كاميرات متطفلة تتبع النجوم في كل مكان، في انتظار لقطة فاضحة، تتحول في الصباح إلى قصة مثيرة تنشرها الصحف الشعبية تباعًا، هكذا عُرف مصطلح «الباباراتزي»، الذي اقترن، في الغالب، بمشاهير «هوليوود» الذين يحاولون الهرب من أعين الصحافيين الفضوليين الذين يقتاتون على فضائح النجوم، لكن ما هو التاريخ المثير وراء هذا المصطلح؟ ومتى بدأ استخدامه بالضبط؟

ستستغرب عندما تأتيك الإجابة: موسوليني، الديكتاتور الإيطالي الفاشي الذي وقع في غرام السينما وسعى لتتبع أخبار النجوم قبل الحرب العالمية الثانية، ومنذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا هناك تاريخ طويل لثقافة السعي وراء الفضيحة لعمل ضجة إعلامية، أو ما نطلق عليه بلغة العصر «الترند»، الذي لم يعد مقصورًا على المشاهير فقط، بل ستجد بعض أبطاله اليوم من الطبقات الشعبية الذين يسعون وراء شهرة مفاجئة وثراء سريع. فما الذي تعرفه عن البداية الحقيقية لعصر الترند؟

«الباباراتزي»: تاريخ مثير بدأ من إيطاليا الفاشية

في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية، بدأ الاهتمام بالسينما وصناعتها؛ حينها أدرك الديكتاتور الإيطالي بينيتو موسوليني أهمية السينما في التأثير في وعي الجماهير؛ وتوجه، مثله مثل الديكتاتور النازي أدولف هتلر، نحو عمل الأفلام الدعائية التي كانت أحد الأسس التي بنيا عليها دعايتهما قبيل الحرب.

ومن أجل ذلك كان على بينيتو موسوليني أن يُنشئ إستوديوهات سينمائية ضخمة لاستخدامها في تصوير تلك الأفلام الدعائية؛ وفي عام 1937 تأسست مجموعة إستديوهات «CINECITTA» أو «شينشيتا» الشهيرة، هي الأكبر في أوروبا، والتي ستحول العاصمة الإيطالية (روما) فيما بعد إلى عاصمة للسينما العالمية، ومقصدًا للنجوم والمشاهير.

(فيلم وثائقي عن بداية الباباراتزي من إيطاليا الفاشية)

وعلى الرغمِ من صعوبة تصور ذلك؛ فإن الديكتاتور الإيطالي موسوليني لم يكن فقط من مهاويس النجوم وتتبع أخبارهم؛ بل كان يلاحق النجمات الشهيرات بالرسائل البريدية؛ حتى إنه تقدم لطلبِ الزواج من النجمة الأمريكية الشهيرة «أنيتا بيج» عشرات المرات؛ وقد وصفت رسائله الرومانسية إليها في صحيفة «الجارديان» البريطانية بـ«اللزجة والمؤثرة»؛ وذلك بعدما صرحت نجمة الأفلام الصامتة للصحيفة وهي في التسعين من عمرها، أن موسوليني كان من معجبيها، وقد تلقت منه عشرات الرسائل التي لم تخل من عروض زواج.

وظلت إستوديوهات «شينشيتا» التي أنشأها موسوليني مركزًا لصناعة الأفلام القومية الدعائية؛ وذلك حتى غارات الحرب العالمية الثانية التي حولت المساحة الشاسعة لتلك الإستديوهات إلى مخابئ للاجئين الهاربين من القصف بين عامي 1943 و1944.

فنون

منذ 4 سنوات
الجمال ليس غبيًّا.. هيدي لامار فاتنة هوليوود التي ساعدت في اختراع الـ«بلوتوث»

وكان هذا قبل أن تتحول مرةً أخرى بعد انتهاء الحرب إلى مركز لصناعة السينما، لكن هذه المرة ستكون الأفلام عن الحياة الحقيقية ومآسي الحرب، لتصبح شاهدة على ميلاد موجة سينمائية جديدة سعى خلالها المخرجون لإظهار حياة ما بعد الحرب العالمية على حقيقتها عرفت باسم «أفلام الواقعية الجديدة».

وازدهرت الواقعية الجديدة بين أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي بعدما تحررت إيطاليا من موسوليني وحكمه الفاشي، وبرز خلالها مجموعة من أشهر المخرجين الإيطاليين، أمثال: لوتشينو فيسكونتي، وروبرتو روسيلليني، وفيتوريو دي سيكا، الذي ربما تعرف فيلمه «سارق الدراجة» الذي يحكي عن رجل فقير يعيش بمدينة روما في رحلة بحث عن دراجته -التي تعد مصدر رزقه الوحيد- بعد أن سُرقت منه، فهو يرغب في استعادتها ليتمكن من مواصلة عمله.

ومن ثمَّ خَدَم ولع موسوليني بالسينما والنجوم وأخبارهم صناعة السينما الإيطالية؛ إذ تحولت إستوديوهات «شينشيتا» إلى مركز لصناعة أفلام الموجة السينمائية الجديدة، وفيها صورت مجموعة من أشهر الأفلام الهوليودية، وأصبحت روما مقصدًا للنجوم حول العالم؛ يتجولون في شوارعها ويسكنون فنادقها، وهي الظروف التي التقطت فيها أول صورة فوتوغرافية تدخل ضمن نطاق صحافة الفضائح أو «باباراتزي» فكيف كان هذا؟

«الباباراتزي».. من شاشة السينما إلى الصحافة الصفراء

منذ عام 1948، ضاعفت إيطاليا دخلها من صادرات الأفلام، وتقدمت على بريطانيا وفرنسا، وإذا كانت روما في ذلك الوقت قد أصبحت عاصمة السينما العالمية ووجهة لسياحة النجوم، فالوجه الآخر للمدينة العريقة الذي لن يظهر في الشاشات وصور الفوتوغرافيا، تمثل في معاناة أهلها مع الظروف الاقتصادية السيئة التي تبعت الحربين العالميتين، والتي أجبرتهم على البحث عن أي عمل يضمن لهم قوت اليوم.

وفي ظل تلك الظروف الطاحنة خرج مجموعة من الشباب على دراجات نارية يحملون كاميراتهم ويسعون لالتقاط صور للسياح، وقد جعلوا من ذلك مصدر رزق لهم، وهو الأمر الذي سيتطور فيما بعد إلى مهنة «الباباراتزي».

في تلك الفترة، أدرك مصورو السياح أن التقاط الصور للنجوم الذين يتجولون في العاصمة الرومانية القديمة، قد يدر عليهم أموالًا أكثر من تصوير السائحين، حينها بدأت ملاحقات المصورين للنجوم أملًا في الحصول على لقطة حية في المطاعم والبارات وشوارع المدينة.

وكان من ضمن هؤلاء المصورين شخص يدعى تاتسيو سكيارولي (Tazio Secchiaroli)، ثعلب منطقة «فيا فينيتو» بروما، التي كانت مقصد النجوم ومكان إقامتهم؛ وقد أدرك سكيارولي أن محرري المجلات الذين ملوا من الصور المسرحية للنجوم، سيدفعون غاليًا مقابل صيده الثمين، وهو «الصور المفاجئة للنجوم»، خاصةً تلك التي تتضمن مواقف محرجة أو مثيرة؛ فكان يلاحق النجوم على متن دراجته النارية محاولًا تصويرهم حين غرة.

كان من ضمن الصور الشهيرة للمصور تاتسيو سكيارولي، صورة للملك فاروق ملك مصر -الذي أطاحه ضباط الجيش عام 1952- جالسًا في مقهى مع امرأتين لم تكن أي منهما زوجته، وحاول الملك السابق حينها تحطيم كاميرته، والتقط مصور آخر اللقطة، هو أومبرتو جويديتي.

أما عن الصورة التي حولت المصور الجوال الشهير إلى «باباراتزي» كانت للممثلة الإيطالية الشهيرة أنيتا إيكبرج، وهي تشرب وترقص حافية الأقدام في حفلة بأحد المطاعم؛ لكن ما لم يكن في الحسبان، هو صعود إحدى المدعوات إلى ساحة الرقص وقد بدأت في خلع ملابسها هي الأخرى.

إذ التقط سكيارولي هذه الصور التي صنعت شهرته، لتصبح في اليوم التالي حديث الصحف الشعبية، وفيما بعد ستقوم أنيتا إيكبرج نفسها بدور البطولة في فيلم المخرج فيديريكو فيلليني «La Dolce Vita» إنتاج عام 1960، والذي يدور حول صحافي فضائح أيضًا يلتقط الصور للنجوم.

Embed from Getty Images

(لقطة تجمع مارتشيلو ماستروياني وأنيتا إيكبرج من تصوير فيلم La Dolce Vita 1960)

وعن «الباباراتزي»، كتبت ناتالي فين بحثًا نُشر في مشروع (IJPC) المهتم بصورة الصحافي في الثقافة العامة، تقول فيه إن الفيلم الإيطالي الشهير (La Dolce Vita) للمخرج الإيطالي فيدريكو فيلليني، قد أطلق العنان لصحافيي الفضائح، بعدما ظهرت شخصية بطل الفيلم الذي قام بدوره النجم مارتشيلو ماستروياني في دور صحافي يتتبع فضائح النجوم في شوارع روما ويأمل في أن يصبح يومًا كاتبًا ذا شأن.

وتشير الباحثة إلى أن كلمة «باباراتزي» التي أطلقت على البطل بالفيلم اسمًا مستعارًا، وخرجت فيما بعد من شاشة السينما إلى الواقع لتصبح لقبًا لكل صحافيي الفضائح؛ هي في الأصل كلمة مشتقة من الأصل الصقلي «باباتاسيو» ويعني البعوض الكبير، وغالبًا ما عرفت الكلمة في الثقافة الإيطالية بمعنى «الحشرات ذات الطنين» وهو الوصف الذي استمر يلاحق صحافيي الفضائح على مدار تاريخهم، نظرًا إلى ما يسببونه من إزعاجٍ للنجوم عن طريق الملاحقة. أما عن شخصية بطل فيلم فيلليني، فقد كانت مستوحاة بالفعل من حياة تاتسيو سكيارولي نفسه، مصور الفضائح الشهير في الخمسينيات من القرن الماضي.

«البحث عن الفضيحة»: ثقافة اللهث وراء الترند

أدرك أغلب محرري المجلات منطق مصور «الباباراتزي» الشهير تاتسيو سكيارولي في قيمة الصورة المفاجئة والصادمة، خاصةً بعدما أحدثت صورته الأولى – التي جاءت بمحض الصدفة- صدى لدى الجمهور ونَهَم لمعرفة المزيد عن أخبار النجوم الخاصة وفضائحهم.

وإذا كانت صورة «الباباراتزي» الأول قد جاءت رد فعل تلقائيًّا لمصور فاجأته لقطة حية صادمة فالتقط كاميرته وصور؛ فإن مصوري النجوم المتجولين سيحذون حذوه في السعي وراء المكسب الرخيص لصورِ الفضائح؛ نظرًا إلى ما تجده من قاعدة جماهيرية كبيرة؛ وإذا لم يجدوا «فضيحة» لتصويرها، يختلقون واحدةً؛ عن طريق استفزاز النجوم لإبداء ردود أفعال عنيفة ومن ثم تصويرها، لتبدأ من هنا رحلتهم في البحث الدائم عن فضيحة لتصدر المشهد.

الأمر الذي سيخرج عن نطاق مصوري الفضائح وصحافة المشاهير التقليدية، ليغزو ثقافة المجتمع ذاتها بعد التقدم التكنولوجي الكبير، الذي مكننا من استخدام تقنيات حديثة للتواصل الاجتماعي، أصبح الجميع معها متفاعلًا أو يبحث عن التفاعل وجذب الانتباه.

وتشير يعض التقارير إلى أن «عصر التواصل الاجتماعي» قد غيَّر قوانين الشهرة عن ذي قبل، حتى عن فترة التسعينيات القريبة، فلم تعد محصورة على نجوم السينما والمجتمع، إذ أصبح بإمكان الأفراد العاديين بالمجتمع أن يحققوا في يومنا شهرةً بين ليلة وضحاها؛ وقد شاهدنا أمثلة على ذلك بكثرة في الفترات الأخيرة، لضربات حظ أشخاص لم نكن سنسمع عنهم عادةً لو لم يكن في أيدينا هاتف ذكي.

وكما تصدر نجوم السينما والتلفزيون العناوين الرئيسية للصحفِ والمجلات سابقًا، أصبحنا نقرأ أخبارًا عن العروس التي أحرجت عريسها خلال عقد قرانهما في مدينة دمنهور بريف مصر، في مقطع فيديو حقق انتشارًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي، واشتهر تحت عناوين ساخرة لمقولات جاءت على لسان العروس، مثل «أمي ثم أمي ثم أمي»، و«أنت أعظم انتصاراتي».

وقد شاهدنا في الأسابيع الفائتة مثالًا آخر على ذلك، في الفيديوهات التي اشتهرت بـ«ترند البطيخة» وحققت نسبة مشاهدات مرتفعة وصلت إلى 7 ملايين مشاهدة، لأشخاص يقطعون البطيخ، ولا شيء غير ذلك.

@shibobmasr مين لسه مش جايب بطيخ 😂😂😂#ترند_البطيخه #fypシ #fyp #شيبوب_مصر ♬ مولد الصفافير (سريع) ريمكس جديد توزيع يوفا – DJ Yofa

(من فيديوهات ترند البطيخة – تيك توك)

اليوم أصبح الجمهور يدرك منطق «الباباراتزي» في القيمة المادية للصورة مثيرة الجدل، فأصبحوا أيضًا يلتقطون صورًا للنجوم بهواتفهم النقالة أينما أتيحت لهم الفرصة، وذلك من أجل بيعها والتربح من ورائها؛ وهو ما أشارت إليه صحيفة «الجارديان» البريطانية في مقالٍ نشرته تحت عنوان «الباباراتزي الجديد»، وناقش مسألة انعدام خصوصية النجوم في ظل وجود الهواتف الذكية؛ بعدما أصبحوا محاصرين بكاميرات الجمهور، الذي تحول في العصر التقني إلى باباراتزي جديد يتصيد الفضائح.

يعي الجمهور اليوم جيدًا كيفية تحقيق الشهرة والثراء السريع بواسطة هاتفه النقال، كما أصبح يدرك – بلغة السوق- قيمة الفضيحة ماديًّا؛ ولهذا ابتكر أساليب جديدة لاحتراف هذه اللعبة، فنجد بعض الراغبين في الشهرة على استعداد للقيام بمخاطراتٍ حياتية، لصنع «ترند» يدوم ليومين أو ثلاث؛ قبل أن يزيحه «ترند» جديد لراغب شهرة جديد. وكما لا ييأس الباباراتزي من ملاحقة النجوم بحثًا عن «صورة اليانصيب» التي ستحقق له الشهرة الواسعة والمقابل المادي المضمون، أصبح الجمهور أيضًا لا ييأس من اللهثِ وراء ترند يدوم.

وقدمت صحيفة «ذا صن» البريطانية تحليلًا لتلك الظاهرة من خلال مفهوم «هوس الشهرة» الذي تؤججه وسائل التواصل الاجتماعي الجديدة، وضحاياه غالبًا ما يكونون من الأجيال الصغيرة والمراهقة؛ وذلك نظرًا إلى تعدد الوسائل المتاحة أمامهم للقيام بذلك.

ووفقًا للتقرير صنعت «السوشيال ميديا» منذ ظهورها جيلًا جديدًا من المشاهير، وأنتجت مجموعة أخرى من الشباب الراغبين في الحصول على القدر نفسه من الشهرة، حتى وإن كان الثمن هو التعرض للفضيحة أو المخاطرة بحياتهم؛ الأمر الذي قد يتسبب في عواقب وخيمة. 

ففي الولايات المتحدة كان هناك حادثة شهيرة لشاب في الـ22 من عمره، دفع صديقته الحميمة لأن تطلق النار عليه أمام الكاميرا من أجل تصدر «الترند»، وانتهى به الحال بالموتِ؛ إذ اعتقدا عن طريق الخطأ أن الكتاب الموسوعي سميك الحجم الذي وضعاه أمام المسدس حائلًا، سيمنع الرصاص من أن يعبر إلى جسد الضحية. 

للأسف لم تكن تلك الحادثة هي الوحيدة من نوعها في الولايات المتحدة؛ وفقًا لـ«ذا صن» البريطانية؛ الأمر الذي جعل الخبراء النفسيين يحذرون الآباء، وفقًا للصحيفة، من توق أطفالهم إلى النجومية والشهرة؛ خاصةً بعدما أصبحوا قادرين على تحقيق ذلك دون مغادرة غرف نومهم. وفي ظل عدم وجود موهبة أو محتوى هادف يمكن للأطفال والمراهقين تقديمه، تبقى الرغبة في الشهرة لأجل الشهرة وفقط، أمرًا يجب على الآباء الحذر منه.

منوعات

منذ 3 سنوات
مترجم: بعد أن اجتاح العالم.. هل تحدي العشر سنين مجرد حملة بريئة؟

المصادر

تحميل المزيد