نأتي إلى هذا العالم فنجد أفراد الأسرة والعائلة مُختارين لنا بالفعل، سواء أحببناهم أم لم نتفق معهم؛ فهم عائلتنا التي لا نستطيع أن نتجاهلها، ولكن في المقابل تمنحنا الحياة فرصة اختيار عائلة صغيرة نكونها نحن بأنفسنا، وهم الأصدقاء، فليس هناك أي قانون اجتماعي أو شيء يرغمك على أن تكون صديقًا لطرف بعينه، سوى رغبتك في فعل ذلك، حتى لو كانت تلك الرغبة عبارة عن منفعة متبادلة بينكما، في النهاية يكون الأمر باختيارك، سواء كان حبًا صادقًا أو منفعة.

في عالم الحيوان هناك حيوانات تصادق الإنسان مثل الكلاب والقطط، وهناك صداقة تنشأ بين أفراد قطيع واحد من الحيوانات بهدف حماية بعضها البعض، والتعاون من أجل البقاء، ولكن ماذا عن الصداقة التي تنشأ بين حيوان وحيوان آخر ليسا من نفس القطيع أو النوع، مثل صداقة الكلب مع القطة، أوالفيل مع الكلب؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذا التقرير، في محاولة لاستكشاف مفهوم صداقة الحيوانات.

متى نقول إن تلك العلاقة صداقة؟

 هناك الكثير من أنواع العلاقات التي تجمع بين أي حيوانات والحيوانات الأخرى، سواء من نفس نوعه أو من نوع آخر، خاصة العلاقات التي تُبنى على المنفعة، مثل الفراشات التي تلازم رأس التماسيح في كثير من الأحيان؛ حتى تشرب المياه التي تسيل من دموع التماسيح، والتي تكون غزيرة بغرض تنظيف عين التمساح، أو العلاقة التي تجمع الأسماك الصغيرة جدًا والتي تسبح بجوار الأسماك الكبيرة لتتناول ما تبقى من طعامها، ولكن متى نقول إن تلك العلاقة بين حيوان وآخر هي صداقة.

يؤكد علماء الأحياء أن هناك عدة شروط لمنح تلك العلاقة بين الحيوانات هذا الوصف «صداقة»، وهي أن تكون علاقة تبادلية، بمعنى أن الطرفين اختارا بعضهما البعض، وتعاملا سويًا في حالة من السلام والود، والشرط الثاني هو أن يحدث نوع من أنواع التأقلم، أو التكيف، بهدف الحفاظ على تلك العلاقة، حين يتحدى طرفا الصداقة غرائزهما من أجل الإبقاء على علاقتهما، مثل أن يتخلى المفترس عن شراسته، ويصادق الفريسة، وهو ما يحدث بالفعل في عالم الحيوان، والشرط الثالث والأهم من وجهة نظر علماء الحيوان هو أن تستمر تلك العلاقة لفترة طويلة.

تارا وبيلا.. قصة صداقة غريبة بين فيل وكلب

كانت بيلا الصديقة المقربة والوحيدة لتارا، وعاشا سويًا سنوات طويلة، ولذلك عندما توفيت بيلا عاشت تارا أيامًا طويلة في حداد، ومنعها الحزن من مواصلة حياتها الطبيعية التي اعتادتها، فقد كانت بيلا تشاركها في تناول الطعام، وفي اللعب، وحتى في أوقات النوم.

شاهد مقطعًا مصورًا يجمع بين بيلا وتارا هُنا

تارا هي أنثى فيل تعيش في واحدة من المحميات الطبيعية للأفيال في الولايات المتحدة، وفي يوم من الأيام في نهاية عام 2009 كانت الكلبة الضالة بيلا تستكشف تلك المحمية وتبحث عن أي طعام متاح، وبدون أي سبب واضح للعاملين في المحمية بما فيها من أفيال كثيرة، ومساحة شاسعة، حدثت علاقة صداقة بين تارا وبيلا، والتي استمرت 10 سنوات كاملة، لم يفترق فيها الاثنان حتى حين مرضت تارا واضطرت أن تلزم العيادة الصحية للمحمية لثلاثة أسابيع، ظلت بيلا ملازمة أمام باب العيادة دون أي تتحرك أو تركض أو تبحث عن طعام في المحمية التي تصل مساحتها 240 فدانًا، فقد اختارت أن تنتظر صديقتها تارا – أنثى الفيل – حتى تتعافى.

أكد العاملون في المحمية أن بيلا أظهرت معالم الحزن التي تظهرها الأفيال حينما يموت فرد من أفراد قطيعها، مؤكدين أن الصداقة التي دامت لعقد كامل بين بيلا وتارا كانت من أكثر الصداقات الغريبة والمميزة في ممكلة الحيوانات، خاصة بسبب فرق الحجم بين الاثنين.

لمواجهة الملل.. الثعبان يصادق الفأر!

