قد يكون رئيسًا قديمًا لك في العمل يكبرك في السن، أو خالتك التي تكن لها معزة خاصة في قلبك، أو حتى أحد والديك إذا كانت تجمعكم صداقة مميزة؛ أغلبنا لديهم هذا الشخص في حياتهم، الذي يكبره سنًا، ويركض إليه في وقت الأزمات النفسية، يرتمي في حضنه، ويحكي له عما يشغل باله، ويأخذ بنصائحه.

فكرة اللجوء لشخص أكبر سنًا في دائرة علاقاتك الشخصية، سواء كان من المعارف أو الأقارب، تعتبر إحدى وسائل الدعم النفسي، ولكن هل يمكن أن تكون تلك طريقة فعالة ومتعارف عليها علميًا بالتعاون مع الأطباء النفسيين؟ وهل يمكن للطب أن يمتزج بالموروث الثقافي والخبرة الإنسانية التي يمتلكها كبار السن، ليقدموا للمريض النفسي دعمًا نفسيًا شبه متكامل؟ هذا التقرير يحدثكم عن تجربة مشابهة حاولت أن تجمع بين الأمرين لمساعدة المرضى النفسيين؛ وهي «التجربة الزيمبابوية».

«لماذا لم تتحدثي مع أحد يا إيريكا!»

كان يوم عمل عادي في حياة الطبيب النفسي ديكسون شيباندا، المسؤول عن قسم الطب النفسي في المستشفى التي يعمل بها في هرارى عاصمة زيمبابوي، حتى تذكر موعد إيريكا، ومرت عليه ساعات ولم تحضر تلك المريضة النفسية التي كانت قد حاولت الانتحار من شهور لأنها كانت تعاني من الاكتئاب.

 كانت – إيريكا – تحت الرعاية الطبية في قريتها الفقيرة التي تبعد أميال عن العاصمة، وكان الاتفاق مع والدتها أن تزوره في ذاك اليوم للمتابعة النفسية حتى لا تُقبل على الانتحار مرة أخرى، ولكن رنين الهاتف قطع أفكاره ليصله خبر موت إيريكا بعد أن انتحرت مرة أخرى. والسبب أنها لم تجد المال الكافي للسفر إلى العاصمة للتحدث معه، بينما لا تتوفر في قريتها الفقيرة أي رعاية طبية نفسية، أو متخصص تتحدث معه عندما تنتابها تلك الأفكار الانتحارية التي هاجمتها، وكان موت إيريكا رغم مأساويته، بداية لتجرية نفسية جديدة في الكثير من قرى زيمبابوي، تجربة أطلقوا عليها «مقعد الصداقة».

«التفكير الزائد يقتل»

عالميًا يعاني أكثر من 300 مليون شخص من الاكتئاب وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، ويعد الاكتئاب هو السبب الرئيس «للإعاقة» في العالم، إذ يصبح الشخص المصاب غير قادر أن يكون منتجًا أو فعّالًا في المجتمع، ويتسبب الاكتئاب في انتحار 800 ألف شخص سنويًا، معظمهم في البلدان النامية، مثل التي كانت تعيش فيها إيريكا.

«kufungisisa» هي الكلمة المحلية في زيمبابوي التي تعني اكتئاب، وهي تعني حرفيًا «التفكير الزائد»، وعلى الرغم من أن زيمبابوي لم تقع تحت منظار الرصد العالمي لعدد الحالات التي تعاني من الاكتئاب فيها، إلا أن شيبادنا يؤكد أن الاكتئاب مستمر على مر أربعة أجيال في زيمبابوي وأعداد المكتئبين الموزعين على القرى الفقيرة والمتطرفة في البلد مرتفع للغاية.

«ماذا لو وجدت إيريكا شخصًا تتحدث معه عما يدور في بالها؟» هذا هو السؤال الذي انطلقت منه تجربة صغيرة على يد شيباندا لتنطلق من تلك القرية الفقيرة إلى نيويورك واحدة من أهم الولايات المتحدة الأمريكية، وتحقق نجاحًا يلفت أنظار الأوساط الطبية في أنحاء العالم ومنظمة الصحة العالمية.

شيباندا الذي يعمل الآن أستاذًا للطب النفسي بجامعة زيمبابوي وكلية لندن للصحة وطب المناطق الحارة، ومدير المبادرة الأفريقية لأبحاث الصحة العقلية، هو واحد من ضمن 12 طبيبًا نفسيًا فقط يمارسون الطب النفسي في زيمبابوي والتي بلغ عدد سكانها 16 مليون نسمة، بمعدل طبيب واحد لكل مليون ونصف مواطن.

أدرك الطبيب الشاب ضرورة وجود شخص موثوق به في كل قرية، يُصرح له بالحديث مع الأشخاص الذي يعانون من أمراض نفسية أو أفكار انتحارية، على أن يتلقى هذا الشخص تدريبًا مختصًا على يده أولًا، وقرر شيباندا أن تتكون تلك الشبكة من السيدات الكبار في السن في كل قرية.

في عام 2006 بدأ شيباندا في تنفيذ خطته ودرّب ما يزيد عن 400 سيدة كبيرة في السن على مبادئ إدارة الحديث مع المريض النفسي، والأسس العلمية في تشخيص ما يعاني منه المريض النفسي، مع كيفية تحديد مدى خطورة الحالة النفسية للشخص الذي يلجأ لمقعد الصداقة، وهو الاسم الذي أطلقوه على المقعد الكبير الذي تجلس عليه السيدة المسنة في كل قرية ليس بها رعاية صحية نفسية، حتى يلجأ إليها من يعاني من مشكلات نفسية من جميع الأعمار، للحديث معها مقابل أن تقدم له نصائح وفقًا للتدريب الذي قدمه لها شيباندا وزملاؤه الذين انضموا إلى مبادرته لاحقًا.

ومنذ أن بدأت التجربة في عام 2006، وحتى عام 2017 ساعد مقعد الصداقة وحده ما يزيد عن 30 ألف شخص يعانون من الاكتئاب والأمراض النفسية الشائعة.

عندما يجتمع الطب مع «الحكمة المحلية»

في البداية لم يظن شيباندا نفسه أن تلك التجربة يمكن أن يكتب لها النجاح، حتى أن بعض زملائه من الأطباء وصفوا ما يريد أن يفعله بأنه «هراء»، وهذا لعدم ثقتهم في قدرة السيدات المسنات على إدارة حديث بنّاء مع مريض نفسي، ومعظمهن لم يتلق تعليمًا من الأساس، وليست لديهن قدرة على القراءة والكتابة، فكانت فكرة تدريبهن على أن يكن مستشارات نفسية فكرة بعيدة عن المنطق والواقعية، وبعد أن نجحت التجربة وصفه نفس الزملاء بالعبقرية، بينما هو يؤكد أن الأمر لم يكن له أي جانب من جوانب العبقرية، وأنه لم يجد أمامه سوى هذا الحل اليائس ظاهريًا.

ولكن ما أظهرته السيدات المسنات من حكمة؛ أذهل شيباندا نفسه، وتحوّل تدريب المسنات من جانب الأطباء النفسيين المشاركين في التجربة، إلى عملية متبادلة، حين وضحت لهم الجدات أن ما يستخدمونه من مصطلحات طبية وأساليب علمية بحته ومعقدة في العلاج، لن يكون لها الأثر الفعّال على المرضى، وأنه يجب عليهم التوغل أكثر في المفاهيم الثقافية المتجذرة في نفس المواطنين والتحدث معهم باللغة التي يفهمونها وبالمصطلحات التي يسهل على عقلهم هضمها حتى يكون العلاج النفسي ناجحًا، وهكذا بدأت عملت التدريب لينتج عنها في النهاية وسيلة علاج نفسي هي مزيج ما بين الطب الأكاديمي البحت من جانب الأطباء النفسيين الشباب، والمفاهيم الثقافية الموروثة والراسخة في أذهان كل من يعيش في القرى الفقيرة في زيمبابوي.

في حوار له مع منظمة الصحة العالمية، أكد شيباندا أن تلك التجربة ما كان لها أن تنجح إن لم يكن من يجلس على هذا المقعد سيدة كبيرة في السن تفهم الأفكار المتجذرة في عقل السكان الأصليين لتلك القرى، مؤكدًا أن الطب النفسي وحده في هذا الظروف لن يكون الحل المثالي للوصول إلى نفس وروح المريض النفسي، وبهذا الشكل تحوّل الحل «اليائس» أو «الهراء» إلى تجربة فريدة من نوعها، تثبت أن الطب النفسي بمعلوماته الطبية الاكاديمية؛ يمكن أن يقف عاجزًا أمام مرض نفسي تسببت فيه المفاهيم الثقافية الموروثة في بعض القرى الفقيرة في البلدان النامية.

بعد مرور ثلاث سنوات على التجربة أيقن شيباندا فعاليتها وأهميتها في زيمبابوي، ولكنه أراد لهذه التجربة أن تنطلق من بلده إلى البلدان النامية الأخرى، ولذلك في عام 2016 نشر شيباندا بالتعاون مع زملائه المشاركين في تجربة مقعد الصداقة نتائج التجربة لعرض مدى فعاليتها على الأوساط الطبية المتخصصة ونُشرت تلك النتائج في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية، وفي تلك التجربة قسّم الباحثون المرضى النفسيين المشاركين – 600 مريض – إلى مجموعتين، واحدة تلقت العلاج التقليدي على يد أطباء نفسيين، ومجموعة آخرى تلقت العلاج عن طريق مقعد الصداقة، لتكشف النتائج أن المجموعة التي خضعت للعلاج من خلال مقعد الصداقة قد أظهروا تقدمًا ملحوظًا عن المجموعة الأخرى.

ورصد الأطباء تلك التجربة مدركين أهمية فهم العقلية المحلية للمريض النفسي، وتقديم الحلول التي تتوافق مع تلك الظروف والأفكار التي تربى عليها المريض، فمع السيدة المسنة التي عاشت نفس ظروف المريض النفسي وعانت مما عانى منه في نفس القرية، يكون التواصل النفسي أكثر فعاليّة، بجانب قدرتها على تقديم حلول فعّالة، وليست حلولًا اكاديمية قد لا تتماشى مع الظروف المحيطة بالمريض النفسي.

من قرى أفريقيا الفقيرة.. إلى نيويورك

بعد نجاح التجربة لإثبات فعاليتها بين الأوساط العلمية والطبية، بدأت تشمل تلك المقاعد الذي يعانون من الإدمان أو الإيدز وما يليها من أمراض نفسية مصاحبة، وامتد مقعد الصداقة ليشمل العديد من البلدان النامية الأخرى، ومع هذا التوسع اكتشف شيباندا وزملائه المشاركين في التجربة أن السيدات المسنات لسن وحدهن القادرات على تقديم الدعم، وعلى سبيل المثال في ملاوي شمل مقعد الصداقة رجالًا ونساءً من كبار السن، وفي زنجبار انضم لمقعد الصداقة كلا الجنسين من جميع الأعمار، حتى وصل مقعد الصداقة إلى مدينة نيويورك، والذي يعتبر الأكثر تنوعًا في طبيعة الأشخاص الذي يقدمون الدعم خلاله فهم من جميع الأعمار والأجناس ويطلق عليه في نيويورك المقعد البرتقالي.

قد يظن البعض أن المرض النفسي يشكل أزمة في القرى الفقيرة فقط والبلدان النامية مثل زيمبابوي، ولكن الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر من البلاد التي لا تقدم الدعم النفسي الكافي للمرضى فيها، وفي دراسة استقصائية أجريت بين العام 2013 و2014 أظهرت أن ما يقرب من نصف مليون من سكان نيويورك يعانون من الاكتئاب، وأن 40% منهم لا يتلقون علاجًا نفسيًا.

ظهرت مقاعد الصداقة في نيويورك للمرة الأولى في عام 2016 على سبيل للتجربة، وانطلقت رسميًا في عام 2017 وجذبت ما يزيد عن 30 ألف زائر خلال العام الأول لها في المدينة، وتوجد حاليًا ثلاثة مقاعد دائمة في المدينة بمناطق بروكس وبروكلين وهارلم، وما لاحظه شيباندا عندما سافر إلى نيويورك ليراقب تجربته وهي تشق طريقها عالميًا، أن معظم الموضوعات التي يتناقش فيها المرضى النفسيون الذي يلجأون إلى المستشار الجالس على مقعد الصداقة، تتشابه كثيرًا مع الموضوعات التي رصدها في القرى الفقيرة بزيمبابوي، بين مشكلات الإدمان، والشعور بالوحدة والاكتئاب.

وما أكدته الأوساط الطبية أن هذا الحل رغم ظهوره لأسباب تتعلق بقلة الأطباء النفسيين، إلا أنه حل مثالي لكل بلدان العالم حتى الغنية والمتطورة منها، لأنه في بعض الأحيان يحتاج المريض النفسي شخصًا مثله، عانى من نفس ما عاناه ويفهم ما يمر به؛ حتى يتم التواصل بينهما ويكون التواصل فعالًا.

الطبيب النفسي يقدم كل الدعم الطبي والمعلومات الاكاديمية للمريض النفسي، ولكن في كثير من الأحيان يشعر المريض النفسي بالعزلة النفسية عن الطبيب، شاعرًا أن الطبيب لا يعرف حقًا ما يعانيه، ولكن في مقعد الصداقة عندما يجلس المدمن ليتحدث مع شخص تعافى من الإدمان منذ سنوات عدة يختلف الأمر؛ فهم لديهم أرض مشتركة وتجربة واحدة يتشاركون تفاصيلها الدقيقة التي لا يدركها الطبيب النفسي مهما حصل عليه من علم، فهل يمكن لمقعد الصداقة أن يشق طريقه إلى العالم العربي؟

المصادر

تحميل المزيد