تجاوبًا مع دعوات العصيان المدني.. كيف حوّل السودانيون شوارعهم إلى «مدن أشباح»؟

في الساعة الثامنة صباحًا، وقبل نحو أربع ساعاتٍ كاملة من دخول العصيان المدني الشامل الذي دعت إليه المعارضة حيز التنفيذ، بدت شوراع الخرطوم بمدنها الكبريات الثلاث (الخرطوم، والخرطوم بحري، وأم درمان) خاوية من الجيش والشرطة والمواطنين، عدا قوات «الدعم السريع» و«كتائب الظل» التابعة للنظام القديم، في مشهدٍ أعاد للأذهان أحداث عام 2014 بتفاصيلها، حين استدعى البشير 3 آلاف من تلك العناصر المثيرة للذعر داخل العاصمة، بعد موجةٍ من التظاهرات انتهت بمقتل نحو 200 معارض.

وبينما سُمع دوي إطلاق رصاصٍ في مدينة الخرطوم بحري، كانت سيارة الشاب الثلاثيني عمر الصوفي تجتاز شارع أفريقيا -في قلب مدينة الخرطوم- والمؤدي إلى ساحة القيادة العامة للجيش، وبصعوبة بالغة اجتاز عناصر قوات «الدعم السريع» المدججة بالسلاح، واتجه صوب السوق الشعبية الكبيرة التي بدت لأول مرةٍ مدينة أشباحٍ، وفي الوقت نفسه كان أخوه المقيم في السعودية يصوّر السفارة السودانية الخاوية على غير العادة، في لحظة انتصار نادرة عقب هزيمة فض الاعتصام الدموي.

وسط قطع المجلس العسكري الإنترنت في السودان، يحاول «ساسة بوست» رسم صورة شاملة عن الإضراب الذي تنفذه المعارضة لفقد الجيش سيطرته الفعلية على البلاد من أجل تسليم السُّلطة.

ماذا حدث في الشوارع التي تلطخت بالدماء؟

تزامنًا مع إعلان بدء العصيان المدني الشامل في الساعة الثانية عشر ظهرًا، كانت المتاريس منتشرة في الطرق الرئيسية والكباري، وحتى داخل الأحياء الجانبية في ولايات الخرطوم التي أقامها المحتجون بهدف منع قوات الدعم السريع من الوصول إلى الشوارع الجانبية، وعلى جانبٍ آخر شوهدت تلك القوات تشيّد عددًا من الحوائط الصخرية بهدف إحكام حصار العاصمة.

وعلى بُعد عشرات الأمتار من قلب العاصمة، بدأ الإضراب في الشوارع الرئيسية القريبة من جامعة الخرطوم، ومقر قيادة الجيش والمطار، التي كانت يومًا امتدادًا لساحات الاعتصام التي فضّها الجيش بالقوة قبل نحو أسبوع، وخلفت وراءها أكثر من 100 شخص، بحسب بيان «لجنة أطباء السودان».

وفي شارع الجمهورية القريب من مقر التقاء النيلين الأبيض والأزرق -والذي تخضّب مؤخرًا بلون الدماء تأثرًا بإلقاء جثث قتلى الفض فيه-، أعلن موظفو «البنك المركزي» الإضراب التام، وهو ما كان سببًا مباشرًا في شل العملية المصرفية وإجبار باقي البنوك على إغلاق أبوابها.

يقول المصرفي عادل عبد الغفار -اسم مستعار، إذ طلب عدم ذكره لأسباب أمنية- لـ«ساسة بوست»: «استعد المجلس العسكري لعملية الإضراب باعتقال المصرفي والقيادي في الحرية والتغيير محمد عصمت، الذي قاد تجارب ناجحة سابقة في العصيان المدني وشل الحياة المصرفية»، ويضيف: «منذ بدأ الإضراب، وقطاعات مصرفية في مدن بأكملها استجابت للعصيان المدني من دون أن يؤثر فيها أحد».

مطار الخرطوم الدولي -الذي يقع خلف مقر قيادة الجيش- شهد أيضًا أزمة بعد توقف الملاحة الجوية، إلى جانب غياب المركبات العامة والخاصة، وانعدام وجود المارة في الشوارع، يقول الصحافي السوداني مصطفى أبو العزايم لـ«ساسة بوست»: «أُلغيت أكثر من 20 رحلة جوية، وشهد المطار تكدس الحقائب والمسافرين نتيجة إضراب العاملين وجميع موظفي المطار».

يُضيف المصدر: «تكمن المشكلة في أنّ الخرطوم تعتبر قلب أفريقيا بالنسبة لخطوط الطيران، وذلك لموقعها على خطوط الطيران التي تقطع القارة في الاتجاهات الأربعة، ما يعني أنّ العصيان المدني وصل مداه إلى جميع الدول».

وبينما ظهرت طائرات في سماء الخرطوم، كشف موقع «فلايت رادار 24» المعني بكشف حركة الطائرات التجارية أنّ الطائرات تعود لشركات غير سودانية، في حين نقلت شبكة «الجزيرة» عن مصدر في «رابطة الطيارين السودانيين» أنّهم بصدد مخاطبة وكالات واتحادات طيران إقليمية ودولية لسحب طيارين أجانب يعملون في شركة «بدر» للطيران السودانية. يأتي هذا فيما أجبر الجيش خمسة من الطيارين المدنيين على الإقلاع بطائرات مدنية، لنقل عسكريين، رغم إعلانهم الإضراب العام.

هذا في الوقت نفسه الذي اقتحمت فيه قوات «الدعم السريع» عددًا من الأحياء الجانبية لإزالة المتاريس، وقد كشف أحد المصادر لـ«ساسة بوست» أنّ بعض وحدات الجيش رفضت الخروج، وظلت في وحداتها. واعتبر المصدر الذي اشترط عدم الكشف عن هويته أنّ «قوات الدعم السريع بتشييدها الجدران لمحاصرة العاصمة من الخارج ارتكبت خطأ استراتيجيًّا؛ لأنها عمليًّا مُحاصرة أساسًا من الداخل بفعل المتاريس، وهو ما يجعلها فعليًّا القوة الحبيسة في حال اشتبكت معها اللجان الشعبية إثر أي انتفاضة متوقعة».

وبعيدًا عن العاصمة، فقوات «الدعم السريع» المنتشرة في أنحاء البلاد قادت حملات ترويع -بحسب شهادات- عبر إطلاق النيران من أمام البيوت؛ لحث المواطنين على الخروج، وفي الوقت نفسه كانت تلك القوات تُلقي القبض على أية تجمعات في الشوارع.

«الاثنين الدامي» في السودان.. شهادات خاصة حول ما حدث في ساعتي فض الاعتصام

هل شمل الإضراب كافة القطاعات المهنية؟

عقب فض اعتصام القيادة العامة، دعا «تجمع المهنيين السودانيين» إلى عصيان مدني شامل حتى إذاعة الحكومة المدنية بيان تسلم السلطة من تلفزيون السودان، ليعلن عدم عودته مرة أخرى إلى المفاوضات مع المجلس العسكري، خاصة في ظل حملات الاعتقالات التي طالت قادة التظاهرات عقب لقائهم برئيس الوزراء الإثيوبي. 

وبينما استجابت للدعوى «شبكة الصحافيين»، و«تجمع المهندسين»، و«رابطة الأطباء البيطريين»، و«التحالف الديمقراطي للمحامين»، و«اللجنة المركزية للصيادلة»، و«تجمع الفنانين التشكيليين»؛ إلا أنّ الحراك الثوري استثنى عددًا من القطاعات أبرزها وزارات الموارد المائية والري والكهرباء.

وبينما أعلنت «لجنة صيادلة السودان المركزية» إغلاق 99% من الصيدليات، إلا أنها استثنت أقسام الطوارئ بالمستشفيات، وصيدليات «الصندوق القومي للإمدادات الطبية» بالعاصمة، والصيدليات المركزية التابعة له بالأقاليم. اللافت أنّ قوات أمنية سيطرت على «الصندوق القومي للإمدادات الطبية»، وأغلقت عددًا من المستشفيات التي استثنيت من الإضراب، وهو ما اعتبره «تجمع المهنيين السودانيين» أنّ الجيش يهدف لإحداث أزمة إنسانية في البلاد، خاصة أنّ اليوم الأول للإضراب شهد وقوع ضحايا إثر إطلاق النيران. 

وفي ظل تأكيدات «وكالة الأنباء السودانية» الرسمية بأنّ حالة الإضراب لم تؤثر في القطاع المصرفي والملاحة الجوية، توحي الصور المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي بغير ذلك، والتي تأتي عبر وسم #العصيان_المدني_الشامل الذي جاوز حتى الآن نحو نصف مليون تغريدة.

ويكشف صحافي سوداني خبير في الأمن المعلوماتي لـ«ساسة بوست» جانبًا من لغز انتشار تلك الصور؛ بالرغم من انقطاع خدمة الانترنت لليوم السادس، بالإضافة لسوء خدمة شبكات الاتصالات: «بعض الجهات الرسمية تحتفظ بخدمة الإنترنت في تعاملاتها الرسمية وأبرزهم القطاع المصرفي». ويضيف المصدر الذي اشترط عدم الكشف عن هويته: «عدد من السيرفرات الحكومية تعرض للاختراق والتحايل عبر شبكة من الموظفين لهم ارتباط بقادة الحراك الثوري الذين ينشرون منها صورًا على الصفحات الرسمية للحراك، سُرعان ما تخطفها وسائل الإعلام».

من داخل الحراك الثوري.. كيف تفكر المعارضة؟

في ظل حملة الاعتقالات والتهديدات التي قادتها قوات «الدعم السريع» ضد العاملين المتضامنين مع الإضراب في كل من المصارف، وشركات الكهرباء، والمطار، والطيران المدني، والمواصلات العامة، والمستشفيات، يطالب المجلس العسكري القوى الثورية بالعودة مرة أخرى إلى طاولة المفاوضات.

وبينما اشترط «تجمع المهنيين» للعودة إلى المفاوضات الاعتراف بمجزرة فض اعتصام القيادة العامة، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة بدعم دولي، وحل ميليشيات «الدعم السريع»، وتقديم قادتها للمحاكمات العادلة، يوضح الصحافي السوداني أسامة عبد الحليم لـ«ساسة بوست»: «أنّ تجمع المهنيين يراوغ من أجل تحميل المجلس العسكري فشل المفاوضات».

ويوضح الصحافي القريب من دوائر الحراك الثوري: «مُعطياتي أنّه لا نية لعودة التفاوض؛ لأنّ التجمع يخشى من فكرة طرح الموضوع مرة أخرى نظرًا إلى الأخطاء التي ارتكبها، والتلاعب الذي قوبل به من طرف العسكر»، معتبرًا أنّ الخطة الحالية هي «دع العصيان المدني يسقط المجلس العسكري».

والمفارقة أنّ زعيم حزب الأمة الصادق المهدي الذي انقلب عليه الجيش مرتين حين كان رئيسًا للوزراء عامي (1969 و1989)، أعلن رفضه للعصيان المدني، وأبدى موافقته على اقتراح المجلس العسكري إجراء انتخاباتٍ عاجلة، كما أنه استضاف سفيري الرياض وأبوظبي في منزله.

ويقول «ر.تاج السر»، وهو أحد المقربين من الصادق المهدي لـ«ساسة بوست»: «الحزب تحمّل كثيرًا من الخسائر والدماء، ودفع سنوات في السجون، لذا فالقناعة الحالية تكمن في الانحياز للحلول التي تقع في المنتصف، بطرح رؤيته المتمثلة في تشكيل مجلس سيادي مدني برئاسة عسكرية».

وبسؤاله: ماذا لو أخفق الحزب في رؤيته وسقط المجلس العسكري؟ أجاب: «نحن أكبر الأحزاب السودانية التي ستكون لها الكلمة الفصل في أية انتخابات، ولا يُمكن إقصاؤنا من المشهد بسهولة».

لماذا تفشل ثورات السودانيين ضد العسكر كل مرة؟

إضرابالجيشالحراك الثوريالخرطومالسودانالعاصمةالمجلس العسكريتجمع المهنيينعصيان مدني

المصادر