فيما بدأت قبل أيام الحملات الانتخابية لخمسة مرشحين منهم محمد ولد عبد العزيز، الرئيس الموريتاني المنتهية ولايته، بدأت اليوم حملة أخرى تختلف تمامًا عن الحملات الانتخابية الخاصة بالرئاسيات الموريتانية، وتطرح المعارضة لائحة مقاطعة لهذه الانتخابات على الشعب، للتوقيع عليها، على اعتبار أن هذه الانتخابات محسومة مسبقـًا ولا تتوفر فيها ضمانات الشفافية والنزاهة، كما تقول المعارضة.

تبادل الاتهامات

إبراهيم مختار صار أحد أبرز المرشحين المنافسين لمحمد ولد عبد العزيز

وإذا كانت المعارضة تُمني النفس لأجل إقناع الموريتانيين بعدم الذهاب إلى صناديق الاقتراع يوم 21 يونيو الجاري، وهو ما جعلها تبدأ سلسلة من النشاطات التعبوية وجمع التوقيعات تعبيرًا عن رفض هذه العملية الانتخابية، التي يعتبرونها محسومة مسبقـًا لفائدة مرشح السلطة، محمد ولد عبد العزيز، فإن حملة الأخير الانتخابية تسير وفق ما تم رسمه لها، من قبل هذه السلطة طبعًا؛ وفي مسعاها لمحاولة استمالة أصوات الناخبين فهي لا تألو جهدًا لذلك، وإنْ كان الأمر يتعلق بـ”التملص” من المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع في موريتانيا من تفاقم للفساد وتأزم للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

ويبدو أنه من الغريب أو من ضروب سياسة الهروب إلى الأمام أن تتهم السلطة الحاكمة مكونات المعارضة بأنها تقف من وراء ما وصلت إليه البلاد من أوضاع متأزمة، وكما هو معروف وطبيعي، أن المسئول عن أية أوضاع مهما كانت طبيعتها، إنما هي السلطة والأشخاص الذين يديرون دواليب الحكم.

ولذلك فإن اتهام الرئيس ولد عبد العزيز للمعارضة ولا سيما لِقادة ما يسمى “المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة” المعارض بـ”الفساد والمسئولية عن معاناة الشعب الموريتاني وتفقيره وتمزيقه”، يصبح غير ذي جدوى وهو اتهام أقرب إلى البروباغندا والتأثير على المواطن منه إلى اتهامات صريحة تعبر عن حسن نوايا من صدرت عنهم!

المنتدى سرعان ما رد على اتهامات الرئيس واعتبرها لا تستحق الرد وليس من اللائق أن تصدر عن رئيس دولة، قبل أن يؤكد أن العهد الحالي (فترة حكم ولد عبد العزيز) شهد مستوى كبيرًا من الفساد، بل إن الفساد أصبح محتكرًا من طرف النظام، على حد تعبير أحد قادة المنتدى في تصريحات صحافية.

أية نسبة للمشاركة؟

التحدي الأكبر للسلطة هو الرفع من نسبة المشاركة في اقتراع 21 يونيو

وإذا كان المتتبع للشأن الموريتاني لا ينتظر حدوث أية مفاجأة في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في 21 يونيو الجاري، على اعتبار أن الرئيس المنتهية ولايته والمرشح لولاية جديدة بات مقتنعًا بعدم وجود معارضة “قوية” قادرة على “تحريك” الشارع، إضافة إلى أنه لقي ما يشبه “الضوء الأخضر” من طرف جهات إقليمية ودولية “تبارك” استمراره على رأس السلطة في بلاد شنقيط، إلا أن المفاجأة الوحيدة التي لن تغفل عنها السلطة، هو نسبة المشاركة في هذه الانتخابات. ولذلك فإن الدرس المِصري الأخير بخصوص ضعف نسبة المشاركة والذي اضطرت معه السلطات المصرية إلى إضافة يوم ثالث، في سابقة من نوعها، هذا الجانب سيكون أبرز تحدٍ أمام السلطات الموريتانية التي ستعمل بما لديها من “إمكانيات” لأجل حث الناس على الذهاب للاقتراع، بالرغم من أن هناك شرائح واسعة غير مهتمة بالأمر، بينما آخرون تعترضهم العديد من الظروف الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية للمشاركة في الاقتراع.

بينما يطالب الشباب برحيل الحكومة وأحيانـًا رحيل النظام يبدو أن المعارضة غير موحدة على مطلب معين

وفي ظل غياب معارضة “جذرية” كما يقول بعض الموريتانيين، على اعتبار أن هناك بعض المنتمين للمعارضة الحالية الذين ليست لهم مبادئ يتشبثون بها وقد أكدت التجارب أنهم سرعان ما يستسلمون لبعض “إغراءات السلطة”، ولا ينحازون دومًا إلى صف الشعب وإنما يمارسون المعارضة فقط كوسيلة للضغط، فإنه من المتوقع أن تمر الانتخابات الرئاسية المقبلة كما تتصورها السلطة، بحيث “يُتوج” الرئيس الحالي لولاية جديدة، بعدما “تتدخل” السلطة لحسم أمر نسبة المشاركة حتى لا تسقط في “الفخ” الذي سقطت فيه السلطات المصرية من قبلها، وتبدو محرجة أمام الرأي العام الوطني والدولي.

موريتانيا والحوانيت!

وبالرغم من أن هناك شبه إجماع على أن النتائج ستكون لصالح “مرشح السلطة”، وأن باقي المرشحين الأربعة الآخرين لا يُنظر إليهم بعين التفاؤل من إمكانية قلب المعادلة بقدر ما يشك البعض في نواياهم وأنهم مجرد “كومبارس” لإضفاء بعض المصداقية على “اللعبة” الانتخابية، إلا أن البعض من هؤلاء المرشحين لا يخفي أحقيته بالرئاسة وبأنه الأجدر من ولد عبد العزيز الذي جاء إلى الحكم على ظهر الدبابة إثر انقلاب عسكري.

فئة مهمة من المواطنين الموريتانيين لا يرون في النظام الحالي ما يستحق أن يبقى لأجله في السلطة

من هؤلاء المرشح إبراهيم مختار صار الذي يفتخر بأنه الوحيد من بين المرشحين الذي يملك “تاريخًا نضاليًا ناصعًا يصل إلى 40 سنة”، وبأن نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز “يعاني أزمة تسيير، ويُسير البلد وفق طريقة الحوانيت”، بحسبه. وأضاف المترشح للرئاسيات في مهرجان نظمه أمام المئات من أنصاره في مدينة نواذيبو، ونقلت بعض مداخلته مواقعُ محلية، “إن البلد يمتلك مقدرات اقتصادية، ولا يتعدى سكانه 4 ملايين، ومع ذلك يعاني أوضاعًا سيئة، وهو أمر لا يمكن تفسيره إلا بسوء التسيير”.

إذا كانت الانتخابات المقبلة في موريتانيا لا تعد بحدوث مفاجأة ما، فإن مستقبل الأيام وحده الكفيل بإحداث مفاجآت لا سميا في ظل تزايد إحساس المواطن بالتهميش والقهر؛ ولعل تواتر التقارير الحقوقية المحلية والدولية حول وضعية حقوق الإنسان بالبلاد، ونعت الأخيرة بأنها واحدة من الدول التي ما تزال فيها نسب “العبودية” مرتفعة، إضافة إلى استمرار إدارة بلاد شنقيط من طرف خريجي الثكنة العسكرية، عدا عن انتشار الفقر والتهميش، كلها عوامل قادرة على إحداث الكثير من المفاجآت التي قد لا تسر النظام الراغب في الاستمرار!

عرض التعليقات
تحميل المزيد