نطلق عليها حديقة حيوان، أو محمية طبيعية، أو مكانًا لإنقاذ الحيوانات، ولكن من وجهة نظر الحيوان – طالما أصبح يرى العالم من وراء قضبان وأسوار – فهو أسير وليس حرًا في الطبيعة، وهذا أمر يدركه عقله لا إدريًا دون تحليل أو عمق فكري، وما وضحته أستاذة الطب البيطري بجامعة تكساس، فالحيوانات الأسيرة تبحث عن الصداقة دومًا حتى لو كانت ستختار نوعًا آخر من الحيوانات لتلك الصداقة، وطرفا هذه الصداقة يكون هدفهما الأساسي من التقرب هو البحث عن الراحة والأمان مع بعضهما البعض، والهروب من شعور الأسر.

ربما قد مر عليك مشهد في فيلم لثعبان يعتصر ويقتل حمامة، أو فأرًا، أو أرنبًا، ثم يبتلعها، فتلك تعتبر وجبة دسمة وتكفيه لأسابيع، ولكن في واحدة من حدائق الحيوان في اليابان، تجمع الفريسة والمفترس صداقة قوية تجذب زوار الحديقة لمشاهدة تلك الصداقة المميزة بعد أن انتشر مقطع مصور لهما على موقع «يوتيوب». فهل شعورهما أنهما سويًا في الأسر جعلهما يتركان وراء ظهريهما أدوارهما المعتادة؟ 

يؤكد مارك بيكوف، أستاذ علم البيئة والأحياء بجماعة كولورادو، أن الحيوانات انتقائية للغاية في تكوين صداقتها، فقد يرفض حيوان مثل الكلب صداقة كلب مثله، بينما تنشأ بينه – نفس الكلب – وبين قطة صداقة قوية، خاصة وإن تربيا سويًا في نفس المنزل منذ الصغر، ولكن الأغرب، والذي أشار له مارك، أن أحيانًا الحيوانات تختار أن تمنح ثقتها لحيوان من نوع آخر، ولذلك نرى صداقات تنشأ بين مفترس وفريسة، وفي هذه الحالة – يوضح مارك – فإن الفريسة بشكل ما تختار واعية أن تثق في المفترس، وهذه الثقة تحتاج إلى قدر كبير من التفكير والمشاعر.

والثعبان والأقداد (الهامستر) ليسا حالة فريدة، ففي عام 2015 انتشر مقطع مصور على وسائل التواصل الاجتماعي، يحكي قصة نمر وضع له الحراس في حديقة الحيوان عنزة حيّة حتى تكون فريسة له، ويمارس طقوس الصيد المتأصلة في غرائزه، ولكن النمر لم يهاجم العنزة، ونشأت صداقة بين الطرفين دون سبب مفهوم، ومؤخرًا في عام 2019 انتشرت أيضًا مقاطع مصورة لفهد لديه صديق كلب بغرض «الدعم العاطفي» في واحدة من حدائق الحيوان بأمريكا.

ولكن تلك النوعية من الصداقات بين المفترس والفريسة لا تجدها في الطبيعة حيث يبحث المفترس عن طعامه بين باقي الحيوانات من الأنواع الأخرى، ولكن حينما يكون الحيوان في حديقة أو محمية طبيعية ويتناول طعامه باستمرار ويعيش في نفس المكان فترة طويلة، يؤكد علماء الحيوان أن هذا قد يدفعه للملل؛ ما يتسبب في حدوث صداقة بينه وبين حيوان آخر كان من الممكن أن يكون فريسته، إذا كان شعور الجوع مسيطرًا عليه أكثر من شعور الملل.

وفي كتابها «When Species Meet» توضح دونا جيه هارواي، أستاذة تاريخ الوعي بجامعة كاليفورنيا، أن الصداقة بين المفترس والفريسة أحيانًا تكون ناجحة؛ لأن كلًا منهما على دراية ووعي كافيين بالطرف الآخر، فالفريسة تعيش طوال عمرها تتجنب أن تكون عشاء المفترس، بينما يحاول المفترس أن يفهم كيف تتصرف الفريسة حتى يستطيع أن يصطادها، ولذلك حين تنشأ صداقة بين الطرفين، تكون قوية لأنهما «يفهمان» بعضهما البعض.

ما الذي تحتاجه صداقة الحيوانات لتنشأ؟

الصداقة بين أفراد القطيع الواحد تكون مدفوعة بالفطرة والغريزة التي وُلد بها الحيوان، وهذا لأن العيش في مجموعات أو قطيع يمنح جميع أفراد القطيع نوعًا من أنواع الحماية، كما يسهل الحصول على الطعام، حينما يصطاد القطيع مجتمعًا بدلًا أن يصطاد كل واحد بمفرده، ولذلك تكون هناك دوافع غريزية داخل الحيوانات من نفس النوع لتكوين صداقات داخل الجماعات أو القطيع، ولكن ما الفائدة أو الغريزة التي دفعت بيلا وتارا ليختارا بعضهما ليكونا صديقتين لمدة 10 أعوام كاملة.

شاهد مجموعة من الصداقات بين حيوانات من أنواع مختلفة هُنا.

تكوين الصداقة بالإرادة الحرة يتطلب تفكيرًا وعواطف، أو على الأقل عواطف تقوم بدور الغريزة لدى الإنسان، فتجعله يفضل الصداقة ليتغلب على الشعور بالوحدة، أو ليجد شخصًا يشاركه نفس اهتماماته، والسؤال هنا هل تشعر الحيوانات بالتعاطف؟ هل لدى الفيل وعي؟ هل يمكن للكلب التخطيط للمستقبل؟

في كتابه «ما وراء الكلمات: كيف تفكر الحيوانات وتشعر» حاول عالم البيئة كارل سافينا من خلال جولات قام بها لدراسة الحيوانات في أنحاء العالم أن يؤكد على وجود وعي لدى الحيوانات، مؤكدًا أن معظم الدراسات الحديثة التي تخص أمخاخ الحيوانات حاولت كسر الحواجز بيننا وبين – كما وصفها – «الحيوانات غير البشرية» في إشارة منه إلى أن الحيوانات لا تختلف كثيرًا عن البشر عندما يتعلق الأمر بالتفكير والشعور، ولذلك فهي قادرة على تكوين صداقات مع أنواع أخرى من الحيوانات بإرادتها الحرة، ودون الحاجة لوجود منفعة مادية مباشرة من وراء تلك الصداقة غير المشاعر الطيبة التي تجمعها.

وهو ما أكده أيضًا عالم الحيوان فرانس دي وال الذي عكف سنوات طويلة على إجراء دراسات نفسية للحيوانات، وخاصة القرود؛ فوضح في كتابه «عواطف الحيوانات وما تخبرنا به عن أنفسنا» أن المشاعر لدى الحيوان والإنسان متماثلة بشكل لا يتوقعه الكثيرون ممن لم يتعاملوا مع الحيوانات عن قُرب، وعلى الرغم من عدم وجود تعبيرات وجه واضحة لكل الحيوانات حتى تعبر عن مشاعرها، فكل حيوان لديه طريقة للتعبير عن مشاعره من خلال لغة الجسد أو العيون، على سبيل المثال فإن الأفيال تعبر عن الألم النفسي والشعور بالحزن من خلال تضييق العيون، وضم الأذن على الرأس، ونفخ الخدين، وهي العلامات التي أظهرتها تارا عندما توفيت بيلا.

«تأثير التشابه».. هل كان هناك تشابه في الشخصية بين بيلا وتارا؟

حيوان ضخم الجثة ثقيل الحركة، والآخر صغير الحجم وسريع الحركة، هكذا كان الفرق الجسدي بين بيلا وتارا، ومع ذلك استطاع الاثنان أن تجمعهما صداقة دامت ما يزيد عن 10 سنوات.

في دراسة أجريت العام 2013 بجامعة فيينا، أكدت أن الحيوانات مثلها مثل البشر في قدرتها على تكوين صداقات وثيقة ومستقرة، سواء مع حيوان من نفس نوعها، أو من نوع آخر، وبينما لم تكتشف الدراسة السبب وراء لجوء جميع الحيوانات لتكوين صداقات دون منفعة متبادلة؛ فقد اكتشفت الدراسة أن الشمبانزي يرتكز في اختياره الصداقات التي يكوّنها على التشابه في الشخصية بينه وبين من يصادقه، وهو ما أطلق عليه المشرفون على الدراسة «تأثير التشابه».

وهذا التأثير يحدث بين البشر حين ينجذب الشخص لصداقة الطرف الآخر الذي يشاركه نفس الصفات والاهتمامات، وفي الدراسة يقول عالم الأحياء يورج ماسين أن البشر هم من يكونون الصداقات على نفس طريقة الحيوانات مشيرًا إلى أن «البشر يختارون أصدقاءهم كما كان يفعل أسلافهم، يقصد القرود والشمبانزي بناءً على نظرية التطور» – بحسبه.

وهو ما يخبرنا أن هناك تواصلًا ما تم بين الطرفين – تارا وبيلا – ربما لا ندرك عنه شيئًا، حيث وجد كل منهما تشابهًا بينه وبين الآخر فجمتعهما تلك الصداقة القوية، وحتى الآن ما يعرفه علماء الحيوان عن أسباب الصداقة بين نوع وآخر من الحيوانات ينحصر في الأسباب المذكورة في هذا التقرير، ولكن لم تزل تلك الصداقات تثير شغف وفضول علماء الحيوان، وما زالوا في سعي وراء فهم ما يدور في ذهن الحيوان حين يقرر أن يصادق فريسته على سبيل المثال.

وعلى الرغم مما أظهرته الحيوانات من قدرة على التعاطف، سواء مع بعضها البعض أو مع بشر، أو ما أظهروه من درجات الوعي، والتي تتجسد في إداركهم لأنفسهم في المرآة، إلا أن هناك – يوضح العالم دي وال – الكثير من العلماء الذي يرفضون مجرد التفكير بأن الحيوانات تختبر المشاعر كما يختبرها البشر بالضبط؛ لأن وجود المشاعر لدى الحيوانات يفترض مسبقًا درجة من درجات الوعي، وهذا ما يرفض بعض العلماء والبشر الاعتراف به.

المصادر

تحميل المزيد