراني بالتواجد على الأرض السورية، ومن خلفه، مدفوعًا كذلك من طهران، يتواجد جنود حزب الله اللبناني. فقد رفض خامنئي فكرة خروج الأسد من السلطة، وكذلك كل المقترحات الدولية التي ترتكز على هذا الطرح، وقال خامنئي: «نعتقد أنه ليس من المعقول أن تلتقي بلدان أخرى وتقرر نظامًا حكميًا ورئيس تلك الدولة… وهذه مبادرة خطيرة لا تقبلها أي دولة في العالم».

تسعى إيران بشكل واضح للحفاظ على الأسد في سدة الحكم كورقتها الرابحة الأولى في المنطقة، والتي يمكن أن تستخدمها طهران سلاحًا مزدوجًا، دينيًا وسياسيًا، ليضمن بذلك النظام الإيراني تقاربًا كبيرًا وثقلًا دبلوماسيًا وسياسيًا في صراعاته مع جيرانه بالمنطقة بقيادة المملكة العربية السعودية باعتبارها قائدًا للمعسكر السني.

أما النظام الروسي، فهو يقاتل ظاهريًا تنظيم داعش، بينما في الحقيقة فإن نظام بوتين يسعى إلى القضاء على الكثير من معارضي الأسد، الذين يدعمهم الغرب في نظره بكل قوة. تحول بقاء الأسد إلى رهان أساسي للنظام الروسي في المنطقة منذ اللحظة التي سقط فيها معمر القذافي في ليبيا، الذي كان الحليف الأهم للدب الروسي بالمنطقة عبر صفقات السلاح التي كان يبرمها مع روسيا. هكذا أصبح النظام السوري هو الحليف البديل على رأس قائمة موسكو في المنطقة. في هذه اللحظة، عندما تنجح روسيا في تحقيق هدفها، سيكون من غير الممكن لأي مفاوضات في المنطقة أن تستبعد الرؤية الروسية.

اقرأ أيضًا: الرقص على التناقضات.. كيف تخطط روسيا بذكاء للسيطرة على الشرق الأوسط؟