بين الفينة والأخرى يفاجأ السوريون بخروج قادة الفيلق الخامس إما بإعلان تشكيل جيش موحد كما في محافظة درعا، أو من خلال التحضير وتنفيذ العمليات الخيرية مثل ظهور قائد الفيلق الخامس في وسط سوريا، وهم ذاتهم الذين كانوا ضمن صفوف الجيش السوري الحر الذي أسس عام 2011 تحت قيادة العقيد رياض الأسعد في أعقاب انطلاق الثورة السورية، وأقسموا فيه على إسقاط النظام السوري.

في محافظة درعا، يعتبر «اللواء 88» التابع للجيش السوري النظامي بالقرب من بلدة غباغب شمالي المحافظة، من أكبر معسكرات الفيلق الخامس في سوريا، وتتم فيه تدريبات لأفراد وضباط الفيلق على الرمي بالدبابات والرشاشات الخفيفة والمتوسطة وصواريخ «كورنيت» والراجمات، وبات جليًا لأبناء البلد أن الانخراط في هذا التشكيل ليس إلا خدمة تقدم للنظام وروسيا من قبل، فكيف حدث هذا التحول؟

التحول من الإمارة إلى غرفة عمليات دولية

ببدلة عسكرية ذات لون خافت يقف القائد الذي تصدر اسمه ملفات جنوب سوريا، وتلونت عناوين الصحف والمواقع الإخبارية بخبر تشكيله لفصيل عسكري ضمن أراض الدولة التي انتزعت منه مناطق سيطرته في أغسطس (آب) 2018، ليعود مجددًا إلى الواجهة العسكرية ولكن بشكل غير مفسر.

بينما كانت تدق الفوضى السياسية والاقتصادية كافة المناطق جنوبًا، تبدو مدينة درعا وكأنها ستعيش في إقليم مستقل خارج عن حكم نظام الأسد، وهي التي تعتبر البوابة الجنوبية للدولة على دولة الأردن والخليج العربية، ومعقل التجارة الأهم للنقل البري، فضلًا عن أنها بوابة للتجارة التركية واللبنانية إلى شبة الجزيرة العربية.

ولد «أحمد العودة» في مدينة بصرى الشام، من عائلة مؤلفة من خمسة ذكور (أيمن، حمزة، أحمد، مصطفى، حامد) وفتاتين، وكان والده هيثم خريج معهد الرياضة يعمل في دولة الإمارات، بالإضافة لأخيه الأكبر أيمن واثنتين من أخواته، وتخرج «العودة» من كلية الآداب قسم الأدب الانكليزي، وأنهى خدمته الإلزامية بجيش النظام بعد انطلاق الثورة في درعا، إذ كان يخدم في أكاديمية الشرطة أو ما يعرف بمدرسة الشرطة في حي القابون في العاصمة دمشق.

اشتهر بتقلباته الفكرية والعسكرية خلال المراحل التي مر بها في الثورة، فمع انطلاق الثورة بدأ حمزة الشقيق الأكبر لـ«أحمد العودة» موجة التسلح بدرعا، وتبعه بقية أخوته لتشكيل كتيبة صغيرة تحت اسم «شباب السنة»، ولكن قتل أخوه الصغير حول الدفة الفكرية لديه، فتوجه إلى فصيل «جبهة النصرة»، وعمل أميرًا على مدينة بصرى الشام.

كرست تقلبات «العودة» وجود رغبة جامحة عنده في بقائه تحت الأضواء عبر امتلاكه نفوذًا وقيادة، واقد انقلب على «جبهة النصرة» وحركة «المثنى الإسلامية» بعد مشاركتهم في إخراج قوات النظام من مسقط رأسه مدينة بصرى الشام، في مارس (أذار) 2015 لينفرد في حكم شرقي درعا دون غيره، وبعد إنشاء غرفة العمليات المشتركة أو ما يسمى «الموك» في الأردن ببداية العام 2014، تم تقسيم الجنوب السوري إلى أربعة قطاعات رئيسة (قطاع شمالي وقطاع المدينة والقطاع الشرقي والقطاع الغربي)، وبدأت الغرفة باستقطاب قادة من كتائب ومجموعات الثوار ممثلين عن تلك القطاعات ليكون هو الأبرز بينهم.

تدبير اتفاق درعا سرًا

استطاع العودة عقب انفراده في حكم المنطقة الشرقية لمحافظة درعا وتلقي الدعم العسكري واللوجستي من غرفة «الموك»، من تنظيم المرافق العامة والخدمات في المدينة، وأسس جهاز شرطة مدنية ومرورية، وحول اسم كتيبته إلى «فرقة شباب السنة»، حيث استقطب العديد من الشباب العاطل عن العمل وارفدهم برواتب وسلاح، فضلًا عن تكريسهم لخدمة العدالة الثورية تحت مظلة «دار العدل في حوران».

صعود العودة لاختياره ممثلًا عن الجنوب السوري في المؤتمرات الدولية ولقاءه شخصيات رسمية دولية كوزير الخارجية السعودي عادل الجبير، جاء عبر خالد المحاميد، نائب رئيس «هيئة التفاوض السورية» السابق المقيم في الإمارات والذي تجمعهما صلة المصاهرة، كما كان له الفضل في نجاته في عام 2016، من انقلاب داخل فصيله وتمت السيطرة حينها على مستودعات الذخيرة والسلاح الثقيل، وهرب العودة إلى خارج بصرى، ولكن بدعم من فصائل «الجبهة الجنوبية» المدعومة من غرفة «الموك» استطاع اقتحام المدينة مجددًا وإعادة السيطرة عليها، حسب ما أفاد المحامي علي الصلخدي «المحافظ السابق لدرعا في الحكومة المؤقتة» في حديثه لـ«ساسة بوست».

وأشار الصلخدي «أن رعاية العودة لاتفاق المصالحة بين قوات النظام وفصائل المعارضة والتي أشرفت عليها القوات الروسية، كان ضربة للجنوب الذي يمتلك قوة بشرية وعسكرية قادرة على الصمود لأشهر آن ذاك، فالأنباء التي تناقلها الناشطون عن رحلة العودة برفقة المحاميد إلى موسكو وحضور عدة اجتماعات في القاعدة الروسية «حميميم»، باتت محط تأكيد حين أعلن العودة عن قبوله توقيع اتفاق المصالحة وانخراطه ضمن صفوف الفيلق الخامس بحجة تحييد المنطقة من الدمار».

مكافأة القوات الروسية للعودة بتسليمه قيادة الفيلق الخامس في المنطقة الجنوبية للبلاد، جرى عبر ترشيحات من قبل القوات الأمريكية التي كانت تعد «الطبخة» التي لم تتضح تفاصيلها إلى الآن، للجلم الميليشيات الإيرانية وإبعادها عن الحدود الأردنية والإسرائيلية، وامتنانًا لذلك أرسل العودة مقاتلين إلى الشمال السوري، لمساندة النظام في حملته ضد فصائل المعارضة السورية، الأمر الذي أسعد الروس، وجعلهم يمنحونه ثقة زائدة، وهو الرأي الذي اتفق فيه الصلخدي وعصمت العبسي رئيس «دار العدل في حوران» سابقًا خلال حديثهما لـ«ساسة بوست».

«الضحيك».. نسخة العودة في وسط سوريا

لم يختلف مسار اتفاق درعا عن الاتفاق الذي جرى في ريف حمص وسط سوريا، فارتبط صعود «منهل الضحيك» قائد لواء التوحيد الذي كان مقره مدينة تلبيسة بمحافظة حمص بتنحيه جميع الفصائل عن طريقه، خاصه بعد مقتل قريبه قائد السابق للواء «أبو حاتم الضحيك» مع شقيقه وخمسة من قادة المجموعات سبتمبر (أيلول) 2014 بغارة جوِّية لطائرات النظام أثناء اجتماعهم في أحد مقرات اللواء بالمدينة.

Embed from Getty Images

ينتمي منهل مواليد 1981 أب لثلاثة أطفال إلى إحدى أكبر عائلات مدينة تلبيسة شمالي حمص، وبدأ المشاركة في الثورة بعد اقتحام قوات النظام الثاني لمدينة تلبيسة خريف عام 2011، من بوابة العمل مع المجموعات الصغيرة التي حملت على عاتقها حماية المظاهرات، وضرب حواجز النظام المنتشرة في تلبيسة، ثم انتسب لمجموعة أبي حاتم الضحيك، وكان بمثابة لوجستي ينقل الذخيرة والطعام والشراب، وظل مرافقًا له حتى تولى منصبه في القيادة.

عربي

منذ 8 شهور
بعد سقوط ثاني أكبر مدن المعارضة.. هذه خريطة سوريا الأخيرة التي ترسمها روسيا الآن

ويبدو أن مسيرة اللقاءات السرية مع القوات الروسية لازمت «الضحيك» كما العودة، يقول الإعلامي المستقل ميسرة المصري «أن العديد من الأهالي تناقلوا أنباء مفادها لقاء الضحيك مع الروس خلال الثلاث سنوات التي سبقت سيطرة النظام على ريف حمص، وعقدت اللقاءات في فندق «السفير» بمدينة حمص، جرى فيها التوقيع لتسليم المنطقة مطلع أغسطس 2017، ولذلك انتشر في منطقته لقبه عرّاب المصالحات، خاصة بعد ظهوره في مقطع مصور يحض الناس فيه على عدم الهجرة، لتوكل إليه مهمة قيادة الفيلق الخامس في المنطقة عقب اتفاق المصالحة في مايو (أيار) 2018».

مجموعات مبعثرة في ريف دمشق

إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يوليو (تموز) 2017، عن إيقاف برنامج تسليح المعارضة السورية المقدم من وكالة الاستخبارات الأمريكية «C.I.A» باعتباره ضخمًا وخطيرًا وغير فعال، أعطى لقوات النظام ضوءًا أخضر في زيادة العنف ليقلب الموازين بخسارة المعارضة لمساحات واسعة في مناطق سيطرتها، فكانت البداية بريف حمص، ثم انتقل إلى ريف دمشق، حيث كانت الفصائل العسكرية تحاصر العاصمة من جميع الجهات، ومهد لمركز المصالحة الروسي بتشريع الاتفاقات وتأسيس الفيلق الخامس وتهجير المقاتلين الرافضين لاتفاقيات التسوية.

كانت الفصائل العسكرية تعتمد اعتمادًا كليًا على برنامج التسليح الدولي في غرفتي «Military Operations Command» المعروفة اختصارًا بـ«MOC» في الأردن، و«Müşterek Operasyon Merkezi» المعروفة بـ«MOM» في تركيا، أواسط عام 2012، بشكل أولي، إلى أن بدأت العمل بشكل رسمي في عام 2013، وضمت الغرفتين مع بداية تشكيلهما في العام 2012 المجالس العسكرية للجيش الحر، وسط دعم محدود، قبل أن يتوسع عملهما منذ عام 2013، بعد ضم نحو 100 فصيل عسكري في الجبهتين الجنوبية والشمالية بتعداد يقارب 60 ألف مقاتل. وتوسع الدعم الخجول تدريجيًا عبر تسليح الفصائل بمضاد المدرعات الأمريكي «التاو»، ومن ثم بالراجمات البعيدة «B21».

وفي الغوطة الشرقية لعب الروس، حسب موقع «الجزيرة»، دورًا بارزًا في تحقيق الاتفاق بين النظام السوري وفصائل «أحرار الشام» و«فيلق الرحمن» و«جيش الإسلام»، وهو الاتفاق الذي جاء بعد حملة عسكرية قتل فيها نحو 1600 شخص في أقل من ستة أسابيع، وأفضى إلى إخراج مقاتلي المعارضة وعائلاتهم والمدنيين من مدن الغوطة وبلداتها إلى مناطق المعارضة في محافظة إدلب، وبقاء مجموعات قليلة لا يذكر عددها تحت مسمى الفيلق الخامس في مناطق متفرقة في مدن ريف دمشق.

رحلة الروس والمصالحات في سوريا

بدأ الحديث منذ أواخر عام 2016 في سوريا، عن «الفيلق الخامس» الذي يقوده حاليا اللواء ميلاد جديد المعين في يوليو 2020 من قبل روسيا، بعد عام واحد من بدأ تدخل القوات الروسية عسكريًا أبان طلب رئيس النظام السوري بشار الأسد دعمًا عسكريًا من موسكو لمكافحة ما أسماه بـ«الإرهاب»، ليمنح مجلس الاتحاد الروسي الرئيس فلاديمير بوتين التفويض باستخدام القوات المسلحة في الخارج وبدعم من الكنيسة الروسية الأرثوذكسية التي وصفت التدخل بالمعركة المقدسة ضد الإرهاب، وكانت أولى الضربات الروسية في 30 سبتمبر 2015 على مواقع تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية وفقًا لوزارة الدفاع الروسية؛ إلا أن رئيس «الائتلاف الوطني السوري» السابق خالد خوجة صرح بأن الغارات قتلت مدنيين في مناطق ليست تابعة للتنظيم.

وفي فبراير (شباط) 2016 أعلنت روسيا فتح «المركز الروسي للمصالحة في سوريا» في قاعدة «حميميم» الجوية بمحافظة اللاذقية السورية، بموجب اتفاق روسي أمريكي على وقف إطلاق النار في سوريا، وصرح الناطق باسم وزارة الدفاع الروسية اللواء إيغور كوناشينكوف بأن المركز يعمل للتنسيق والمصالحة بين الأطراف المتنازعة على الأراضي السورية، لافتًا أنه سيسهم في التفاوض بشأن التصالح بين السلطات السورية وفصائل المعارضة، باستثناء تنظيمي «جبهة النصرة» و«الدولة الإسلامية» الإرهابيين، على حد وصفه.

وأشرف المركز الروسي على محادثات عبر الفيديو بين النظام السوري والمعارضة في مناطق خفض التصعيد في 26 أغسطس 2017، وشارك فيها مسؤولون من جانب النظام يمثلون محافظتي درعا والسويداء، وعن المعارضة مسؤولون من مناطق خفض التصعيد جنوب غربي سوريا، كان أبرزهم أحمد العودة، فالمركز يتبنى مفهوم المصالحة حسب قياساته، فالمناطق التي شملتها التسويات تعرضت جميعها لعمل عسكري ثم حصار وتهجير.

ومع اتساع رقعة المناطق التي خضعت للمصالحة بدأت سوريا بالترويج لعقد المصالحات للانضمام للفيلق الخامس، الذي أصبح حسب «مركز جسور للدراسات» منذ تأسيسه الذراع الروسية العسكرية على الأرض، حيث ارتبط مباشرة بقاعدة حميميم، وبات يتحرك بموجب القرار الروسي، وبشكل منفصل عن وزارة الدفاع التابعة للنظام السوري، وإعادة بناء مؤسسة الجيش عبر الفيلق الخامس؛ ليكون ولاؤه روسيًا خالصًا، ويصبح ضمانة لمصالحها المستقبلية في سورية، على غرار استثمار الولايات المتحدة في جيوش دول أخرى.

عربي

منذ شهر
الفيلق الخامس.. هل تخلق روسيا حاكمًا جديدًا في سوريا بجوار الأسد؟

ويرى المركز أن الفيلق سيستمر في مهامه الميدانية، بالرغم من أدائه المتواضع، لتوفير مظلة سياسية خلال مرحلة الحل السياسي في مهمة تحتاجها روسيا أمام الأطراف الإقليمية والدولية لتأكيد سيطرتها على الأرض، ومع الوصول إلى مرحلة الحل السياسي، سيتم إدماج الفيلق في مؤسسة الجيش الرسمية، على غرار نموذج الحشد الشعبي في العراق، وستسعى روسيا في هذه الفترة إلى الاستفادة من الفيلق بأقصى طاقة يمكن أن يقدمها، كما ستعمل على اختيار العناصر الذين يمكن الاستثمار فيهم مستقبلًا في مؤسسة الجيش. ويلاحظ أن الضباط الروس يُشرفون على العمل اليومي للفيلق، ويتم إيفاد عناصر منتقاة منهم في بعثات تدريبية إلى روسيا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد