لم يبدع المفكر والجغرافي الدكتور جمال حمدان في كتاباته عن وصف مصر والمصريين في 29 كتابًا و79 بحثًا ومقالة، إلا بعد أن عاشت مصر بداخله طويلًا، لدرجة أن جعل من نفسه نذيرًا لإنقاذ محبوبته، وكان صادقًا حد القسوة في تحذيره من الهاوية التي يرى مصر تنحدر إليها.

كان الوقت في منتصف الثمانينيات، حين كتب حمدان: أن «مصر اليوم، ورغم كل التغيرات الجذرية الإيجابية والمشرقة والواعدة التي أنجزتها، تبدو في أسوأ حالاتها، أسوأ مما كانت عليه فى أي يوم مضى، إنها ما زالت تبدو حتى الآن عتيقة شاخت، ولا تتجدد أبدًا، مريضة بإزمان، ولكنها لا تموت أبدًا، ذلك أنها تعايشت مع المرض، وتعودت عليه».

يوضح حمدان قصده من هذا المرض قائلًا: «لقد أفسدت الاستمرارية السياسية، استمرارية الفرعونية، ما أصلحه الانقطاع الذي جاءت به الحضارة الحديثة، ذلك أن مرض مصر المزمن في الحاضر، والموروث من الماضي هو حاكمها ونظامها، فلقد تغيرت مصر في كل شيء تقريبًا، إلا شيئًا واحدًا هو النظام السياسي، فهو وحده الذي لم يتغير، وهو وحده الذي يقاوم بكل ضراوة ودموية كل تغيير، يجمد الشخصية، ويحنطها فرعونيًّا».

طابع بريد يحمل صورة جمال حمدان

طابع بريد يحمل صورة المفكر المصري جمال حمدان – المصدر: بينترست

ونتيجة لاستفحال هذا المرض «فإن مصر تعيش اليوم فى زقاق الإحباط الضيق المسدود، والأزمات المزمنة الذي تنحشر فيه حاليًا، وفي الأثناء فإن مصر تدفع اليوم وكل يوم الثمن الباهظ، ولا نقول تتلقى العقاب المستحق لمرضها التاريخي المزمن كشعب وكدولة، فمنذ بعض الوقت أصبحت مصر للأسف الشديد دولة مريضة جيوبوليتيكيًّا، يسكنها شعب مريض تاريخيًّا، يحكمها أحيانًا رجل مريض نفسيًّا كما بالأمس القريب».

هذه الكلمات التي تعكس هموم الرجل بشأن مستقبل بلاده جاءت في الباب العاشر من عمله الموسوعي «شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان»، والذي نشر أول مرة عام 1967، ثم تحول إلى موسوعة في أربعة مجلدات لا تخص الجغرافيا وحدها، وإنما قراءة لماضي البلاد ومستقبلها.

خيارات المستقبل بعيون جمال حمدان

«الخيار أمام البلاد لم يعد بين السيِّئ والأسوأ، بل بين الأسوأ والأكثر سوءًا» *جمال حمدان

قبل رحيله الغامض في 17 أبريل (نيسان) 1993 ترك حمدان العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات الاستراتيجية، إلا أنه بدا متشائمًا في نهاية حياته، حين كتب مذكراته التي نشرها شقيقه الدكتور عبد الحميد صالح حمدان، بعنوان «العلاَّمة الدكتور جمال حمدان وصفحات من مذكراته الخاصة» وخاصة حين تحدث عن «مستقبل مصر».

سبب تشاؤم حمدان في ذلك هو ما رآه من تراجع مكانة مصر في العديد من النواحي، وبعد أن رأى أن مصر فقدت ربع وزنها وثقله ودورها ومجدها السياحي والتاريخي سنة 1948 بقيام إسرائيل، وفقدت نصف وزنها بهزيمة 1967، ثم فقدت وزنها كله في كامب ديفيد.

فالفرق بين مصر وبعض الدول المُحيطة – حسبما يرى حمدان– أن الأخيرة أصبح عندها فائض قوّة يفيض خارج حدودها أطماعًا وطموحات، بينما أصبح عند مصر «فائض أزمة» تغرق بها داخل حدودها، وتلك هي المشكلة التي جعلت مصر «تتدحرج الآن بانتظام وبغير انتظام إلى أسفل، لأول مرة في التاريخ يتغيَّر مكان مصر في العالم ومكانتها إلى الأسفل، فتجد نفسها لأول مرة في وضعٍ من العالم لم يسبق من قبل، وهي أنها كيان مُنكمِش في عالمٍ مُتمدِّد».

حلم أقدم مما تتصور.. رحلة السيسي لقصر الحكم بدأت قبل 2011 وليس بعد مرسي

فصد الدم المسموم.. جمال حمدان والتنبؤ بثورة يناير

ربما كانت الكلمات السابقة صادمة لمن لا يعرف عن حمدان سوى حديثه عن عبقرية موقع مصر الجغرافي، بسبب عدم تدريس كتبه وأبحاثه في المدارس والجامعات حتى الآن، الأمر الذي جعل كثيرين لا يلتفتون إلى نداءات الرجل وتحذيراته من مواصلة السير في طريق «الطغيان الفرعوني» نفسه، بعدما زالت كل مبرراته وأسبابه.

كان جمال حمدان صادقًا وهو يبحث عن طريق التغيير وإنقاذ مصر، فقال: «في وجه هذه الحالة المرضية المركبة، فليس أمام مصر سوى إحدى اثنتين: إما أن تموت بالتسمم الذاتي البطيء، الذي سرى واستشرى من قبل في جسدها، وإما أن تعيش بفصد الدم الفاسد المسمم».

صورة للمتظاهرين المصريين عقب إطاحة الرئيس المخلوع حسني مبارك في فبراير (شباط) 2011

ويقصد حمدان بفصد الدم الفاسد المسمم، بحسب تعبيره، هو «أن تنفجر على نفسها داخليًّا، وخارجيًّا في فورة قوة عظمى، تجدد شبابها، وتستعيد كرامتها، وتحل أزمتها التاريخية، فإما أن تغير حياتها ونظامها، وتثور على نفسها ثورة نفسية وعملية، وإلا فإن أمامها مائة سنة أخرى على الأقل من الانحدار التاريخي المتسارع تتخبط فيها وتترنح ما بين الانقلاب، والانقلاب المضاد».

كلمات يبدو من عمقها وصدقها أنه قد فرغ من كتابتها الآن، وليس في ثمانينيات القرن الماضي، ليقدم بعد ذلك الحل كما يراه في «التغيير»، قائلًا إن «التغيير أصبح شرط البقاء نفسه، إن لم يكن لفصد الدم الفاسد، فلتجديد الدم الصحي».

ثم يحوِّل حمدان تشخيصه لمرض مصر وعلاجه إلى حلٍ عملي بقوله: «مطلوب إذن حدث عظيم وأعظم في الوجود المصري، لا يرج مصر وحدها، ويخرجها من مأزقها التاريخي الوجودي أو من دوامة الصغار والهوان والأزمات التراكمية المعيبة التي فرضت عليها، ولكن أيضًا يرج الدنيا كلها من حولها، لتفرض مصر عليها احترامها وتقديرها من جديد، والاعتراف بها شعبًا أبيًّا كريمًا عزيزًا إلى الأبد».

كلماتُ تنطبق على ما حدث في يناير (كانون الثاني) 2011، ذلك الانفجار الذي رجّ مصر والعالم من حولها، وكانت فيما يبدو بداية لانفجارات أكبر، أو لتغيير متسارع في النظام السياسي الذي قصد به «الدم الفاسد» سر مرض مصر وتأخرها.

وفي كل الأحوال تبقى القضية الأساسية، بحسب حمدان، هي «قضية الصراع بين الاستمرار والتغيير، والاستقرار والانفجار، والانقلاب والثورة، وفي هذا الصراع، إذا لم تدفن مصرُ الفرعونيةَ السياسية في مقبرة التاريخ، فستدفن هذه الفرعونية السياسية مصر في مقبرة الجغرافيا».

وبحسب حمدان، فإن حالة مصر لا تحتمل إلا الجد، والتحرك سريعًا من رجال مخلصين، فهي «تمر بأدق مراحل تاريخها، ولا بد من التضحية في سبيل تقدمها ونهضتها، وإلا ساد انحلال عام في المعايير والمستويات الحضارية، وهو ما يتهددها في الوقت الحاضر، لاسيما بعد أن غرسوا لها في ظهرها «إسرائيل».

جمال حمدان لم يكن يتحدث عن مصر بوصفها وحدة جغرافية منفصلة، بل كان دائمًا يربطها بمحيطها العربي وهويتها الإسلامية؛ لأن «مصر بالذات محكوم عليها بالعروبة والزعامة، ومحكوم عليها أيضًا بتحرير فلسطين، وإلا فبالإعدام، فمصر لا تستطيع أن تنسحب من عروبتها أو تنضوي على نفسها حتى لو أرادت».

ثم يشرح سبب هذا الارتباط العضوي والمصير المشترك بأن مصر «إذا نكصت عن استرداد فلسطين العربية كاملة، من البحر إلي النهر، وهادنت وخانت وحكمت عليها بالضياع، فقد حكمت أيضًا على نفسها بالإعدام، بالانتحار، وسوف تخسر نفسها ورصيدها، الماضي كالمستقبل، التاريخ والجغرافيا».

ورغم وفاة حمدان منذ ربع قرن، فإن الأيام تقف شاهدة على صدق ما قاله، مهما حاولت بعض الأنظمة الحاكمة الترويج لعكس ذلك.

مشكلات المياه بوادي النيل واستشراف المستقبل

بالقراءة المتأنية لأفكاره وأطروحاته، لم تكن الجغرافيا همّ جمال حمدان الوحيد، لكنه أراد أن يجعل منها مركزًا لفهم باقي العلوم، وصاغ من خلال الجغرافيا نظرية استراتيجية متكاملة في عبقرية المكان، وحلل من خلال تلك النظرية التاريخ والحاضر والمستقبل، واستشرف مبكرًا مآلات واحتمالات الصدام والتصدع المبكر بين القوى العالمية والإقليمية.

فقد كان جمال حمدان يمتلك قدرة ثاقبة على استشراف المستقبل، متسلحًا في ذلك بفهم عميق لحقائق التاريخ ووعي متميز بوقائع الحاضر، ففي عقد الستينيات، وبينما كان الاتحاد السوفيتي في أوج مجده، والزحف الشيوعي الأحمر يثبت أقدامها شمالًا وجنوبًا، فقد أدرك وسجل في كتابه «استراتيجية الاستعمار والتحرير» عام 1968م ببصيرته الثاقبة أن تفكك الكتلة الشرقية واقع لا محالة، فإذا الذي تنبأ به يتحقق بعد 21 سنة.

كما تنبأ بمشكلات المياه بوادي النيل، والآن نرى إثيوبيا تبني «سد النهضة» وسدودًا أخرى على النيل الأزرق، بشكل يؤثر على حصة المياه في مصر ويهدد مستقبل الحياة والأحياء فيها.

أيضًا كان أول من أشار إلى مدى تأثير البترول، ليس فقط في المجال الاقتصادي ولكن في المجال السياسي والاستراتيجي أيضًا، وذلك في كتابه «بترول العرب».

كما أثبت في كتابه الشهير «اليهود إنثروبولوجيًّا» أن يهود إسرائيل ليسوا أحفاد اليهود الذين خرجوا من فلسطين قبل الميلاد، وإنما ينتمون إلى إمبراطورية «الخزر التترية»، التي قامت بين بحر قزوين والبحر الأسود، واعتنقت اليهودية في القرن الثامن الميلادي، هذا الأمر الذي أكده بعد ذلك الكاتب اليهودي «أرثر بونيسلر»، مؤلف كتاب «القبيلة الثالثة عشر» الصادر عام 1976.

مصر بين عبقرية المكان ومعاناة الإنسان

يمكن القول بأن المصريين حاليًا أحوج ما يكون لقراءة ودراسة ما كتبه جمال حمدان عن بلدهم ومستقبلهم في كل مؤلفاته، التي قدم فيها رؤية مستقبلية متكاملة، لكيف تكون الحياة الكريمة في مصر.

لكن التجاهل الرسمي وحتى الأكاديمي لما تركه جمال حمدان، الذي شكّل بمفرده مدرسة راقية في التفكير الاستراتيجي، مزج فيها بطريقة غير مسبوقة ما بين علم الجغرافيا، الذي لا يتعدى مفهومه لدى البعض نطاق الموقع والتضاريس، وعلوم التاريخ والاقتصاد والسياسة، ليُخرج لنا مكونًا جديدًا أسماه «جغرافيا الحياة»؛ جعل خطابه ونصائحه غير مقروءة بين الكثيرين.

ويبقى التحدي اليوم يدور حول كيفية تحويل خطاب حمدان إلى رؤى وتصورات وبرامج، تعيد بناء شخصية الأجيال الجديدة من الشباب والأطفال، على فهم دور مصر وقدرها وعروبتها، من خلال خطاب عقلاني يصحح الفهم السائد والمشوه عن مصر وعن فلسطين والعروبة.

انتحار أم تمهيد لانفجار.. ماذا يحدث عندما يقوم الشعب بـ«نصف ثورة»؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد