ملايين القراء عبر العالم، ملايين المتابعين.. أغلب رؤساء العالم، زعماء ثورات وشعوب، صحفيون، شعراء وحتى رؤساء سابقون، هؤلاء جميعًا قرأوا وسمعوا أمس الأول الخميس خبر وفاة الحكاء الأهم في العالم والأعظم في تاريخ أمريكا اللاتينية، جابرييل جارسيا ماركيز، فأغلب رؤساء العالم وكتّابه نعوا ماركيز بداية من رئيس الولايات المتحدة وحتى رئيس بيرو.

“إن الحياة ليست ما يعيشه أحدنا، وإنما هي ما يتذكّره، وكيف يتذكّره ليرويه”

من أين يأتي الحكي؟

يستطيع ماركيز أن يحدثنا عن كيفية الحكي، أو بالأحرى كيف يأتي الحكي، لكننا سنذكر هذه القصة التي ذكرها زميله في صحيفة “آل إسبكتادور”؛ يذكر فيديل كانو، مدير الصحيفة الحالي، أنَّ القصة الرئيسية لرواية ماركيز “أجمل غريق في العالم” كانت عندما نجى أحد البحارة من الغرق، وحين وصلت قصة هذا البحار للصحيفة لم يهتم بها أحد لأنها كانت قد اشتهرت، وحده ماركيز استطاع أن يجلس إلى هذا البحار ويسمع منه جيدًا فاكتشف الفضيحة الكبيرة المرتبطة بالتهريب وراء حادث الغرق، وكانت هذه القصة هي العمود الأساسي لروايته، هذه الطريقة لم تكن فقط في روايته تلك وإنما في أشهر رواياته كان ماركيز يستلهم ذلك الخيط الدقيق الذي تنتهي منه القصة ليحبك سرديته الروائية وفق قوانينه الخاصة، وقد ذكر ماركيز أن روايته الأشهر “مائة عام من العزلة” كانت امتدادًا لطفولته التي عاشها في كنف جدته.

جعل ماركيز العالم يحب كولومبيا، تعليق الرئيس الكولومبي على وفاة ماركيز

ماركيز “غابو” صحفيًّا

غابو هو الاسم المشهور به ماركيز في دولته كولومبيا، فقد بدأ غابو كصحفي وقال عن الصحافة إنها أحلى مهنة في العالم، وفي إحدى ورش العمل التي كان يدرّسها ماركيز – والخاصة بمؤسسته – ذكر ماركيز أنه يتحسر على ما آلت إليه مهنة الصحافة في العصر الحالي.

غابو 1984

وحسب تقارير فإن الصحافة هي التي أعطت “غابو” هذا المعين الذي لم ينضب من الحكايات، بل إن اهتمام ماركيز بفن التحقيق الصحفي ساهم في بلورة كتابته الروائية، وكان اهتمام ماركيز بالتفاصيل الميزة الأهم بين أقرانه في الصحيفة، فاهتمامه بالتفاصيل وولعه بها أعطياه الفرصة ليخرج بقصه لم يخرج بها أي من زملائه، وكانت آخر إسهامات غابو الصحفية عام 1999 خلال مفاوضات السلام التي جمعت بين الحكومة الكولومبية ومتمردي فارك الشيوعيين في جنوب البلاد.

الخيال أم الواقع؟

كانت بلدة إراكاتكا في مقاطعة ماغدالينا الكولومبية – حيث ولد ماركيز – نموذجًا لبلدة ماكوندو تلك البلدة المحاطة بأشجار الموز على سفح جبل نيفادا في روايته الأشهر على الإطلاق “مائة عام من العزلة”.

يكتب ماركيز على طريقة “الواقعية السحرية” التي تمتزج في داخلها الأساطير والسحر والشعوذة بالواقع المعاش.. ففي طفولته عاش ماركيز مع جدته وجده فترة طويلة كان لها أكبر الأثر في تكوين هذه العقلية الأدبية.

 “للأشياء حياتها الخاصة بها.. وما القضية سوى إيقاظ أرواحها
على لسان الغجري ملكيادس / مائة عام من العزلة”

لوحة تذكارية لماركيز ـ باريس

كانت جدة ماركيز ترانكيلينا أجواران كوتس منبع حكاياته، أو على الأقل المصدر الرئيسي الذي بلور من خلاله ماركيز قصصه ورواياته، فقد أسماها الجدة مينا، ووصفها “غابو” بأنها “امرأة الخيال والشعوذة”، التي تملأ البيت بقصص الأساطير والأشباح والهواجس، هذا من حيث كلام ماركيز عن جدته، أما من خلال رواياته فنستطيع أن نلمح هذه الشخصية الكبيرة في السن والتي تؤمن بالأساطير والحسد والشؤم، ففي روايته الصغيرة “قصة موت معلن” كانت أم البطل هي هذه الشخصية بالتحديد؛ حيث كانت تهتم بتفسير الأحلام وما إلى ذلك.


في المكسيك 2009

كان كل ما فعله ماركيز هو أنه كان يتلمس من الواقع خيوط قصصه وينسجها في خياله نسجًا محكمًا، جعله رائد الواقعية السحرية في العالم، فاستطاع ماركيز أن يربط بلدة ماكوندو السابقة الذكر في روايته “مائة عام من العزلة” بالعالم أجمع؛ حيث تُرجمت هذه الرواية إلى أكثر من 25 لغة وبيع منها ما يعادل 30 مليون نسخة حول العالم، حسب بعض الأرقام التقريبية، وبعض الأرقام تتحدث عن 50 مليون نسخة.

مارثيدس بارشا الحبيبة والزوجة ورفيقة العمر

في سن الثالثة عشر، وعندما كان “غابو” في إحدى زياراته لوالديه رأي مارثيدس ورغم أنه كان في الثالثة عشر فقط فقد تطور التعارف بينهما إلى وعدٍ بالزواج، وعندما أتم غابو دراسته عام 1958 تزوج من مارثيدس، وبعد عام من زواجهما أنجبا ابنهما الأول رودريغو الذي أصبح مخرجًا سينمائيًّا، وأنجبا غوانزالو وهو مصمم جرافيك يعيش في المكسيك، وكانت إهداءات ماركيز لزوجته مرثيدس أول ما تقع عليه أعين قرائه حين يفتحون روايته خريف البطريك.

“مع مارثيدس 2010”

“مارثيدس بارشا كانت من أصول عربية، جدها كان مصريًّا ـ لبنانيًّا من الإسكندرية، قبطي، سافر إلى كولومبيا واستوطن بها ونال بها الجنسية”

غابو والعرب

علاقة ماركيز بالعرب تتخطى بطل روايته قصة موت معلن “سانتييجو نصار” الذي كان أبوه عربيًّاً، فقد عُرف ماركيز بموقفه المعادي لاسرائيل، بل إنه كان يمتلك علاقة صداقة قوية مع رئيس السلطة الفلسطينية الراحل ياسر عرفات.

وفي فرنسا، في سان جيرمان، وأثناء خروج غابو من دار للسينما يصادف وجود رجال الشرطة الفرنسية الذين اقتادوه مع جزائريين إلى مقر الشرطة، اعتقادًا من الشرطة الفرنسية أنه أحد الجزائريين الذين يتظاهرون ضد الاحتلال الفرنسي للجزائر.

صحفيًّا بعد هذه الحادثة قام ماركيز بكتابة عدة تقارير وتحقيقات حول الجزائر وحرب قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر 1956.

في العام 1982 نشر ماركيز بيانًا عن مجزرة صبرا وشاتيلا، وندد فيه بإجرام الاحتلال الاسرائيلي بحق الفلسطينيين، كما رفض اقتحام قوات الاحتلال الاسرائيلي للمدن الفلسطينية عام 2002، في بيانه سابق الذكر ندد ماركيز بمواقف الكتاب والمثقفين الصاميتن حول العالم على انتهاكات اسرائيل ووقع بيانه منفردًا، وقال في آخر البيان: “لكل هؤلاء أقول أنا جابرييل جارسيا ماركيز أوقع على هذا البيان منفردًا”.

ماركيز وعلاقات قوية مع زعماء ورؤساء

إضافةً إلى كون ماركيز كان يتمتع بعلاقة جيدة مع الراحل ياسر عرفات، كان غابو يتمتع بعلاقات جيدة مع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وكانت له علاقة صداقة مع الزعيم الشيوعي التشي غيفارا والزعيم الكوبي فيديل كاسترو، ولغابو مواقف عديدة مع كاسترو، ما أدى إلى انتقاده في بعض الأحيان، كما أنه ولقيمته الكبيرة كان وسيطًا بين الحكومة الكولومبية وتنظيم الفارك الشيوعي المعادي للحكومة في جنوب كولومبيا.

عائلة ماركيز أعلنت أن جثته ستحرق وفق مراسيم خاصة لم تعلن تفاصيلها  بعد، كما كانت حياته غير عادية، كانت نهايته كذلك!

“ماركيز في بيته عام 2000”

من نافلة القول حين يتحدث التقرير عن ماركيز أن يُذكر أنه قد نال جائزة نوبل للأدب عام 1982، وكذلك من نافلة القول الحديث عن الملايين التي بيعت بها روايته الأشهر “مائة عام من العزلة”، لكنه ليس من نافلة القول أن يقول الشاعر التشيكي بابلو نيرودا عن رواية ماركيز “مائة عام من العزلة” إنها “أعظم انجاز أدبي بعد رائعة ثربانتس دون كيخوته”.

“لن يتذكرك الناس من أجل ما تضمر من أفكار، فاطلب من الرب القوة والحكمة للتعبير عنها، وبرهن لأصدقائك ولأحبائك كم هم مهمون لديك” هكذا قال ماركيز، ويبدو أنه قد طبق ما قال بحذافيره.

عرض التعليقات
تحميل المزيد