على مقاعد السُلطة التي تدور بين استعمار، وانقلاب عسكري، وحكم ديكتاتوري أو ثوري أو ديمقراطي، وحركات مقاومة أو تمرد، وصل العديد من القادة والرؤساء إلى مقاعد الحكم في بلاد طاردتهم أنظمتها، أو حبستهم، وكانت تراهم خائنين، أو قادة «إرهاب»، أو مثيري فوضى.

نيلسون مانديلا

يراه البعض رمزًا للسلام والتسامح، لكن «مانديلا»، رئيس جنوب أفريقيا الذي رحل عن عالمنا في 2013، لم يترك وسيلة لمقاومة الفصل العنصري بين السود والمواطنين والمهاجرين البيض في جنوب أفريقيا إلا واستخدمها.

وبسبب نشاط سياسي وحقوقي حافل قاد فيه نضال السود والرافضين للفصل العنصري منذ شبابه، اعتقلت السلطات «مانديلا» واتهمته بالخيانة عدة مرات، انتقل بينها من وسائل المقاومة السلمية إلى قيادة جناح مُسلح للمؤتمر الإفريقي الوطني – المنظمة «الإرهابية» التي أصبحت حزبًا حاكمًا – وقضى في السجن 27 عامًا كاملًا؛ ليخرج بعدها رئيسًا لجنوب إفريقيا في أول انتخابات ديمقراطية في عام 1994 بعد انتهاء الفصل العنصري بنسبة 63% من أصوات الناخبين، ليعمل على تحقيق مصارحة ومصالحة وطنية ساهمت في رأب الصدع بين طوائف المجتمع وتجاوز آلام فترة الفصل العنصري.

رجب طيب أردوغان

اتُهم «أردوغان» في عام 1998 بالتحريض على الكراهية الدينية وسُجن ومُنع من العمل في الوظائف الحكومية بسبب أبيات اقتبسها تقول: «مآذننا رماحنا والمصلّون جنودنا.»

قبل وبعد سجنه، برز «أردوغان» ناشطًا سياسيًا ومشاركًا في تأسيس عدة أحزاب تحمل فكرًا إسلاميًا سار فيها على درب أستاذه «نجم الدين أربكان»، لكن التلميذ لم ينتهي بنفس المصير؛ فوصل إلى منصب عمدة بلدية «إسطنبول»، وفاز حزبه «العدالة والتنمية» بأغلبية ساحقة في انتخابات 2002، ليتولى رئاسة الحكومة منذ عام 2003 وحتى الآن، متغلبًا على عدة تحديات اقتصادية ومخاطر انقلاب عسكري جديد؛ ليعيد تشكيل الحياة السياسية في تركيا.

علي عزت بيجوفيتش

لم تنفصل فلسفة الرئيس البوسني الأسبق «بيجوفيتش» عن نشاطه السياسي، ونضاله لتأسيس دولة مستقلة لمسلمي البوسنة والهرسك، الذي مر بعدة مراحل بين اعتقال ومطاردة وحرب قاسية متعددة الأطراف في منطقة مزقتها الصراعات العرقية بين الصرب والكروات والبوسنيين.

سُجن «بيجوفيتش» عدة مرات لنشاطه السياسي وتشكيل «مجموعة إسلامية متمردة» في ظل النظام الشيوعي الذي حكم دول أوروبا الشرقية، واتُهم باعتناق الأصولية الإسلامية ومحاولة تأسيس نظام يشبه النظام الإيراني في البوسنة بعد كتابه «الإعلان الإسلامي»، حتى نجح في إعلان استقلال جمهورية البوسنة وانتزاع اعتراف الاتحاد الأوروبي وأمريكا بها عام 1992، لكن واجهته حرب البوسنة التي امتدت لأكثر من 3 سنوات، وشهد مسلمو البوسنة خلالها مذابح وجرائم حرب من القوات الصربية بشكل أساسي، والكرواتية بدرجة أقل.

انتهت الحرب في 1995، وانتُخب «بيجوفيتش» بعدها ممثلًا للبوسنيين في المجلس الرئاسي منذ عام 1996 إلى 2000، قبل وفاته عن 78 عامًا في عام 2003.

محمد مرسي

رغم الجدل الذي يدور حتى الآن حول الرئيس المصري المعزول «محمد مرسي»، وجماعته جماعة «الإخوان المسلمين»، إلا أن الرئيس السابق الذي أطاح به انقلاب عسكري بعد انقضاء عام واحد من فترته الرئاسية، وخروج مظاهرات حاشدة للمطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، هو نموذج لانتقال حركات المعارضة من مقاعد «الأقلية»، وخانة الاحتجاج والمعارضة إلى مقاعد الحكم.

اقتربت جماعة «الإخوان المسلمون» من السُلطة أحيانًا، وابتعدت في أحيان أخرى لتقضي قسمًا كبيرًا من أكثر من 80 عامًا مرت على تأسيسها في مصر بين اعتقالات ومنع وتشديد على أنشطتها، حتى انتهت إلى وصفها بـ «المحظورة» بنهاية عهد «مبارك» قبل ثورة 25 يناير، التي قضى «مرسي» أيامها الأولى معتقلًا – ثم هاربًا – في سجن وادي النطرون دون تُهم.

وفي خلال أقل من 3 أعوام، انتقلت الجماعة، وذراعها السياسي حزب «الحرية والعدالة» من الحظر إلى الحصول على الأغلبية البرلمانية في أول انتخابات بعد الثورة، وعلانية الأنشطة، والوصول برئيس الحزب «محمد مرسي» إلى منصب رئيس جمهورية مصر العربية في 2012، قبل أن تعود إلى وضع أسوأ من السابق بعد 3 يوليو 2013، وإعلانها «جماعة إرهابية» من قِبل الحكومة المصرية، وملاحقة أعضائها- ومعهم مرشد الجماعة ورئيس الجمهورية السابق – ومصادرة أموالها ومقراتها.

فاتسلاف هافل

رغم أنه كان الرئيس الأخير لجمهورية تشيكوسلوفاكيا، ثم أول رئيس لجمهورية التشيك بعد انفصال الدولتين، ورغم اعتقاله عدة مرات كان أطولها لـ 4 أعوام، يُعرف «هافل» بكونه مفكرًا وكاتبًا أكثر من كونه سياسي أو حاكم.

وارتبط مفهوم التمرد عند «هافل» بإثارة وعي الجماهير ضد النظم الشيوعية التي صاغ لها مصطلح «ما بعد الشمولية» وشارك في عدة أنشطة احتجاجية حتى بلغ نشاطه السياسي قمته عقب غزو قوات حلف وارسو لتشيكوسلوفاكيا، ثم في مشاركته في صياغة الوثيقة التي سميت «ميثاق 77» احتجاجًا على قمع الحريات، وساهم في تأسيس «لجنة الدفاع عن المضطهدين» عام 1979.

كان «هافل» مهندسًا لإسقاط النظام الشيوعي في بلاده، وترجمت كتبه إلى عدة لغات عالمية، وحصل على عدة جوائز منها جائزة غاندي الرفيعة للسلام.

راشد الغنوشي

تجربة أخرى من تجارب «الربيع العربي» وانتقال حركات المعارضة «المحظورة» إلى مقاعد الحكم، هي تجربة حركة النهضة في تونس بعد سقوط «زين العابدين بن علي» في أولى ثورات العالم العربي في عام 2011.

تأسست الحركة، التي كانت تُعرف بـ «حركة الاتجاه الإسلامي» في عام 1972 على يد «راشد الغنوشي» و«عبد الفتاح مورو»، وأعلنت عن نفسها عام 1981، لتضم التيار الإسلامي في تونس تحت حكم «بورقيبة» ثم حكم «بن علي»، ولم تعترف بها السلطات التونسية، واتهمتها بالإرهاب و«النيل من كرامة رئيس الجمهورية»، قبل أن تشهد علاقتها بالحكومة تحسنًا نسبيًا في أول عهد «بن علي»، انقلب بعد ذلك إلى مصادرة واعتقال.

وحوكم الغنوشي 4 مرات نال في 3 منها حكمًا بالسجن مدى الحياة، واتُهم بالتورط في أعمال «إرهابية»، ونُفي من تونس لفترة تجاوزت 20 عامًا قبل أن يعود إليها بعد سقوط «بن علي». ومنذ ذلك الحين، تُشكل حركة النهضة ضلعًا من أضلاع التحالف الحاكم في تونس، الترويكا، الذي يضم معها حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية» و«التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات» بعد انتخابات فازت فيها الحركة بأكثرية أصوات الناخبين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد