دولي

منذ 5 شهور
هل سيصبح ارتفاع درجة الحرارة على الأرض بوابة روسيا للسيطرة على العالم؟
عصفت جائحة كورونا باقتصادات العديد من الدول، وكشفت هشاشة الكثير منها، لا سيما تلك التي تعتمد في اقتصادها بشكل كبير على النفط مثل روسيا، ففي حين يتحمل هذا البلد، الذي يشكل النفط ثلثي صادراته و40% من عائدات ميزانيته، نصيبه من التحدي العالمي الذي يشهده القطاع، فإنه يعاني في الوقت نفسه من مشكلات داخلية تتعلق باحتياطاته المتاحة من النفط، وحقوله غير التقليدية التي تشكل تحديًا في استخراج ما في باطنها وإنتاجه وتكريره. 

وليست هذه بالمسألة الجديدة على روسيا، بل لطالما أثقلت كاهلها منذ عقود مضت، ولكن وطأتها تصبح أكثر ثقلًا في وقت مأزوم كهذا، تاركة حيزًا ضيقًا من الوقت أمام صناع القرار للخروج من هذا المأزق. فما هي التحديات التي تهدد قطاع النفط الروسي؟ وهل وصل بالفعل إلى طريق مسدود؟ 

طفرات ونكسات في تاريخ النفط الروسي

شهد قطاع الطاقة الروسي العديد من الطفرات والنكسات منذ القرن الماضي، إذ شهد عام 1987 ذروة إنتاج النفط السوفياتي الذي وصل إلى حدود الـ 11.4 مليون برميل يوميًا، ثم انخفض الرقم إلى 6 ملايين برميل يوميًا على إثر انهيار الاتحاد السوفيتي، وما واكبه من فوضى اقتصادية واسعة النطاق وانهيار في أسعار النفط العالمية. 

ترك هذا الأمر حافزًا قليلًا لدى شركات النفط الروسي الكبرى مثل: «LUKOIL» و«TNK-BP» لاستكشاف المزيد من حقول النفط الروسي، فمعظم الحقول العاملة في غرب سيبيريا العاملة حاليًا اكتُشفت قبل عام 1970. 

مع بدايات القرن الواحد والعشرين، أعادت حقول النفط التقليدية في غرب سيبيريا تنشيط الاقتصاد الروسي، وأُنتجت كميات كبيرة من هذا النفط الروسي منخفض التكلفة بالتزامن مع تزايد الطلب العالمي، وتنافست روسيا مع المملكة العربية السعودية على لقب أكبر مصدري النفط في العالم، وغضت الطرف عن الفرق في الاحتياطي التقليدي للنفط بين البلدين. 

وبعد 15 عامًا من استنزاف هذه الحقول، استقرت مستويات النفط في بعضها، وانخفضت في بعضها الآخر؛ منذرًا بخفض الإنتاج في وقت ما بحلول عام 2030. دق هذا الأمر ناقوس الخطر، ووضع روسيا أمام حقيقة أن أيام المجد والهيمنة على سوق النفط، وهامش الربح المرتفع، ربما يكون على وشك الانتهاء. 

5 مشكلات تعصف بقطاع النفط الروسي

1- نضوب الموارد سهلة الاستخراج

نضوب الموارد النفطية سهلة الاستخراج في حقول غرب سيبيريا؛ يضطر البلاد إلى اللجوء إلى الأحواض غير التقليدية التي تتمتع بتكلفة استخراج مرتفعة ونسبة شوائب كبيرة تحتاج إلى آليات وتقنيات مختلفة في التكرير. ويبلغ الاحتياطي المؤكد من النفط الروسي 15 مليار طن ولكن من المتوقع أن يشهد انخفاضًا إلى 350 مليون طن بحلول عام 2040.

2- تواضع كفاءة المصافي الروسية 

على الرغم من أن قطاع التكرير الروسي يأتي ثالثًا على مستوى العالم بعد أمريكا والصين، إلا أن شبكة مصافي البترول الروسية لا تتمتع بالكفاءة المطلوبة لإنتاج مخرجات نهائية ذات جودة عالية. إذ تنتج روسيا حصة كبيرة من النفط الثقيل المشبع بالكربون والذي تضاعف حجم إنتاجه إلى ثلاثة أضعاف منذ عام 2000 نتيجة لفرض الحكومة ضرائب قليلة على النفط الثقيل وأقل بكثير على النفط الخام لدعم الطلب على المنتجات الأقل جودة. 

ولكن مع تغير الطلب العالمي الذي يتجه نحو المنتجات البترولية الأخف وزنًا والأقل تشبعًا بالكربون، بالإضافة إلى القدرة الكبيرة للمصافي الأمريكية على إنتاج مواد عالية الجودة وإغلاق الدول الأوروبية مصافيها البترولية، أصبح الأمر يشكل تحديًا كبيرًا أمام الروس للمنافسة في السوق النفطية. 

3- العقوبات الأمريكية والأوروبية

العقوبات الدولية التي حالت دون بيع معدات استخراج النفط المتطورة والتقنيات الحديثة لروسيا التي تساعدها في تخفيف الضغط على الحقول البنية (التقليدية) والاستفادة من احتياطاتها البحرية والصخرية. 

كما حالت العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أيضًا دون دخول رؤوس الأموال إلى البلاد والاستثمار في القطاع النفطي الذي هو بحاجة إلى حجم استثمار ضخم لاستكشاف الحقول الجديدة والاستفادة منها.

4- احتكار المنتجين الكبار لسوق النفط 

احتكار سوق النفط من جانب المنتجين الكبار الذين حصلوا بالفعل على تراخيص 95.7% من احتياطات روسيا المؤكدة من النفط و88% من احتياطاتها المقدرة. في حين يحتاج القطاع إلى المنتجين الصغار الذين يقومون بالمنافسة على تحسين وتطوير طرق استخراج النفط وتكريره وإنتاجه. 

على سبيل المثال، بُنيت ثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة على أكتاف هؤلاء المنتجين الذين عملوا على مدى سنوات لتحسين عملية استخراج النفط، فيما وفرت لهم الحكومة هامش حرية كبير للتجربة على عكس ما هو عليه الأمر في روسيا. 

5- حقوق الملكية تهدد صغار المنتجين

تمثل الترتيبات المؤسسية المتعلقة بملكية الموارد في روسيا، والتي تنص على أن الدولة تمتلك جميع الموارد الموجودة على الأرض، عائقًا في وجه الشركات الصغيرة التي تسعى لاستكشاف المزيد من النفط غير التقليدي والاستثمار فيه؛ إذ لا يوجد أية ضمانات بأنها ستكون قادرة على استئجار الأرض بعد اكتشاف النفط فيها، الأمر الذي يشكل عائقًا أمام تطوير قطاع النفط في البلاد.

تراجع العائدات يستنزف الاحتياطيات.. الاقتصاد الروسي في العاصفة

فاقمت جائحة فيروس كورونا من المشكلات التي يواجهها الاقتصاد الروسي الذي يمثل النفط الشريان الأساسي له، وتشير التقديرات الأولية إلى انخفاض عائدات البلاد من النفط والغاز بنحو 165 مليار دولار الأمر الذي سيجبر الحكومة على استخدام احتياطاتها الدولية لتمويل ميزانية الدولة. 

وقال وزير المالية الأسبق أليكسي كودرين إن عدد العاطلين عن العمل في روسيا قد يتضاعف إلى ثلاثة أضعاف هذا العام ليصل إلى 8 ملايين شخص. في حين تنبأ البنك المركزي بأن ينخفض الناتج المحلي بنسبة 15% إذا انخفضت أسعار النفط إلى ما دون 10 دولارات. 

بوتين - أفريقيا

صحيح أن هذه الأزمات المتتالية جاءت بموازاة إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام تصميمه على تحفيز الاقتصاد ورفع مستوى المعيشة التي عانت ركودًا في السنوات الست الماضية، لكن بوتين اليوم يواجه تحديات داخلية كبيرة تهدد استقرار المجتمع. 

أعربت داريا كامينسكايا، التي تمتلك ورشة لإصلاح السيارات، عن سخطها لوكالة رويترز من الأوضاع الاقتصادية التي اضطرتها لدفع مستحقات موظفيها من مالها الخاص وقالت: «هكذا بدأت الثورات في البلاد في الماضي، من طبقة البروليتاريا». 

في الإطار نفسه، عبر بعض المواطنين عن استيائهم، مذكرين بأن الشعب الروسي يصبر ولا تنطبق عليه المعايير الغربية، ولكنه إذا ثار يسقط عروشًا ويهدّ إمبراطوريات. 

وكانت نسبة تأييد بوتين قد شهدت انخفاضًا وصل إلى 63% على إثر الأزمة وهي الأقل منذ عام 2013. 

جراحة أسوأ من المرض.. حلول المدى الطويل 

يدرك بوتين الذي تنتهي ولايته الرابعة عام 2024 حجم التحدي الذي يواجهه تطوير قطاع النفط -الشريان الأساسي في البلاد- لانتشاله من الطريق المسدود الذي وصل إليه، ولكن لا دلالات اليوم ترجح ما سيختاره الرئيس وما إذا كان سيختار تجنب الألم قصير المدى إلى حين إنتهاء ولايته، أم الاستثمار طويل المدى مع ما يحمله من صعوبات. 

ولم يبقَ أمام الاقتصاد الروسي إلا عدد قليل من المفاتيح التي من شأنها أن تعالج مشكلاته وهي:

1- الاستثمار في حقول النفط غير التقليدية 

تمتلك روسيا كميات هائلة من النفط غير التقليدي في شرق سيبيريا وما يقع ضمن أراضيها من القطب الشمالي، وكذلك احتياطات الصخر الزيتي المنتشرة في روسيا أكثر من أي مكان آخر في العالم. 

ويوجد في غرب سيبيريا تشكيل «Bazhenov» الذي يصل احتياطي النفط منه إلى 140 مليار طن متري، أكثر من تشكيل «Bakken» الموجود في أمريكا الشمالية الذي يقدر احتياطي النفط فيه بـ 70 مليار طن متري. وتحتوي الأراضي الروسية على مورد كبير آخر وهو البيتومين الذي يقدر بـ 35 مليار طن متري، إضافة إلى 29 مليار طن متري موجودة في مناطق نائية في شرق سيبيريا. 

 

من شأن هذه الموارد أن توفر احتياطيًّا كبيرًا للبلاد يجنبها أزمة نضوب النفط في الأحواض التقليدية، إلا أنها عميقة جدًا، أكثر من 1000 متر تحت سطح الأرض، ولا يمكن الوصول إليها بطرق التعدين التقليدية، بل تحتاج إلى كميات هائلة من البخار ليحقن في باطن الأرض من أجل تسخين وإسالة البيتومين وهذا يتطلب بدوره إمدادات كبيرة من الماء والغاز الطبيعي. 

وكانت بعض شركات النفط مثل شركة تاتنفت الروسية تعمل على استخراج البيتومين مستخدمة تقنيات مشابهة لما ابتكرته ألبرتا في كندا لاستخراج البيتومين من مسافة 300 متر تحت الأرض، إلا أن هذه الجهود لا زالت نقطة في بحر ما تحتاجه هذه الصناعة من جهود ورؤوس أموال.

وفي هذا السياق، كان الكرملين قد أعلن بالفعل في مارس (آذار) الماضي عن مرسوم لتطوير الشمال أسماه أساسيات سياسة الدولة للاتحاد الروسي في القطب الشمالي للفترة الممتدة حتى 2035. 

وكان سيتم بموجب هذه الاستراتيجية طلب 40 سفينة على الأقل وتحديث أربعة مطارات وإنشاء خطوط سكك حديد وموانئ بحرية إضافية، وحفزت الحكومة شركات الطاقة للاستثمار في هذا المجال عن طريق الإعفاء الضريبي، لكن كل ذلك كان قبل جائحة كورونا التي أوقفت بالتأكيد العمل بمقامرة كبيرة كهذه، تحتاج إلى أسعار نفط مرتفعة ومستقرة لتغطي تكاليفها. 

2- الحفاظ على موطئ قدمها في سوق النفط الآسيوي

تستورد أوروبا 30% من نفطها و40% من الغاز الطبيعي من روسيا، وتتمتع العلاقات الروسية الأوروبية بهدوء واستقرار نسبي، إلا أن اتجاه هذه الدول نحو النفط الأكثر نقاءً والأقل ضررًا بالبيئة يضع النفط الروسي المفتقد لهذه الخصائص في مأزق. 

وفي ظل هذا الوضع، لا يبقى أمام روسيا سوى السعي لزيادة صادراتها للسوق الآسيوية وبالتحديد الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم. وتغطي روسيا اليوم 15% من استهلاك الصين للنفط بزيادة سنوية بنسبة 50% ما يؤشر للمزيد من التعاون بين البلدين في هذا المجال. 

يوفر هذا التعاون بيئة اقتصادية مريحة للبلدين، إلا أن العلاقات بين موسكو وبكين لا تخلو من التوترات، خاصة فيما يتعلق بالتنافس على تطوير القطب الشمالي والطموحات السياسية ذات المصالح المتضاربة بين البلدين في آسيا الوسطى. وبالتالي، على روسيا أن تحقق موازنة فعالة مع الصين لنجدة قطاعها النفطي. 

3- إعادة تشكيل الاقتصاد بعيدًا عن النفط

وهو هدف تسعى له روسيا منذ عقود، وتجدد بجهود ضئيلة على مدى السنوات القليلة الماضية، إذ خففت البلاد من سيطرتها على المنتجين الصغار لتنمية الاستثمار العام، وهو النهج الذي اتبعته دول مثل النرويج وأستراليا وكندا في بناء اقتصادات مزدهرة. ولكن روسيا بحاجة إلى جهود أكبر لتحقيق نجاح مماثل فتلك البلدان تتمتع بعدد سكان قليل ما يعني أن عدد الصناعات اللازمة للتنويع الاقتصادي أصغر وبالتالي تنفيذ الاستثمار بكفاءة أعلى. 

الأمر الآخر أن روسيا تنفق جزءًا كبيرًا من ناتجها المحلي على الإنفاق العسكري؛ ما يجعل حلم التقليل من الاعتماد على الطاقة، وفي الوقت نفسه دعم عدد كبير من السكان، وجيش من الطراز العالمي يرقى إلى أن يكون ضربًا من المستحيل. 

في ظل هذه التحديات الكبرى والحلول الموجعة التي على روسيا اختيارها لتنقذ اقتصادها وصناعتها النفطية، يبقى أن ننتظر ما إذا كانت الساحة السياسية الروسية ستشهد قرارات مالية تنبئ بتحولات جذرية، أم أن صناع القرار في البلاد سيستعينون بالتراث الروسي للتخفيف من آلامهم، ويفترضون العيش في «قرى بوتمكين»؛ وهي قرى كانت لا تولي اهتمامها سوى بواجهات المنازل الواقعة على خط سير القيصر أثناء زيارته؛ لإخفاء الفقر الذي تعيشه واقعًا على الأرض خلف هذا الواجهات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد