هل من الممكن أن تقوم الثورة من حولك وأنت لا تشعر؟ كان هذا حال شاه إيران الأخير، محمد رضا بهلوي؛ الذي اشتعلت بلاده ضده قبل أن يُدرك ذلك، وعندما بدأ الناس يُنادون في الشوارع بـ«الموت للشاه!» شعر مُتأخرًا بحاجةٍ ماسَّةٍ لاستشارة بعض المثقفين في إيران؛ حتى يفهم ما يجري جيدًا. من هنا، نستعرض الثورة الإسلامية في إيران في ضوء كتاب «من بلاط الشاه إلى سجون الثورة»، لكاتبه المثقف الإيراني «إحسان نراغي»، الرجل الذي فُتح له صدر الشاه قبل قصره؛ ليشرح ظروف الوضع الإيراني الثوريّة، والدروس التي قد تفيد كل الثوار  في العالم، وربما كلَّ ديكتاتور أيضًا.

مَن مؤلف الكتاب؟ إحسان نراغي هو مثقف إيراني، يصنّف نفسه خارج نطاق اليمين واليسار، وهو عالم اجتماع أسّس معهد الأبحاث الاجتماعية في طهران، وكان له نشاط ثقافي له أثره في إيران قبل الثورة.

ألوف من الثوار في انتظار الخميني في ميدان الحريّة في طهران، بعد سقوط الشاه وقدوم الخميني في 1 فبراير 1979.

 من أين يأتي العصيان؟ منكَ يا جلالة الملك!

في قصرٍ مُطلٍّ على طهران، دخل نراغي على الشاه لأول مرّة في 23 سبتمبر (أيلول) 1978، وعندما سأله الشاه «من أين يأتي العصيان؟ … من المحرّض عليه؟ من يدير هذه المعارضة؟» كان جواب نراغي صادمًا وواضحًا: «أنت نفسك يا جلالة الملك».

ليس الشاه بطل الكتاب والمشهد، وإنما الثورة. ستشعر قبل كل شيء بأنّ الشاه يتصرّف كالأطفال، تأخر جدًا حتى بدأ يتعامل بحزمٍ وجديَّةٍ مع الأمور، إنها ثورة قد تنتهي بقطع رأسه أو نفيه أو إنهاء حكمه على أقل تقدير، ولكنَّ الشاه يبدو وكأنه لا يدرك خطورة أيٍّ من هذه الأمور.
لماذا كانت رؤية الشاه مشوَّشة بدرجةٍ لم تسمح له أن يرى غليان الثورة؟ لأسباب عديدة، يظهر في الكتاب أنّ من أهمها أمرين:

1- يسخرُ الناس عادة من عبارة «الحاشية فاسدة»، وهي في هذه الحالة فاسدة فعلًا، إلا أنَّ سبب فسادها كان الشاه؛ فقد كان ينزعج من أيَّ تقريرٍ يحملُ أخبارًا غير سارة، وبسبب ذلك، يقول أعضاء من السافاك – جهاز المخابرات في عصر الشاه – إنَّ التقارير الجيدة وحدها هي التي باتت تُرفع إلى مكتب الشاه، وتُبعد التقارير التي قد تُغضبه أو تزعجه.

2- انفصال الشاه نفسه عن الشعب. لم يفكّر الشاه في التجوّل بالشوارع؛ ليرى الناس ويتحدَّث إليهم بشكلٍ مباشر، ولم يكن على علمٍ بما يمسُّ حياتهم بشكلٍ مباشر كسُبل العيش والصعوبات الاقتصادية التي قد يواجهها إنسانٌ عاديٌّ في طهران، وزاد من انفصاله عن الشارع أنه لم يملك من قبل مستشارين إيرانيين! ولم يعيّن مستشارين، إلا بعد وقوع الأزمة.

الفهم أولًا وقبل كل شيء في السياسة، يُخبرنا علم الإنثروبولوجيا السياسية أنّ من أهم أدوات الدولة أداة الفهم والقدرة على قراءة الناس، كلَّما استطاعت الدولة أن تفهم الناس وتعرف طريقة تفكيرهم وأولوياتهم وأدواتهم، كلما كانت قدرتها على الهيمنة والسيطرة عليهم بشكلٍ أكبر. إنَّها قاعدةٌ بسيطة: افهم جيدًا تحكم جيدًا.

نراغي عالم اجتماع ويُدرك هذه الحقيقة جيدًا، ولذا عبّر عن شعورِهِ بالشفقة تجاه الشاه، الذي بدلًا عن أن يحاول فهم ما يحدث، كان يعبّر عمَّا يشبه الحزن وخيبة الأمل، يا له من شعبٍ لا يُقدّر إنجازاتي وأعمالي! ظلّ الشاه يتساءل عن الترابط العجيب بين الدين وشعاراته وأفكاره وبين الثورة، كيف استطاع الشيوخ «التقليديًّون» في نظره أن يملكوا قلوب الناس ويوجهوهم نحو الثورة؟ إن هذا التساؤل يظهر ذلك الانقطاع العميق بين الشاه وشعبه؛ إذ وفقًا لنراغي، يبدو أن الشاه لا يعلم أن المذهب الشيعي مذهبٌ «ثوريّ»، رموزه الكبرى كانت ثورية، كالحسن والحسين، وشعائره شعائر غضب وحزنٍ وبكاء. لم يكن الشاه الذي قضى حياته المدرسية في مدرسة سويسرية ليعرف هذه الأمور عن ذلك الشعب «المتخلّف» في الشرق، في إيران.

فنّ السقوط السريع

الشاه رجلٌ مناسب لتعلُّم فنّ أن تسقط سريعًا في الأزمات، فهو يمتلكُ قدرةً فائقةً على فعلِ ما لا يُعجب شعبه، أو هكذا يصوّر نراغي الأمر، وقد يُؤخذ على الكتاب أنه فصّل جيدًا في أخطاء الشاه ولم يفعل عن أخطاء الثورة ورجالها.

لقد مهّد الشاه للثورة تمهيدًا جيدًا، فقد كانت علاقته مع أمريكا علاقة متينة، يصفها نراغي بأنها علاقة «عضوية»، أمريكا الأم والشاه هو «الطفل». ويظهر بوضوحٍ تامّ أنّه كان يُؤمّل عليها في كلِّ شيء، وأمله الواهم لم ينقطع حتى في أيام الثورة؛ لقد فكّر في أمريكا خيارًا ليهرب إليها بعد اشتعال الأمور، بالرغم من أنها كانت تخذله في حينها! لقد كانت أمريكا مع بريطانيا رمزان للغربِ الاستعماريّ وأطماعه التوسعية الاستغلالية في تصوّر الشعب الإيراني، وكل من قاتل ضد بريطانيا فهو بطلُ الشعب الإيراني، وسبب ذلك أن بريطانيا كانت تُسيطر على النفط الإيراني وتملك رجالًا كبارًا داخل الجيش الإيراني، يعملون تقنيين يُشرفون على آليات حديثة لم يعرفها الإيرانيون من قبل.

لنقصٍ في فهم الشاه لشعبه، أقصى رئيس الوزراء محمد مصدق، رئيس الوزراء الذي أمّم النفط الإيراني ليرفع عنه اليد البريطانية؛ مما أدى للانقلاب عليه بتعاون مع المخابرات الأمريكية والبريطانية عام 1953، كان تأميمه للنفط الإيراني سببًا لجعله بطلًا شعبيًا، ولم يقم الشاه لاحقًا بأي ردّ اعتبار لمصدق الذي ظلَّ تحت الإقامة الجبرية لفترةٍ طويلة.

لم يكن تعاون الشاه محصورًا على قوى غربية كبريطانيا وأمريكا فقط، ولكن الذي زاد سوداوية الصورة أن الشاه زاد عليهما إسرائيل بتعاون ثلاثي مُعلن وفاضح مع هذه الدول، وتحديدًا في شؤون الجيش.

 الشاه مع الرئيس الأمريكي السابق هاري ترومان، في واشنطن عام 1949.

 

ذكرنا سابقًا أن الشاه لم يحافظ على اتصالٍ كافٍ بشعبه، وهذا كان سببًا في فشل معظم برامجه «التحديثية» حسب وصفه، فالذين وضعوا خطط الدولة وبرامجها معه هم من خارج الثقافة الإيرانيّة تمامًا، وإذا كانوا يعرفون الأرض فإنهم لا يعرفون مَن عليها، للأسف، أو لحسن حظ الثوار. للشاه قرارات عشوائية يُصدرها هو ودائرة صغيرة من حوله دون تفكير بالسياق الراهن، فمثلًا، قرر الشاه أن يُقيم مهرجاناتٍ واحتفالاتٍ تملأ الدنيا بمناسبة مرور 2500 عام على تأسيس الإمبراطورية الفارسية الأولى على يد «كورش»، وبالفعل، تمّت الاحتفالات بتكلفة ضخمة جدًا في الوقت الذي كان الشعب الإيراني يمرُّ فيه بأزمة اقتصادية قاسية، كان يمكن لهذه التكاليف أن تحل جزءًا من هذه الأزمة، ولكن ككثير من الأحيان، لم يتخذ الشاه القرار الصحيح.

 صورة للشاه في احتفال أقامه لتتويج زوجته الثالثة، فرح ديبا، بلقب «الشاهبانو»، عام 1967، عن يمين الصورة ولي العهد رضا بهلوي، وفي منتصفها الشاه وعن يساره زوجته فرح.

دروس الخميني: أن تكون ثائرًا

كانت القيادة الثورية قادرةً على مُفاجأة نظام الشاه بشكلٍ متكرر؛ عندما ازداد تعقيد الأمور قام النظام بفرض حظر التجوال في طهران، ولكن انتشرت دعوة إلى الصعود على أسطح المنازل بعد صلاة العشاء من أجل التكبير، «الله أكبر» جماعية أنشدها أهل طهران ليلًا، بالرغم من وجود الحظر، أما نراغي فلم يستطع أن يقاوم جمال هذا المشهد.

استطاع الخميني أن يقلب مصالح اللعبة ضد الشاه، وجعل نفسه في قلب الثورة ورمزًا لها، لم يكن الأمرُ سهلًا بالطبع ولكن الخميني (والقيادة الدينية للثورة) استعملوا أدوات وأفكار فاعلة.

الشاه Vs الخميني

صنع الخميني لنفسه رمزية تقابل رمزية الشاه وسلطته، فالشاه في إيران والخميني في خارجها، وكلاهما كانا رأسين مُتعارضين مُتقابلين، وبذلك رفع الخميني من مكانته ليصير ندًّا أو مُنافسًا لرتبة الشاه الذي ترددت الإشاعات عن ضغطه على حكومات البلدان التي كان يحلُّ فيها الخميني لطرده، إنه يزعجه! وهذا ما جعله بطلًا في عيون كثير من الناس.

مُعارضة داخلية تسندها أخرى خارجية

بالطبع كانت المعارضة الداخلية هي الأكثف والأهم، ولكن المعارضة الخارجية، متمثلةً حينها برمزها الكبير الخميني، قادرة على توجيه الداخل وتهييجه بشكل كبير. كان الخميني في كثير من المُناسبات يذكر فلسطين ويُشير إلى حالتها كسبب أنتجته أمريكا وقوى الاستعمار، حليف الشاه الأهم والأساسي، وكيف فعلت أمريكا ذلك؟ «أمريكا هي التي تدعم إسرائيل وأنصار إسرائيل. أمريكا هي التي تقوّي إسرائيل كي تشرِّد العرب المسلمين».

من المُثير أن الخميني في بعض خطاباته كان يعدُّ النظام مُنتهيًا، ويُسميه بـ«النظام البائد».

نُفي الخميني من إيران إلى العاصمة التركية أنقرة، وقضى فيها 11 شهرًا ألّف فيها كتابه «تحرير الوسيلة»، ثم خرج بعدها إلى منفاه الطويل في العراق، وعلى الرغم من بعض الصعوبات التي واجهها من بعض علماء الشيعة هناك، إلا أنه استغلّ الأبواب التي فُتحت له في العراق لانتفاع النظام العراقي منه في مُعاداته لنظام الشاه، الذي كان على خلافٍ مع النظام العراقي البعثي. بعد 13 عامًا في العراق توسّعت فيها علاقات الخميني كثيرًا واستطاع فيها التواصل مع الناس والمتسائلين والأتباع حول العالم، نُفي الخميني مُجددًا إلى فرنسا.

كان الخميني في أفعاله مُناكفًا تمامًا لنظام الشاه، ويُصدر فتاواه في عكس ما يُعلن عنه الشاه. قرّر الشاه في احتفالات 2500 عام على قيام الإمبراطورية الفارسية أن يُغيّر تاريخ الدولة من تاريخ الهجرة النبوية إلى تاريخ قيام الدولة الأخمينية، بادر حينها الخميني مُصدرًا فتوى شدّد فيها على تحريم استعمال هذا التاريخ «الشاهنشاهي»؛ مما دفع بالكثير من الإيرانيين إلى مقاطعته، وقد أسقط الشاه هذا القرار بعد عامين من إصداره!

 صورٌ للخميني مع أتباعه في فرنسا

 

أسباب الهلاك والبقاء

المنتفعون: أداةٌ لقتل الدولة

هناك 3 فئات من الناس كانت منتفعة من الدولة ومن الشعب ومن أي شيء يمكن الانتفاع به واستغلاله، هذه الفئات الثلاث لم تكترث بمصير النظام أو الشاه، فئات أنانية جدًا كان يتوقع الشاه منها أن تسنده، ولكنها هربت بكل ثرواتها وأفرادها عند اشتعال الأزمة:

1- كبار الضباط والعساكر: يُشرفون على صفقات عسكرية ضخمة مع إسرائيل وبريطانيا وأمريكا، ولهم منفعة فيها، وهم الأكثر كفاءة في نقل صورة مشوّهة للواقع.

2- فاحشو الثراء من كبار رجال الدولة والتجار: يُنهكون الشعب باحتكارهم واستغلالهم له وانتفاعهم من أية صفقات ممكنة.

3- أفراد الأسرة المالكة: هم الأسوأ، وتحديدًا أخت الشاه «أشرف بهلوي» التي كانت تعمل كمستعمرة اقتصادية ضخمة داخل إيران وخارجها، على حساب الدولة.

الإعدامات: ضمانٌ للبقاء

تحوّلت الخلايا الثورية حول إيران إلى لجان محلية، تتبع لأوامر المجلس الثوري الذي يرأسه الخميني وأتباعه من رجال الدين، وأقيمت «محاكم ثورية» لمحاكمة رموز ورجال النظام السابق ممن تم إلقاء القبض عليهم.

يذكر نراغي أنه تمّ إعدام جنرالات الجيش الكبار ورموز النظام السابق من المدنيين والسياسيين، وتجاوز عدد الذين تم إعدامهم أكثر من 600 فرد، كثيرٌ منهم لم ينالوا محاكماتٍ عادلة وأعدموا؛ لأنهم محسوبون على النظام السابق. كانت هذه الإعدامات سلاحًا حادًا استطاع الخميني من خلاله تبديد أية محاولة انقلاب من الشاه قد تطيح به، وإلى جوار هذه الإعدامات بدأت حملات جرد ثروات العائلة المالكة وأغنياء النظام السابق ممن استطاع الثوار أن يُسيطروا على أموالهم، وأما الأثرياء الذين خبأوا أرصدتهم في الخارج هربوا إليها.

تعلّم نراغي الكثير في السجن، وكُشفت له معلومات كان يجهلها، ولعلّ الشاه كان يجهلها كذلك! فقد كان السجن مليئًا بثوريين إسلاميين يساريين من الشباب المُتحمسين، ومليئًا أيضًا بكثيرٍ من العساكر الذين كان لهم ارتباطٌ مُباشر بنظام الشاه. كانت سجون إيران تعجُّ بالعشرات من طياري الجو الإيرانيين المُدربين على أعلى المستويات – أمريكيًا – ويرى نراغي أن الأعداد الكبيرة للعساكر المعتقلين حفّزت وأغرت صدام حسين بالدخول في الحرب مع إيران، لظنّه أن الجيش الإيراني مُتهاوِ الأركان بعد الثورة، ولكن كانت هذه فرصة لتُفتح مساحة جديدة بين الثورة وعساكر الجيش النظامي المخلوع، فأصدر الخميني عفوًا عن الطيارين ليقوموا بمهامهم العسكريّة في وجه الجيش العراقي عام 1980.

ثُوار الربيع العربي..

ما الذي كان ينقص الثورات العربية لكي تتمكن من إنهاء وجود «الدولة العميقة» كما في الحالة الإيرانية؟ وما الذي افتقده الحراك السياسية الثوري العربي من مقوّمات واستراتيجيات أدّى غيابها لكسر أية معارضة حقيقية للأنظمة العربية؟

تساءل المفكر المصري جلال أمين ذاتَ يوم: «هل هناك أي أمل حقيقي في أن ينقل أي جيل تجربته للجيل الذي يليه؟ أم أن من المحتّم على كل جيل أن يمرّ بالتجربة بنفسه، وأن يستخلص كل جيل بنفسه ما يستطيع استخلاصه من تجربته هو، دون أي أمل في أن يحصل على أي مساعدة من الأجيال السابقة؟»، فهل يستفيد ثوار العالم من تجارب بعضهم البعض؟

 

صفحة الكتاب في «Goodreads»: من بلاط الشاه إلى سجون الثورة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد