مع نهاية الشهر الماضي تنفست الدبلوماسية المغربية الصعداء واجتاز السّاسة في الرباط بنجاح امتحانًا عسيرًا حول قضية “الصحراء الغربية”، التي يعتبرها المغرب جزءًا لا يتجزأ من أراضيه، بينما تطالب جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر بانفصالها عن المغرب وإقامة دولة مستقلة تجمع “الشعب الصحراوي” سواء الموجودين منهم في الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية أو في “الشتات” كلاجئين في منطقة تندوف بالجنوب الجزائري.

فقد مدد مجلس الأمن الدولي، بموجب القرار 2152، مهمة بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية (مينورسو)، لسنة واحدة أي إلى 30 أبريل 2015، مجددًا دعوته، في ذات القرار، الجزائر لتسجيل ساكنة مخيمات تندوف. ودعا مجلس الأمن أيضًا في القرار الذي تمت المصادقة عليه بإجماع الأعضاء الـ15، الأطراف ودول الجوار إلى التعاون “بشكل تام مع منظمة الأمم المتحدة ومع بعضهم البعض والانخراط بعزم من أجل تجاوز المأزق الحالي والتقدم بنحو حل سياسي”.

ارتياح مغربي

مدينة العيون كبرى مدن الصحراء المغربية

المغرب سارع مباشرة بعد إصدار القرار الأممي إلى التعبير عن “ارتياحه”، وأشاد ممثل المغرب الدائم لدى مجلس الأمن الدولي، عُمر هلال، بقرار مجلس الأمن بتمديد مهمة المينورسو دون إدراج آلية مراقبة حقوق الإنسان واصفا إياه بـ”الحكيم”.

الدبلوماسي المغربي أوضح أن “مجلس الأمن بحكمته الكبيرة رحب بالمبادرات المغربية في مجال حقوق الإنسان وإصلاح القضاء العسكري والخطوات التي اتخذها المجلس الوطني لحقوق الإنسان وتوقيع المغرب على المعاهدة الدولية بشأن الاختفاء القسري”.

وزارة الخارجية المغربية وبعدما عبرت عن”الارتياح” إزاء القرار الأممي الجديد، ذكرت أن مجلس الأمن يؤكد من خلال هذا القرار، “بشكل قوي ومن دون أي لبس، النهج الذي اتبعه خلال السنوات الأخيرة في معالجة هذه القضية”. وزادت الخارجية المغربية موضحة أن أعضاء المجلس (الأمن الدولي) “قد جددوا دعمهم للمسلسل الحالي الرامي إلى تيسير التوصل إلى حل، وأخذوا بشكل جلي مسافة إزاء التوصيات الخطيرة، والتلميحات المستفزة، والمقاربات المنحازة، والخيارات الخطيرة، التي تضمنها التقرير الأخير للأمانة العامة للأمم المتحدة”، مذكرة بأن الملك محمد السادس، كان قد أبرز خلال اتصاله الهاتفي مع الأمين العام للأمم المتحدة ضرورة الاحتفاظ بمعايير التفاوض كما حددها مجلس الأمن، والحفاظ على الإطار والآليات الحالية لانخراط منظمة الأمم المتحدة.

مُون والانحياز !

بان كي مون مع الملك المغربي محمد السادس

ماذا يعني ذلك؟ المملكة المغربية كانت قبل أسبوع من صدور القرار الأممي الجديد قد “صُدمت” بفحوى تقرير مرفوع من الأمين العام الأممي، بان كي مون، إلى مجلس الأمن الدولي، وصَف فيه “مون” قضية الصحراء بأنه “ملف تصفية استعمار”، ودعا مجلس الأمن إلى ضرورة توسيع مهام بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء لتشمل مراقبة حقوق الإنسان بالأقاليم الجنوبية الصحراوية المتنازع عليها، وفي منطقة تندوف بالجنوب الجزائري؛ حيث يوجد اللاجئون الصحراويون.

واعتبر المغرب وصف “تصفية استعمار” غير محايد وهو يكاد ينطبق مع أطروحة جبهة البوليساريو ومعها الجزائري الداعمة لها، واللتين يعتبران المغرب بلد “احتلال”، عدا عن أن توسيع مهام بعثة “المينورسو” لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء، كما جاء في تقرير الأمين العام الأممي، يعتبر أيضا “انحيازا” إلى صف “الخصوم”، بتعبير الدبلوماسية المغربية، أو “المعادين لوحدة ” لتراب الوطني.

صورة أرشيفية لزيارة بوتفليقة إلى تندوف حيث يوجد اللاجئون الصحراويون

ولذلك فإنه كان طبيعيًّا أن “ينتفض” المغرب رسميًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا، وبالإضافة إلى أن العاهل المغربي، الملك محمد السادس، اتصل هاتفيًّا بالأمين العام الأممي ليبلغه احتجاج المملكة ضد ما تصمنه تقريره، وهو الاحتجاج الذي تبعه آخر قدمه في شكل مذكرة مندوب المغرب بالأمم المتحدة للأمين العام، فإن أصواتًا سياسية مغربية ارتفعت مطالبة بسحب بعثة الأمم المتحدة من الصحراء وإنهاء مسلسل المفاوضات مع جبهة البوليساريو الذي دخله المغرب طوعًا لا كرهًا، وفي سياق آخر غير السياق الدولي الحالي، أي في سنة 1991 عندما تم وقف إطلاق النار بين المغرب وميليشيات البوليساريو والقبول بوجود البعثة الأممية التي كان من المفترض أن تشرف على استفتاء لتقرير مصير الصحراء، وهو “المسلسل” الذي لم يتم لحد الآن، وبدل إجراء الاستفتاء الذي برزت عوائق موضوعية تحول دون إنجازه، تم التوجه إلى إجراء مفاوضات مباشرة وغير مباشرة بين الأطراف، لم تسفر لحد الآن على نتائج.

أسف البوليساريو..

البوليساريو لم تخف “تذمرها” من القرار الذي يصب، في الغالب، لفائدة المغرب، وندد ممثل جبهة البوليساريو لدى الأمم المتحدة أحمد بخاري بالقرار، معبر2ا عن “أسف” الجبهة لكون بعثة حفظ السلام الدولية في الصحراء هي البعثة الوحيدة في العالم التابعة للأمم المتحدة التي لا تتوفر على تفويض لمراقبة وضع حقوق الإنسان على الأرض ورفع تقارير بشأنها، كما قال.

العاهل المغربي محمد السادس والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة

القرار الأخير “رحبت” به أيضا الجزائر وكالعادة تضمن “بيان” ترحيب الجزائر عبارات يعتبرها المغرب مستفزة لوحدة أراضيه، خاصة عندما يتضمن كلام الساسة في الجزائر عبارات من قبيل ضرورة منح حق تقرير مصير “الشعب الصحراوي”، ما زيعني ضمنيًّا أن هناك شعب مغربيّ وآخر صحاروي يريد تقرير مصيره وهو – هنا – الاستقلال عن المغرب، الذي يعتبر أحد المحددات الأساسية في السياسة الخارجية الجزائرية، وهذا ما يجعل العلاقة بين الجزائر والمغرب يسودها الكثير من التوتر عبر سنوات، بل وهو ما يجعل الحدود بين البلدين مغلقة منذ العام 1994، رغم كل الدعوات المغربية بفتحها، إلا أزن الجزائر تتذرع بتهريب المخدرات من المغرب لتواصل إغلاقها.

معركة !

لقد بات تاريخ التمديد لولاية بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء معركة دبلوماسية تتجدد سنويًّا مع نهاية شهر أبريل من كل عام. ويبدو أن المغرب نجح حتى الآن، بدعم من بعض القوى خاصة فرنسا وهذه السنة الولايات المتحدة الأمريكية التي قدمت مسودة القرار 2152، في كسب الرهان حول ما يتعلق بملف حقوق الإنسان، وهي الورقة التي حاولت البوليساريو والجزائر ومعهما بعض المنظمات الحقوقية في السنوات الأخيرة استغلالها ضد المغرب وذلك بقصد “النيل من سيادته” على الصحراء عبر تخويل البعثة الدولية بمراقبة هذه الحقوق.

كسب المغرب الرهان أيضًا لأن القرار بالإضافة إلى أنه لم يوصِ بتكليف البعثة الدولية بمراقبة حقوق الإنسان، فإنه أشاد بالجهود المغربية في هذا الموضوع وتحديدًا بمهام “المجلس الوطني لحقوق الإنسان” الذي يعتبر مؤسسة وطنية مستقلة مهمتها مراقبة حقوق الإنسان، وهو ما يراه المغرب كافيًا ولا يستدعي تدخل منظمات أو هيئات دولية.

الصراع ما يزال قائمًا إذن بين المغرب من جهة، وبين البوليساريو والجزائر من جهة أخرى، وهو ما يضيع على منطقة المغرب العربي فرصة اندماج حقيقي، ظل البعض يمني النفس في تغيير على مستوى السلطة في الجزائر لعله يسهم في تبديد الغيوم بين الجارين الشقيقين، لكن لاشيء تغير مع إصرار النظام الجزائري الحالي على البقاء ولو على كراسٍ متحركة!

عرض التعليقات
تحميل المزيد