هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

شهد العالم العربي عام 2003 العديد من التطورات السياسية الكبيرة، وعدا عن الغزو الأمريكي للعراق، يبرز التوجه الجديد لليبيا آنذاك، بقيادة العقيد معمّر القذافي، للانفتاح على الغرب والخروج من العزلة الدولية التي عانت منها ليبيا لسنوات طويلة.

ولتحقيق هذه الغاية انتهج القذافي عدّة أساليب منها تصفية الخلافات القانونية مع دول غربية، ومنها دعم شخصيات سياسية أوروبية ليوفّروا لنظام القذافي غطاءً دوليًّا.

وفي سياق هذه الحملة لفتح بلد عربي ضخم بموارد نفطية ثرية، لمعَت دولارات النفط في عيون مثقفين وأكاديميين أوروبيين وأمريكيين كبار، بعضهم من أشهر أساتذة العالم، منهم المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما، وعالم الاجتماع البريطاني أنتوني جيدنز.

في هذا التقرير نستعرض استئجار نظام القذافي لشركات ضغط سياسي أمريكية، وشركات علاقات عامة، لاستقدام مفكرين دوليين كبار لخيمة القذافي، جزءًا من حملة دولية لتلميع القذافي وتحسين صورته أمام العالم.

القذافي يعرض نفسه على العالم مرة أخرى

شهدت ليبيا خلال فترة التسعينيات وحتى 2004 عزلة دولية شديدة، قادتها البلدان الغربية ضد نظام القذافي، متهمةً إياه بعدّة أعمال عنف استهدفت مواطنين غربيين، أبرزها إسقاط طائرة تابعة لشركة «بان أميريكان» الأمريكية التي راح ضحيتها 259 شخصًا معظمهم أمريكيون.

بالإضافة لتفجير ملهى في برلين عام 1986، راح ضحيته ثلاثة قتلى و260 جريحًا، ما ألصق بنظام القذافي تهمة مساندة «الإرهاب» الدولي، وفي هذا السياق تحرك مجلس الأمن الدولي ليقرّ عقوبات ضد نظام القذافي في سنة 1992.

منذ 2003، سعى نظام القذافي للخروج التدريجي من العزلة الدولية المفروضة عليه، وذلك بتصفية القضايا العالقة بينه وبين البلدان الغربية، ويرجع المحللون ذلك إلى خوف القذافي من مصير صدام حسين وما حصل للعراق بعد احتلال أمريكا له في 2003.

وفي إطار سياسة الانفتاح هذه، تخلّت ليبيا رسميًّا عن مشروعها النووي، وأفرج عن الممرضات البلغاريات المتهمات بحقن أطفال ليبيين بدم ملوّث بفيروس الإيدز. واعترف النظام بمسؤوليته عن إسقاط الطائرة الأمريكية «بان أميريكان» المعروفة بـ«قضية لوكربي» وتعويض الضحايا بمبلغ 2 مليار و700 مليون دولار، مقابل رفع اسم ليبيا من قوائم الدول الراعية للإرهاب، وعودة الشركات الأمريكية للاستثمار في مجال البترول.

Embed from Getty Images

الزعيم الليبي معمر القذافي، مع الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، ويُذكر أن القذافي موّل حملته للانتخابات الرئاسية بفرنسا.

بالتوازي مع ذلك، سعت ليبيا لكسب رضا مسؤولين أوروبيين كبار، فمثلًا موّل القذافي الحملة الرئاسية للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، وضخّ استثمارات في إيطاليا، وأثمرت هذه الاستراتيجية بزيارة عدة مسؤولين غربيين لطرابلس، من بينهم رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني، ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، والرئيس الفرنسي السابق ساركوزي، وذهب القذافي بزيارة رسمية إلى فرنسا بعد فوز ساركوزي بالرئاسة سنة 2007.

كيف سوّقت ليبيا لسياستها الانفتاحية من بوابة واشنطن

تكشف ملفات وزارة العدل الأمريكية تفاصيل العقود التي وقّعها النظام الليبي مع شركات العلاقات العامة للتسويق لنفسه وإعادته للساحة الدولية، من بين هذه العقود، عقد وُقع بين اللجنة الشعبية العامة الليبية، و«مونيتور جروب – Monitor Company Group»، والتي تكفّلت باستقدام عدّة أسماء ثقيلة في عالم الفكر والأكاديميا لزيارة ليبيا، وعقد لقاءات شخصية مع معمر القذافي.

بدأ العقد مع الشركة في الأول من مايو (أيار) 2006، ويأتي باسم «اللجنة الشعبية العامة» وهي الهيئة التنفيذية للسلطة في ليبيا، أي الحكومة الليبية.

وقد وقّع على العقد من الجانب الليبي، عبدالله السنوسي الرجل الثاني في النظام، وذراع معمر القذافي الذي شغل منصب قائد المخابرات العسكرية. وتشير عدّة مصادر صحافية لارتكابه لانتهاكات حقوقية حين عمل مسؤولًا أمنيًّا في النظام الليبي، بالخصوص مجزرة سجن أبو سليم سنة 1996 التي راح ضحيتها قرابة 1200 من المعتقلين السياسيين.

بالإضافة لاتهامه بالتورّط في تفجير طائرة «يو تي آي» الفرنسية؛ وبعد الثورة قبض عليه في مطار نواكشوط في موريتانيا، ونُقل إلى ليبيا حيث حكم عليه بالإعدام رميًا بالرصاص، ولكن ما زال مسجونًا حتى الآن وتطالب قبيلته، المقارحة، بالإفراج عنه.

ومن جانب الشركة، وقّع على العقد ستيفن جينينجز، مدير في الشركة. وقد استمر العقد حتى 7 يناير (كانون الثاني) 2011، وبلغت قيمة الرسوم التي دفعها نظام القذافي للشركة 6 ملايين و721 ألف دولار أمريكي.

أكاديميون وأستاذة جامعيون لمناقشة «الكتاب الأخضر»

ريتشارد بيرل.. داعية حرب العراق

يأتي اسم ريتشارد بيرل من الشخصيات التي استقدمتها الشركة إلى ليبيا في زيارتين، وجمعته لقاءات مع معمر القذافي، وعبد الله السنوسي، وتكشف الوثائق حصوله على 111 ألف دولار أمريكي مقابل زياراته لليبيا.

عملَ بيرل رئيسًا لمجلس سياسة الدفاع، وهو مجلس استشاري لوزارة الدفاع الأمريكية، مكوّن من مدنيين لمناقشة شؤون عسكرية ودفاعية، وهو صديق مقرب لدونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي الذي أشرف على حرب العراق.

ويعرف عن ريتشارد بيرل أنه أحد رموز تيار «المحافظين الجدد»، وأحد مهندسي حرب العراق. وواجه انتقادات شديدة في الصحافة الأمريكية دفعته للاستقالة من منصبه، بعد اتهامه بالتربّح من الحرب العراقية وتعارض المصالح بين دعوته إلى احتلال العراق وعلاقاته بالمتعاقدين الحربيين وشركات الأسلحة.

Embed from Getty Images

ريتشارد بيرل، من رموز تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة ومن دعاة الحرب في العراق، زار ليبيا مرتين واجتمع بالقذافي.

وفي لقاء بيرل مع القيادة الليبية، نوقشت عملية السلام في الشرق الأوسط، وتطورات حرب العراق ومكافحة «التطرف الإسلامي»، ومستقبل العلاقات الأمريكية الليبية، وحاجة ليبيا لتحسين ملفها في حقوق الإنسان.

أما في الزيارة الثانية لبيرل نوقشت خطوات يمكن أن يفعلها النظام مع المجتمع اليهودي بليبيا وعلاقته بالمسلمين وبالشرق الأوسط.

أنتوني جيدنز.. عالم اجتماع ومستشار توني بلير

أنتوني جيدنز هو اسم لامع في مجال علم الاجتماع، عمل جيدنز أستاذًا في جامعة كامبريج ثم مديرًا لجامعة لندن للاقتصاد، وعمل مستشارًا لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير.

لجيدنز إسهامات مهمة في النظرية الاجتماعية، خصوصًا نظريته لتفسير السلوك البشري وعلاقته بالبنية والفردانية، كما تناول في أعماله مسألة الحداثة، وروّج لمفهوم «الطريق الثالث»، لإنهاء الاستقطاب بين الرأسمالية والاشتراكية.

وكان جيدنز من الشخصيات الأكاديمية التي زارت ليبيا بتنسيق من الشركة، وفي الزيارة، بين 28 و30 يوليو (تموز) 2006، ألقى جيدنز محاضرات في جامعة الفاتح بليبيا، والتقى بأكاديميين ليبيين، من بينهم يوسف الصواني مدير مؤسسة القذافي، وشخصيات من النظام الليبي من بينهم عبدالله السنوسي.

وتكشف الوثائق حصول جيدنز على 67 ألف و470 دولار أمريكي من الشركة مقابل زيارة ليبيا.

ركز جيدنز في محاضراته على الديمقراطية والعولمة، والمساواة والحرية والنمو الاقتصادي، بالإضافة إلى المشاركة السياسية وذم الفقر والتسلط الحزبي. التقى عالم الاجتماع مع معمر القذافي وتناقشا في سبل النمو الاقتصادي الليبي وانفتاح ليبيا على العالم الخارجي.

وقد نشر جيدنز مقالة في صحيفة «الجارديان» البريطانية عن زيارته، مدح فيها إصلاحات القذافي الاقتصادية وأشار لامتلاكه شعبية حقيقية في صفوف الشعب الليبي، وانتقد غياب الديمقراطية وحرية التعبير، ولوّح إلى أن القذافي يمكن أن يحمل مشروع التغيير، وأضاف جيدنز أن أمنيته أن تصبح ليبيا نرويج شمال أفريقيا، بعد عقدين أو ثلاثة.

Embed from Getty Images

أنتوني جيدنز، عالم اجتماع بريطاني ترأس كلية لندن للاقتصاد، ومستشار سابق لتوني بلير، رئيس الوزراء البريطاني، زارَ ليبيا مرتين واجتمع بالقذافي.

فوكوياما.. منظّر الديمقراطية الليبرالية مع صاحب الكتاب الأخضر

لعل أبرز الأسماء المعروفة عالميًا التي نجحت الشركة في استقدامها إلى ليبيا، المنظر السياسي الأمريكي فرانسيس فوكوياما، أحد أبرز المفكرين السياسيين الحديثين، واشتهر بكتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، الذي يناقش فيه انتصار الفكر الليبرالي في عالم ما بعد الحرب الباردة.

زار فوكوياما ليبيا مرتين، وأخذ مقابل زياراته 80 ألف دولار بحسب الوثائق.

صورة لقائمة بنفقات الشركة، ويظهر فيها تلقّي فوكوياما 40 ألف دولار، الدفعة الأولى من أصل 80 ألف أخذها من الحكومة الأمريكية. الدفعة الأولى في ديسمبر 2016، والثانية في مارس 2017. المصادر: موقع وزارة العدل الأمريكية (1)، (2).

الزيارة الأولى بين 14 و17 أغسطس (آب) 2006، والثانية في 12-14 يناير (كانون الثاني) 2007، وفي زياراته ألقى محاضرات في مقر جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، وتحدث في محاضراته عن الاتساع المستمر للسوق الحرة والديمقراطية، وعن دور المرأة في التنمية الاقتصادية وفي الإصلاح الديمقراطي.

زيارة المنظّر الأمريكي شهدت لقاءات مع عدّة قيادات ليبية، منها القذافي والسنوسي، وفي اجتماعه مع القذافي تحدثا في توزيع الثروة الاقتصادية في ليبيا، وناقشا كتاب جون لوك عن الملكية واللامساواة الاقتصادية، وأخيرًا دور القوة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، ومخاطر انتشار «الإسلام الراديكالي».

تضم القائمة مسؤولين آخرين، منهم ويوسف صواني، المدير التنفيذي لمؤسسة القذافي للتنمية، بالإضافة لشخصيات من «اللجنة الدستورية»، من بينهم الأستاذ بكلية الاقتصاد بجامعة قاريونس زاهي المغربي، وشخصيات أخرى ذكرت في الوثائق هي: إبراهيم بوغازي، والبروفيسور مهادبي، دون تعريف بمن يكونون.

فلسفة

منذ سنة واحدة
نظّر إلى «نهاية التاريخ» وساعد نظام القذافي.. فرانسيس فوكوياما «الفيلسوف المثير للجدل»

شيخ صوفي وعالم من «إم آي تي»

وضمّت الزيارات نيكولاس نيجروبونت، الأستاذ الجامعي في معهد «إم آي تي (MIT)» الأمريكي الشهير.

وهو مهندس معماري وصاحب مبادرة «حاسب محمول لكل طفل»، وقد ساهم القذافي فيها بالدعم المالي. وهو شقيق جون نجيروبونت، دبلوماسي أمريكي عريق عمل سفيرًا في عدة دول منها العراق، وكانت له زيارة إلى ليبيا– وفي زيارة نيكولاس نجروبونت لليبيا التقى مثل غيره بالقذافي والسنوسي.

على القائمة اسم لشخصية دينية، محمد هشام قباني، شيخ صوفي أمريكي من أصول لبنانية، التقى بالقذافي والسنوسي، وبشيوخ دين ليبيين منهم محمد الشريف، وناقش في اجتماعاته إمكانية تحسين العلاقات الأمريكية الليبية، والصوفية بديلًا عن «الإسلام الراديكالي». وتكشف الوثائق حصوله على 20 ألف دولار مقابل زيارته لليبيا، و3 آلاف دولار لدفع نفقاته أثناء السفر.

وقد اكتسب الشيخ الصوفي اهتمامًا كبيرًا من الجهات الرسمية والإعلامية في الولايات المتحدة، إذ حذّر قبل سنتين من أحداث 11 سبتمبر 2001 من خطر حدوث أعمال عنف وأن «الفكر المتطرف» يغزو أوساط مسلمي أمريكا حسب قوله، وهو ما جعل الإعلام يسترجع هذه التصريحات بعد هجمات نيويورك ويحتفي به باعتباره أول مسلم يحذّر من «خطر الإرهاب».

ونظّمت الشركة زيارة لأستاذ العلوم السياسية والكاتب بنجامين باربر، وقد عُرف باربر بكتابه: «الجهاد ضد عالم ماك»، والذي يقدم فيه أطروحة تقول بأن العالم في سنة 1995 تحرّكه قوّتان متضادتان مهددتان للديمقراطية، وهما العولمة التي جاءت بها الرأسمالية، والجهاد.

وبحسب الوثائق، أخذ باربر 101 ألف و789 دولار أمريكي مقابل زيارته.

ويذكر أنه عملَ مستشارًا للرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وفي زياراته لليبيا ألقى محاضرات في مركز الكتاب الأخضر، والتقى مسؤولين ليبيين من بينهم عبدالله السنوسي، ويوسف صواني، وأمل عبيدي، كما التقى بالقذافي وناقشا إمكانية تطبيق أفكار الكتاب الأخضر على ليبيا الحديثة.

Embed from Getty Images

بنجامين باربر، منظّر أمريكي ممن اجتمعوا بالقذافي، وأشاد به وبنجله سيف الإسلام، وامتدح التوجه الجديد للنظام الليبي

وبعد عودته إلى الولايات المتحدة، كتب بابر مقالة في صحيفة «واشنطن بوست» يمتدح فيها القذافي وإصلاحاته ويصفه بالمفكر المتأقلم، ووصف فيها ابنه سيف الاسلام بالموهوب، وامتدح بشدة النهج الجديد للنظام الليبي بعد إنهاء الملفات العالقة مع الغرب مثل قضية لوكربي والممرضات البلغاريات والتخلي عن البرنامج النووي.

ودافع عن لقاءاته هو وباقي الأكاديميين والمفكرين بالقذافي وأكّد عن وجود نية حقيقية للإصلاح لدى النظام الليبي، وذلك بعد الانتقادات الحادة التي تعرّض لها هؤلاء بسبب دعمهم لنظام ديكتاتوري.

برنارد لويس وسلوتر.. مؤيدو غزو العراق في خيمة القذافي

لعل برنارد لويس هو أثقل شخصية في القائمة من الأكاديميين الغربيين الذين اجتمعوا بالقذافي والسنوسي.

لويس من كبار المختصين الغربيين بتاريخ الإسلام والشرق الأوسط، والدولة العثمانية تحديدًا، خدم في الجيش البريطاني وفي الاستخبارات خلال الحرب العالمية الثانية، ثم انتقل لأمريكا ليعمل أستاذًا فيها.

ألف لويس عدة كتب عن الشرق الأوسط والإسلام، وكان مستشارًا للرئيس الأمريكي جورج بوش ومؤيدًا شرسًا لحرب العراق، ولمقولاته وتحليلاته للمنطقة وزنٌ وتأثير كبير في الإعلام والأكاديميا الغربية، ويرى لويس حتمية الصدام بين الحضارتين الغربية والإسلامية، وهو من النخبة الغربية التي قدّمت تبريرات فكرية وأخلاقية للحضور الغربي في الشرق الأوسط.

وفي زيارته ناقش معه القذافي عملية السلام الإسرائيلي الفلسطيني، والسياسة بالشرق الأوسط وتاريخها، وخطر «الإسلام الراديكالي». ولاحقًا قال برنارد لويس أن القذافي ناقشه بسيناريو تأسيس دولة واحدة للإسرائيليين والفلسطينيين، باسم «إسراطين».

Embed from Getty Images

المؤرخ والأكاديمي برنارد لويس، أحد مؤيدي حرب العراق ومستشار لجورج بوش، وممن زاروا القذافي. 

ونسّقت الشركة لزيارة جوزف ناي، الأستاذ الجامعي بجامعة هارفارد، ومنظر سياسة خارجية أمريكية، وعدا عن عمله الأكاديمي وتأليفه الكتب والنظريات حول «القوة الناعمة» والأخلاقيات السياسية، كان لناي دور سياسي، إذ عمل رئيسًا للمجلس الوطني للاستخبارات لقرابة عامين في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وعمل مستشارًا لوزارة الدفاع الأمريكية.

وتُورد الوثائق تلقّي ناي لمبلغ 27 ألف و500 دولار أمريكي مقابل زيارته، أخذها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2010.

ونسّقت الشركة لقاءً له مع مسؤولين في النظام الليبي، من بينهم القذافي ونجله سيف الإسلام، وفي هذه الجلسات ناقشوا النظريات السياسية للكتاب الأخضر، والسياسة الأمريكية وحقوق الإنسان، وفرص تطوير الاقتصاد الليبي.

وعموم الشخصيات التي استضافها نظام القذافي هم باحثون أكاديميون لهم تأثير في السياسة الخارجية لبلدانهم، ولبعضهم ميول يمينية ومنتمون للتيار المحافظ، ومؤيدون للحلول العسكرية والتدخل الأمريكي في الشرق الأوسط بشكل خاص.

ويتوّج هذا التوجه باستقبال شخصيات مثل آن ماري سلوتر، الأستاذة الجامعية القريبة من الحزب الديمقراطي، ومديرة تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأمريكية تحت قيادة هيلاري كلينتون ما بين يناير 2009 وفبراير 2011.

دافعت سلوتر في مقال لها عن غزو العراق، واعتبرت أن على الولايات المتحدة الأمريكية غزوه حتى بدون موافقة الأمم المتحدة، ووصفت الغزو بأنه قد لا يكون قانونيًا ولكنه «شرعي».

ونسّقت الشركة زيارةً لآندرو مورافشيك، أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج دراسات الاتحاد الأوروبي في جامعة برينستون الأمريكية، والتقى خلال زيارته لليبيا مسؤولين كبار، من بينهم السنوسي، ومحمود جبريل أمين مجلس التخطيط الوطني ومدير مجلس التطوير الاقتصادي في عهد القذافي.

ويوسف صواني مدير مؤسسة القذافي للتنمية، وسيف الإسلام القذافي، وهند سيالة، سفيرة ليبيا لجمهورية مالطا سابقًا، ومديرة مكتب مستشار الأمن القومي المعتصم القذافي. وأيضًا التقى بحامد الحضيري، وهو سفير سابق ومترجم، ومساعد مقرّب من القذافي حينها. وتناقش الطرفان في العلاقات الليبية الأمريكية وأزمة دارفور في السودان، والتطور الاقتصادي الليبي، بحسب ملفات وزارة العدل الأمريكية.

ونسقت الشركة زيارةً لهرناندو ديسوتو، الأستاذ الجامعي المتخصص في الاقتصاد غير الرسمي ومؤسس مركز «معهد الحرية والديمقراطية»، وقد التقى مسؤولين في النظام الليبي وألقى محاضرات حول التعديل القانوني وأثره على النمو الاقتصادي، في فندق المهاري بطرابلس.

والتقى بسيف الإسلام القذافي، وبمحمود جبريل، وناقش في اجتماعاته دور الكتاب الأخضر المحتمل في النمو الاقتصادي الليبي، واستراتيجيات الاقتصاد غير الرسمي في البلدان النامية.

Embed from Getty Images

عبد الله السنوسي، رئيس جهاز المخابرات الليبية قبل الثورة.

وعملت الشركة على تنسيق زيارة لكريج كينيدي، رئيس صندوق مارشال الألماني، وهي مؤسسة أمريكية غير حزبية، تقدم منحًا مكرسة لتعزيز المزيد من التعاون والتفاهم بين الولايات المتحدة وأوروبا. ورون راسموس، مسوؤل رفيع بنفس المؤسسة، ودبلوماسي أمريكي سابق.

وقد التقت الشخصيتان بمسؤولين في الدولة الليبية، من بينهم القيادي العسكري الشيخ محمد شريف، ومدير التخطيط بشركة النفط الوطنية الليبية طارق حسن بك والأستاذ بكلية الاقتصاد بجامعة قاريونس زاهي المغربي، والأكاديمي محمد باني، والسفير السابق حامد عربي الحضري، ومساعد وزير الخارجية حينها محمد طاهر سيالة، وسيدة باسم زينب عثمان.

بالإضافة إلى الشخصيات الأكاديمية السابق ذكرها، نسّقت الشركة مجموعة اتصالات مع مسؤولين أمريكيين في الكونجرس والخارجية الأمريكية ووزارة الخزانة، لمناقشة تطورات أعمال الشركة في ليبيا لحساب الحكومة الليبية.

عمل في الشركة في هذه الفترة بروس ألين، وهو باحث أول في جامعة هارفارد، في كلية الحقوق، وهو مختص بالشؤون الروسية والسوفيتية، ولم توضح الوثائق طبيعة عمله، ولكن المدفوعات المالية توضح حصوله على 201 ألف دولار أمريكي مقابل خدماته.

الذكرى الثلاثين لتأسيس اللجنة الشعبية العامة

عقد آخر وقّعه عبد الله السنوسي باسم اللجنة الشعبية العامة لليبية، هذه المرة مع «مجموعة وي تو – W2 Group»، وهي شركة تسويق عالمية، وذلك بتاريخ 26 يناير (كانون الثاني) 2007، للترويج لسياسة ليبيا في الانفتاح على العالم أكثر، وبشكل خاص للترويج للذكرى الثلاثين لتأسيس اللجنة الشعبية.

وهي ذات السنة التي شهدت أول زيارة أوروبية للقذافي نحو فرنسا، وانتهى العقد بنهاية عام 2007، وبلغت قيمة المدفوعات 180 ألف دولار. وقد وقّع الطرف والليبي والشركة المذكورة على عقد ثان بين شهري سبتمبر (أيلول) وديسمبر (كانون الأول) 2007، وبلغت مدفوعاته 60 ألف دولار.

عملت الشركة على تنظيم حلقات نقاشية في ليبيا بمناسبة الذكرى الثلاثين، ورتّبت اتصالات بين مسؤولين ليبيين ومكاتب وسائل إعلام مكتوبة ومرئية في أوروبا وأمريكا لتغطية الحدث، وشمل ذلك عدة قنوات من بينها «سي إن إن» و«رويترز»، و«أسوشيتد برس»، و«بي بي سي»، وقناة «الجزيرة».

وقدمت الشركة خدمات لمسؤول ليبي لم تذكر الوثائق اسمه، لترتب له مقابلات مع المكاتب الأجنبية لـ«نيوزويك»، و«بي بي سي»، ومجلة «تايم».

هذه القصة جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

تحميل المزيد