استطاع المرشح الديمقراطي جو بايدن الفوز بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، ليصبح الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة، وأثار فوزه صدى واسعًا في مختلف أنحاء العالم، لكن أصداء هذا الفوز كان لها وقعٌ خاص في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

يواجه الرئيس الأمريكي المنتخب حديثًا إرثًا ثقيلًا تركته إدارة ترامب التي توشك ولايتها على الانتهاء، وعلى رأس القائمة يأتي الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، أو ما يعرف رسميًا بخطة العمل الشاملة المشتركة.

أعلن جو بايدن في حملاته الانتخابية مرارًا وتكرارًا أنه مستعد لإحياء الدبلوماسية مع طهران، كما أنه مستعد أيضًا «لعكس المسار» الذي اتخذته إدارة الرئيس دونالد ترامب، وأنه موافق على العودة للاتفاق النووي بشرط الامتثال الكامل من إيران.

أما في طهران فقد أعلن القادة الإيرانيون عدم اكتراثهم بفوز بايدن بالمنصب، مؤكدين أن السياسة الخارجية للبلاد لن تتغير.

ولكن الواقع يخبرنا بأمور أخرى، فمنذ أن انسحب ترامب من الصفقة النووية في مايو (أيار) 2018، وأعاد فرض العقوبات على طهران، وانتهجت إدارته سياسية «الضغط الأقصى» لإجبار إيران على التفاوض مرة أخرى على صفقة جديدة، والاقتصاد الإيراني في مراحل الاحتضار.

في هذا التقرير نستعرض مستقبل العلاقات الإيرانية الأمريكية، وخاصةً مصير الاتفاق النووي واحتمالات تجدد المفاوضات بين طهران وواشنطن، ونستمع لمجموعة من الدبلوماسيين والسياسيين الإيرانيين البارزين من التيارات المختلفة داخل إيران.

طوفان عقوبات ترامب قبل خروجه

فرضت واشنطن أشد العقوبات التي واجهتها الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها عام 1979، وتعطل النظام المالي الإيراني بأكلمه، وواجه الإيرانيون انهيار العملة المحلية، وزيادة الأسعار بصورة جنونية، ونقصًا في السلع الأساسية والأدوية.

وجاء الضيف الثقيل، وباء كورونا المستجد، ليكون المسمار الأخير في نعش الاقتصاد الإيراني، الذي حرمه ترامب من عائداته النفطية.

وصحيح أن طهران اختارت اتباع سياسية أقصى قدر من المقاومة مقابل أقصى ضغط، وصحيح أنها لم تخضع أمام العقوبات، ولم تهرول للتفاوض مع إدارة ترامب لإبرام صفقة جديدة بشروط أمريكية صارمة، لكنها تعاني، والعقوبات الاقتصادية خانقة، وتدرك حكومة الرئيس الإيراني المعتدل حسن روحاني هذه الحيثيات جيدًا.

Embed from Getty Images

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوقّع قرار فرض عقوبات جديدة على إيران، بتاريخ 24 يونيو (حزيران) 2019، ويقف إلى جانبه (يسار الصورة) وزير الخزانة الأمريكية، ستيفن منوتشين

ولذا يبدو أن أمر التفاوض مع إدارة بايدن لن يكون مستبعدًا، خاصةً أن لبايدن أسبابًا قوية تدفعه للحفاظ على الاتفاق النووي.

بتجاوز مسائل حفظ الكرامة وماء الوجه، وبتخطي العناد المتبادل، الوضع في إيران وعلاقتها بأمريكا تدعو البلدين للتفكير بهدوء والبحث عن حلول للخروج من مأزق الاتفاق النووي.

سيغادر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) 2021، ولكنه لن يترك الطريق معبدًا لمن سيخلفه، فمنذ أكتوبر (تشرين الأول) 2020 وهو يحاول وضع الحجرات في طريق أي اتفاق مع إيران.

وعلى مدى شهرين اندفعت إدارة ترامب وفرضت «فيضانًا» من العقوبات، وأعلنت الخزانة الأمريكية إدراج العديد من الشخصيات العاملة بمجال النفط الإيراني على لوائح «الإرهاب»، وعلى رأسهم وزير النفط الإيراني بيجن زنغنه، وأُدرجت الوزارة نفسها على القائمة بحجة مساعدتها لقوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني.

إليوت أبرامز، الممثل الأمريكي الخاص لإيران، سافر لإسرائيل قبل يوم واحد من إعلان فوز بايدن، وزار السعودية والإمارات، لتنسيق جهود جميع الأطراف لمواجهة إيران بعد انتهاء فترة ترامب.

وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، أنها ستفرض كل أسبوع عقوبات جديدة على أفراد وكيانات مرتبطة بالجمهورية الإسلامية، حتى يناير 2021، في رغبة حقيقية من الإدارة الأمريكية الموشكة على الخروج بتكديس أكبر قدر من العقوبات لتعيق عودة بايدن للاتفاق النووي.

في حديث مع «ساسة بوست» يرى حسن بهشتي بور، أستاذ علاقات دولية مقيم في طهران، أن سلسلة العقوبات المتتالية ستكون واحدة من أهم الصعاب أمام إحياء الدبلوماسية بين طهران وواشنطن، فيقول: «تكثف إدارة ترامب العقوبات غير النووية، أى المتعلقة بالإرهاب وحقوق الإنسان، والتي سيكون من الصعب على بايدن العمل على تعليقها؛ لأنه سيلقى مواجهة شرسة بخصوص هذا الأمر داخل مجلس الشيوخ».

تراهن إدارة ترامب على صعوبة إزالة العقوبات غير النووية وأن بايدن سيحتاج المزيد من الوقت لرفعها، على عكس العقوبات النووية التي ترفع مباشرةً فور امتثال طهران لشروط الاتفاق النووي.

طريق وعر بالعقوبات ينتظر بايدن

كان جواد ظريف أول من تحدث عن فكرة أخذ تعويضات من أمريكا مقابل ما تكبدته إيران من خسائر بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق.

وبعد فوز بايدن، أكد الرئيس الإيراني حسن روحاني على الأمر ذاته قائلًا: «إن أية سياسة أمريكية جديدة يجب ألا تستند فقط على العودة إلى الاتفاق النووي، ولكن أيضًا إلى تعويض إيران عن فشل واشنطن في الحفاظ على الصفقة على مدى السنوات الأربع الماضية».

وكرر المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، علي ربيعي، تصريحات رئيسه مؤخرًا في مؤتمر صحافي قائلًا: «بصرف النظر عن العودة الأمريكية إلى الاتفاق، يتعين على الإدارة الأمريكية تعويض طهران عن الأضرار التي لحقت بها أثناء الانسحاب، وبالطبع تقديم الضمانات الكافية لعدم تكرار هذه الانتهاكات».

لكن ما نوعية التعويض الذي تريده طهران من الولايات المتحدة؟ وكيف يمكن أن يحدث ذلك؟

قد يتبادر للذهن مباشرةً إلغاء تجميد الأصول الإيرانية، على غرار ما فعلته إدارة باراك أوباما، حين أفرجت عن بعض الأصول الإيرانية المجمدة وأرسلت الملايين من الدولارات إلى إيران على متن طائرة.

دولي

منذ 10 شهور
سيف لا يُغمد أبدًا.. دليلك لفهم العقوبات الأمريكية على إيران وتاريخها

لكن على ما يبدو أن إيران لن تكتفي هذه المرة بهذا التعويض، مصدر حكومي إيراني بارز، تحدث لـ«ساسة بوست»، بشرط بعدم الكشف عن هويته، يقول: «نعلم أنه من الصعب الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وإن كان هذا مطلبًا إيرانيًا واضحًا إلى الآن، لكن هناك الكثير من أشكال التعويض، أولها وأهمها رفع العقوبات غير النووية المفروضة منذ مايو 2018 على إيران، والتعويض المالي عن تفكيك أجهزة الطرد المركزي الجديدة».

انتظرت إيران باقي أطراف الاتفاق من دول أوروبية لتنقذ الاتفاقية وتعوّض إيران، فيما وصفته «بالصبر الإستراتيجي» لعام كامل بعد الانسحاب الأمريكي أحادي الجانب. ولكنها لم تفعل، فلجأت طهران عام 2019 للتقليل من التزاماتها تدريجيًا بشروط الاتفاقية، في خطة من خمس خطوات منها زيادة تخصيب اليورانيوم عن الحد المسموح به في الاتفاق، بالإضافة لتعزيز برنامجها النووي بتركيب أجهزة طرد مركزي متطورة.

ويقول المسؤول الحكومي أن إيران تكبدت كلفًا مالية كبيرة لتطوير أجهزة الطرد المركزي وتركيبها، وفي حال تفكيكها امتثالًا للاتفاقية فستكون الكلفة عالية وعلى الولايات المتحدة تعويض إيران عنها، ويقول: «واشنطن هي التي خرقت الاتفاق النووي، وهي التي صنعت كل هذه التعقيدات، تريد العودة الآن، إذًا فلتتحمل تكاليف أربع سنوات من التوترات».

وربما لن يستطيع بايدن تقديم أي من هذه التعويضات على الإطلاق، ولكن بوسعه بلا شك تخفيف بعض العقوبات الاقتصادية.

وفي هذا الصدد يرى مهدي صفري، الدبلوماسي الإيراني، وعضو فريق المفاوضات النووية في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، أن بايدن لن تكون لديه القدرة على تعويض إيران مهما حدث، ويقول لـ«ساسة بوست»: «بايدن عازم على استكمال طريق أوباما الدبلوماسي، لكن ترامب لن يترك له المجال، طهران مصممة على رفع كافة العقوبات النووية وغير النووية، وهو لن يقدر إلا على تسهيل التجارة الإنسانية مع إيران».

يعتقد صفري أن أقصى ما يستطيع بادين فعله هو منح طهران الإذن بتصدير عدد محدود من براميل النفط الخام بشكل قانوني، ليستطيع الاقتصاد الإيراني المتابعة لمدة قصيرة، ويقول: «يعلم بايدن أن إيران تريد تصدير نفطها بأي شكل من الأشكال، يعطيها 500 ألف أو حتى مليون برميل يوميًا، وهذا لن يرضي القيادة الإيرانية بالطبع».

التفاوض مقابل تصدير النفط 

«إيران تريد تصدير نفطها، والمفاوضات مع واشنطن ستحقق هذا الأمر»، هكذا استهل جمشيد ممتاز حديثه مع «ساسة بوست»، وهو دبلوماسي إيراني وعضو فريق المفاوضات النووية في عهد الرئيس الحالي حسن روحاني.

مع أي نقاش عن تجديد التواصل الدبلوماسي مع إدارة بايدن ينقسم الساسة الإيرانيون إلى معسكرين: معسكر إصلاحي براجماتي، يؤيد فكرة التفاوض والدبلوماسية لتأمين الحصول على عائدات النفط وإخراج البلاد من مأزقها الاقتصادي.

المعسكر الآخر، المحافظون أو المتشددون، يرفضون التفاوض مع الولايات المتحدة.

Embed from Getty Images

متظاهرون إيرانيون أمام المقر السابق للسفارة الأمريكية بإيران، في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، ويوافق التاريخ ذكرى أزمة الرهائن الأمريكيين في إيران بعد اندلاع في إيران عام 1979

يعبّر عن التيار الإصلاحي تصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية بعد إعلان فوز بايدن في الانتخابات الرئاسية: «العودة إلى حصتنا في سوق النفط هي أولوية لإيران، التجارة العادية مع العالم بدون مشكلات هي أولوية لإيران».

يرى المعسكر الإصلاحي أن الوسيلة الوحيدة لضمان استقرار إيران هي بالعودة للاتفاقية النووية، ولذا يرغب بتصدير النفط والانفتاح على الاقتصاد العالمي.

يقول ممتاز: «نعلم جيدًا أن بايدن يريد عودة إيران إلى الامتثال الكامل للصفقة النووية بدايةً لمفاوضات أشمل، وهذا ليس عيبًا، ما الضرر في المفاوضات والدبلوماسية الحقيقية، نريد تحسين أوضاع البلاد في البداية، ولا أعلم لماذا يقاوم البعض داخل إيران هذا الأمر».

لكن ماذا لدى المعسكر الآخر ليخبرنا به؟

«مقاومتنا ناجحة.. لن نخضع للابتزاز»

يرفض المعسكر الأصولي إلى حد كبير التفاوض مع الولايات المتحدة، ويرون أن مقاومة إيران أثبتت نجاحها حتى الآن، ولا يمكن الوثوق مرة أخرى بواشنطن حتى لو تبدّلت الإدارات.

مصدر صحافي مقرب من أحد قادة الحرس الثوري الإيراني، تحدث لـ«ساسة بوست»، عن رؤية هذا التيار الذي يغذّيه عسكريون كثر، فضّل المصدر عدم الكشف عن هويته لدواع أمنية.

يقول: «يريد المحافظون والعسكريون في إيران خوض تجربة المقاومة لآخر نفس، ولا يريدون تدخل الولايات المتحدة في شؤون البلاد، ويعتقدون أن خطة الاتجاه شرقًا من الممكن أن تؤتي ثمارها».

إستراتيجية «الاتجاه شرقا» تعبر عن رغبة المرشد الأعلى لإيران، آية الله علي خامنئي، بأن تنظر إيران للشرق وتتعاون معه، بدلًا عن الاعتماد على الغرب الذي لا يستحق الثقة في نظر خامنئي.

ترى هذه الإستراتيجية أن طهران ستجد منفذًا من العقوبات الأمريكية بتعميق علاقاتها الاقتصادية مع الصين وروسيا وباقي جيرانها.

Embed from Getty Images

جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني مع نظيره الصيني وانج يي

ولكن هذا ليس السبب الوحيد لرفض الأصوليين للمفاوضات. فقد سبق لبايدن أن تحدث عن سلوك إيران الإقليمي وبرنامجها الصاروخي الباليستي أكثر من مرة مؤكدًا أن كلا الأمرين سيطرحان على طاولة المفاوضات لو عادت إيران للاتفاقية النووية.

يرى الدبلوماسي والمفاوض مهدي صفري أن هذا مربط الفرس، وهنا تكمن أهم عقبة أمام تجديد التواصل الدبلوماسي بين البلدين، ويقول لـ«ساسة بوست» أن «القادة الإيرانيين يرفضون فكرة عدم تخصيب اليورانيوم تمامًا، ومعروفٌ للجميع رفض إيران للتفاوض على برنامجها الصاروخي، وإذا تمسكت الإدارة الأمريكية الجديدة بهاتين المسألتين، فيجب أن ينسى الجميع أمر الاتفاق النووي».

وترى الفصائل السياسية المحافظة والقادة العسكريون في إيران أن طرح واشنطن لفكرة حرمان إيران من تخصيب اليورانيوم، والتفاوض على برنامجها الصاروخي، ابتزاز أمريكي صريح لن يوافق أحد داخل إيران عليه.

ويقول السيد حسين بهشتي بور، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة طهران، لـ«ساسة بوست»: «للوهلة الأولى يبدو أن الأمر مستحيل، لكنه كان مستحيلًا منذ 12 عامًا أن تتفاوض إيران والولايات المتحدة مباشرة، وأعتقد أن الموضوع يحتاج إرادة سياسية من الطرفين».

ويرى بهشتي أن بايدن يمتلك هذه الإرادة السياسية، فهو لا يريد فقط الحفاظ على إرث أوباما حين كان بايدن نفسه نائبًا له، بل يريد الفوز بنصر دبلوماسي كبير بإعادة واشنطن للاتفاق النووية.
Embed from Getty Images
صاروخ باليستي إيراني في استعراض عسكري عام 2011

هل تنتهي الآمال برحيل روحاني؟

رغبة الرئيس الإيراني حسن روحاني في التفاوض وعدم إغلاق باب الدبلوماسية رغبة واضحة، ولكن روحاني الذي يقترب من نهاية ولايته الثانية سيترك منصبه في أغسطس (آب) 2021، وسيكون الرئيس القادم الذي يفوز بالمنصب في انتخابات يونيو 2021 هو المتحكم في زمام الأمور.

ولذا يبدو أن فرص بايدن تضيق مع تقدم الوقت خاصةً مع تصاعد التوقعات في السياسة الإيرانية بقدوم رئيس من المعسكر المحافظ، أو من الحرس الثوري الإيراني.

وفي الغالب ستكون إيران في الأشهر الأولى لإدارة بايدن متحفظةً وحذرة، ولو كان ذلك على عكس رغبة روحاني.

فهل يمكن القول إنه لا مجال لبدء التفاوض بين البلدين خلال الأشهر القليلة القادمة؟ الإجابة تبدو في كثير من الأحيان: «نعم، لا مجال لذلك»، ولكن تلمع بارقة أمل تتمثل في عودة مبدئية حذرة للاتفاقية النووية، أو المحافظة على الوضع الراهن الرمادي.

يقول استهل جمشيد ممتاز لـ«ساسة بوست»: «أغلب الظن أن الرئيس القادم من المعكسر الأصولي، لذا يجد بايدن وروحاني الراغبين في التفاوض أنفسهم أمام أزمة الوقت، يمكن التغلب عليها بالقليل من الأمور؛ يعمل بايدن على رفع بعض العقوبات النووية عن إيران؛ ما يسمح لإدارة روحاني بتنفس الصعداء والإبقاء على الوضع الحالي، إلى أغسطس القادم».

وفي حال طبق هذا السيناريو سيكون على إيران التراجع عن خطتها ذات الخمس خطوات، وأن تمتثل بشكل كامل للاتفاق النووي، وتتخلى عن تطوير، واختبار أجهزة الطرد المركزي المتقدمة.

وحتى لو تم ذلك قد يواجه بايدن قيادة جديدة متشددة لا تثق بالولايات المتحدة.

وهذا ما عبر عنه السيد علي أكبر رائفي بور، السياسي الأصولي البارز، في حديثه لـ«ساسة بوست»، قائلًا: «أعطني سببًا واحدًا يجعلنا نثق مرة أخرى في أمريكا، الديمقراطيون لا يختلفون عن الجمهوريين، بل العكس، يصعب التفاوض مع الديمقراطيين لكثرة تدخلهم في شؤون البلاد الداخلية، من ملف حقوق الإنسان والإرهاب وما إلى ذلك، هذه أمور تصعب التفاوض مرة أخرى مع أمريكا».

«بعبع» إيران والتطبيع الخليجي

في 12 نوفمبر 2020، وفي كلمة ألقاها الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، دعا العالم إلى اتخاذ موقف حازم وصارم ضد البرامج النووية والصاروخية لإيران وسياساتها الإقليمية، قائلًا: «إن المملكة العربية السعودية، تدعو المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم ضد النظام الإيراني».

وشدد الملك سلمان على أهمية ضمان عدم حصول النظام الإيراني على أسلحة الدمار الشامل وتهديد السلام والاستقرار في المنطقة.

ويبدو أن إعلان فوز بايدن لم يكن مبشرًا للسعودية التي تأخرت كثيرًا في تهنئة الرئيس الجديد بفوزه.

Embed from Getty Images

الرئيس الأمريكي باراك أوباما وحلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي، في القمة الأمريكية الخليجية في مايو 2015

وانتقدت السعودية بشكل دائم الاتفاق النووي باعتباره إرثًا معيبًا لباراك أوباما في الشرق الاوسط. ورحبت دول خليجية مثل الإمارات والبحرين بمهاجمة ترامب لهذه الصفقة النووية والانسحاب منها، ودخول بايدن للبيت الأبيض يعني استرجاع إرث أوباما «المعيب» والذي يرون أنه يسمح لإيران بتوسيع نفوذها.

وفي هذا المشهد يقف حلفاء أمريكا بالشرق الأوسط في نفس الخندق مع إسرائيل ضدّ تحسن العلاقات الإيرانية الأمريكية.

ويقول ممتاز لـ«ساسة بوست»: «لا يمكن لبايدن تجاهل إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وعليه أن يختار ما بين مواجهة الحلفاء بالكثير من الصبر، أو الوقوف معهم في عداء إيران، وكلا الخيارين سيكلفان المنطقة ثمنًا باهظًا».

أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فقد بذل جهودًا كبيرة في عهد أوباما لحثه على معاقبة إيران والضغط عليها، ليتحرك أوباما نحو إبرام الاتفاق النووي مع إيران بمشاركة قوى عالمية عدّة. وربما ارتأت إدارة أوباما أن احتواء إيران أسهل من مواجهتها.

تل أبيب وأبوظبي والرياض، هذه العواصم الثلاث ترى أن كل المحاولات السابقة لكبح جماح إيران ستبوء بالفشل مع فوز بايدن وحديثه عن التفاوض مع طهران.

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب له بالكونجرس الأمريكي، الخطاب الشهير الذي انتقد فيه سياسة إدارة أوباما في الملف النووي الإيراني

ويعلق استهل جمشيد ممتاز لـ«ساسة بوست»، قائلًا: «هذا الهلع الخليجي الإسرائيلي من مجرد فكرة التفاوض بين واشنطن وطهران لا صحة له، فلا يمكن للولايات المتحدة التخلي عن تل أبيب أو حلفائها في الخليج، وسيحافظ بايدن على التطبيع بينهم، وإيران على عكس ما يشاع عنها من هذه الدول، دعت إلى إقرار الحوار والتفاهم في المنطقة أكثر من مرة».

عقب فوز بايدن بعث وزير الخارجية الإيراني ظريف برسالة لدول المنطقة تحمل نفس الدعوة التصالحية، وكتب في تغريدة له «إن ترامب سيرحل خلال 70 يومًا، لكننا سنبقى هنا إلى الأبد، الرهان على الغرباء لتوفير الأمن ليس مقامرة جيدة، نمد أيدينا لجيراننا للحوار لحل الخلافات».

وبالطبع جاءه الرد السعودي بكلمة الملك سلمان، التي تخبره وتخبر الساكن القادم للبيت الأبيض أنه لا مجال لعقد صفقة نووية جديدة مع إيران دون مراعاة الخليج.

أوروبا تستبشر بقدوم بايدن

بعد فوزه بالانتخابات بأيام قليلة طلب بايدن من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون العمل سويًا على ملف النووي الإيراني.

ومن الجدير بالذكر أن ماكرون حاول سابقًا التوفيق بين واشنطن وطهران، وحاول إقناع روحاني بالتحدث مع ترامب، ولكن مساعيه فشلت.

وتحدث عدد من القادة الأوروبيين عن رغبتهم في العمل مع إدارة بايدن لحل مسألة الاتفاق النووي الإيراني.

وبالرغم من حماس الأوروبيين لإزالة العقبات بين واشنطن وطهران للعودة للاتفاق النووي، إلا أنهم يرون مشاكل صعبة وضعتها إدارة ترامب بفرض العديد من العقوبات غير النووية.

Embed from Getty Images

جو بايدن، مرشح الحزب الديمقراطي الفائز بانتخابات الرئاسة الأمريكية 2020 

وفي نفس الوقت تشير تحليلات إلى أن حزمة تعويضات اقتصادية لإيران من الدول الأوروبية ستفتح باب الثقة من جديد لمناقشة اتفاق نووي.

ويقول السياسي الإصلاحي عبد الله رمضان زاده لـ«ساسة بوست»: «في عهد ترامب وقفت الدول الأوروبية مكتوفة الأيدي، ولم تنقذ الاتفاق النووي، وأعتقد أنه قد حان الوقت لبذل الجهد من جانبهم، خاصة في ظل وجود إدارة بايدن المنفتحة على الاتفاق النووي، فمن الممكن أن تكون أوروبا أحد أهم عوامل إذابة الجليد حول الصفقة النووية».

«التفاوض ليس مستحيلًا.. ولكن ليس رومانسيًا»

لم تنجح سياسة الضغط الأقصى التي اتبعتها إدارة ترامب تجاه إيران في تحقيق هدفها المعلن: إجبار طهران على التفاوض مرة أخرى وعقد صفقة جديدة، ولكنها نجحت في إيجاد الكثير من المعطيات السياسية التي تجعل الطريق أمام إحياء الدبلوماسية مرة أخرى بين البلدين مليئًا بالعقبات والمصاعب.

ولكننا ما زلنا أمام حقيقة رغبة كلٍ من واشنطن وطهران في التفاوض، وإحياء الصفقة النووية مرة أخرى، بالرغم من جميع العقبات التي ناقشناها في هذا التقرير.

يقول جمشيد ممتاز، الدبلوماسي الإيراني، والذي شارك في الكثير من المفاوضات الدبلوماسية بين بلاده والقوى العالمية، «لا يوجد مستحيل، لكن الأمر ليس رومانسيًا كما يتوقع البعض، أؤمن بوجود صفقة جديدة في المستقبل، نعم ستحتاج سنوات وسنوات، لكن المحاولة السابقة أثبتت أن الدبلوماسية مهما طال طريقها فهي الحل الأمثل لجميع الأطراف».

ربما نشهد في المستقبل القريب تعاونًا طفيفًا بين واشنطن وطهران، ومحاولات صغيرة لتهدئة الأمور والتمهيد لمفاوضات أشمل وأوسع.

لذا فمن الممكن أن نشهد قيام إدارة بايدن بتخفيف بعض العقوبات المفروضة على إيران، وفي المقابل تقوم طهران بالعودة إلى الامتثال غير الكامل بشروط الاتفاق النووي.

ففي النهاية تريد إيران رفع العقوبات وممارسة حقها في تصدير النفط، والخروج من العزلة الاقتصادية، وتأمل أمريكا بإنهاء صراعات الشرق الأوسط أو تهدئتها، وهكذا يبدو أن الوصول إلى حل مربح لجميع الأطراف مسألة وقت ورغبة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد