اعترف الرئيس الجامبي الحالي، «يحيي جامع»، بخسارته في الانتخابات الرئاسية أمام منافسه «آداما بارو»، وذلك في الانتخابات التي جرت الخميس الماضي، في جميع أرجاء البلاد، بعد أن ظل في حكم البلاد منذ عام 1994.

وفاز مرشح المعارضة «آداما بارو» بحوالي 263515 صوت، ويمثلون 45.5% من الأصوات، بينما حصل الرئيس جامع على 212099 بنسبة 36.7%، وفي الأخير حصل المرشح «ماما كانديه» على 102969 صوت، بنسبة 17.8%، وذلك وفقًا للجنة العليا للانتخابات الرئاسية، على لسان رئيسها «آليي مومار نيجي».

من جانبه، أعرب المرشح الفائز، آداما بارو، عن سعادته بتحقيق الفوز في الانتخابات، فضلًا عن سعادته بتهنئة وتقبل الرئيس الحالي للنتائج، مؤكدًا أنه يسعى لبناء دولة جامبيا الجديدة. كما أعلن «بارو» أنه سيلتقي بالرئيس، يحيي جامع، في لقاء قريب لم يتحدد موعده؛ وذلك من أجل ترتيب عملية تسليم وانتقال السلطة.

ويحكم الرئيس الحالي يحيي جامع، البلاد منذ حوالي 22 عامًا، عانت فيه البلاد من الحكم السلطوي، وغياب الحقوق والحريات، ومليء بالانتهاكات. اعتراف الرئيس الحالي بخسارته يعتبر لحظة تاريخية في تاريخ القارة الإفريقية؛ التي نادرًا ما يعترف فيها رئيس سلطوي بخسارته الانتخابات، وهو ما شكَّل صدمة أو مفاجأة في المجتمع المحلي والدولي.

متى وكيف وصل «جامع» إلى السلطة؟

وصل الرئيس يحيي جامع إلى السلطة بانقلاب عسكري ناجح، قاده أثناء عمله كضابط في الجيش برتبة ملازم، وذلك في 22 يوليو (تمّوز) عام 1994؛ ليصبح الحاكم الثاني للبلاد منذ استقلالها عام 1965، والذي كان يبلغ حينها من العمر 29 عامًا فقط.

ومنذ استقلال جامبيا عن الاحتلال البريطاني عام 1965، تولى الرئيس «داودا جاوارا» رئاسة البلاد منذ عام 1970، وحتى الانقلاب العسكري غير الدموي الذي نفذه جامع في عام 1994.

وبعد الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم الخميس، سيصبح بذلك الرئيس آداما بارو الرئيس الثالث الذي سيحكم البلاد منذ استقلالها عن الاحتلال البريطاني.

محاولة الانقلاب التي أجراها الرئيس جامع، ليصل بها إلى السلطة، لم تكن المحاولة الأولى، ولا الأخيرة للانقلاب على الحكم في البلاد؛ حيث واجهت جامبيا عدة محاولات انقلابية قبل وبعد وصول الرئيس يحيي جامع إلى السلطة؛ ففي عام 1981، وعقب حصول جامبيا على استقلالها بحوالي عقد ونصف، شهدت محاولة للانقلاب على الرئيس السابق داودا جاوارا على يد قيادات الجيش، غير أن هذه المحاولة لم تنجح؛ بسبب إحباط السلطة الجامبية لها، وذلك بالتعاون مع دولة السنغال المجاورة.

كما تعرضت البلاد لعدة محاولات للنقلاب على حكم الرئيس يحيي جامع في فترة حكمه، غير أنه لم ينجح أي منها في السيطرة على الحكم: ففي عام 2006، أعلنت الحكومة الجامبية في مارس (آذار) أنها أحبطت محاولة انقلابية قادها رئيس الأركان السابق العقيد «ندوري تشام»، كما أنها أعلنت اعتقال عدد من الجنود الذين وجهت إليهم تهمة التخطيط لمحاولة الانقلاب، قبل تنفيذها. وقالت الحكومة في بيان رسمي: إن قوات الجيش، تحت قيادة بعض القيادات، كانت في مرحلة متقدمة من مؤامرة للإطاحة بالحكومة، مشيرةً بعد ذلك إلى أن جميع المشاركين في المؤامرة اعتقلوا باستثناء العقيد ندوري تشام.

وفي 30 ديسمبر (كانون الأول) من عام 2014، ذكر المتحدث الرسمي باسم رئاسة جامبيا أن القوات الجامبية الموالية للرئيس أحبطت محاولة انقلاب على النظام في ظل غياب الرئيس، والذي كان يؤدي زيارة خارج البلاد.

وأكد المتحدث مقتل ثلاثة من منفذي عملية الانقلاب، بما فيهم المدبر للمحاولة، بالإضافة إلى تمكن قوات الأمن من القبض على أحدهم وتسليمه إلى الوكالة الوطنية للاستخبارات للتحقيق معه. كما أكدت مصادر لوكلاء دولية مثل «فرانس برس»، و«رويترز» حينها أن القصر الرئاسي في العاصمة بانجول قد تعرض لهجوم في وقت مبكر من الصباح من قبل أفراد مسلحين ينتمي بعضهم إلى الحرس الرئاسي.

22 عامًا من حكم «جامع».. قمع وتعذيب بدون حقوق أو حريات

منذ وصول الرئيس يحيي جامع إلى الحكم بعد نجاح محاولة الانقلاب عام 1994، بدأ حكمه بوقف النشاط السياسي، ووقف العمل بدستور البلاد، إلى أن تم عمل دستورر جديد للبلاد عام 1996، تلاه انتخابات رئاسية في نفس العام فاز فيها جامع ليتحول إلى الوضع المدني في البلاد، ثم فاز في دورتين أخيرتين بعد ذلك قبل هذه الانتخابات التي جرت منذ الخميس.

تعذيب، واختفاء قسري، واعتقال تعسفي، وغيرها، وجميها تهم وُجّهت إلى الرئيس يحيي جامع من قبل جمعيات حقوق الإنسان المحلية والدولية. حيث وجهت اتهامات متعددة للحكومة والرئيس جامع بسبب استهداف أفراد المعارضة وتوقيفهم، فضلًا عن الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان في البلاد. كما أنه أعلن في وقت سابق أنه سيظل رئيسًا للبلاد لمدة «مليار عام».

مرحلة قمع الحق في التعبير عن الآراء السياسية تحولت لاحقًا في عهده لتشمل قمع جميع أنواع الحقوق، وليس فقط الحق في التعبير؛ حيث هاجم الرئيس جامع المثليين والمتحولين جنسيًا في البلاد وخارجها، واصفًا إياهم بالحشرات التي ستتعامل معها الحكومة كما تتعامل مع البعوض الحامل للملاريا، مهددًا بقطع رؤوسهم.

كما أعلن الرئيس يحيي جامع في 11 ديسمبر (كانون الأول) عام 2015، تحويل دولته إلى جمهورية إسلامية، مشيرًا إلى أنها خطوة تهدف إلى تخلص بلاده بشكل أكبر من ماضيها الاستعماري، ومعتبرًا أنه طالما مثل المسلمون أغلبية في البلد، فإن جامبيا لا تستطيع مواصلة الإرث الاستعماري، غير أنه واجه العديد من الانتقادات بسبب هذا الإعلان، الذي وصفه البعض بأنه قرار شعبوي يضفي به على انتهاكاته شكلًا من أشكال التبرير لانتهاكات حقوق الإنسان.

وفي عام 2007، أعلن أنه اكتشف علاجًا من الأعشاب المغلية، يؤدي إلى الشفاء من مرض «نقص المناعة المكتسب» (الإيدز)، وهو ما لم يظهر له أي آثار حتى الآن، أي بعد مرور حوالي تسعة أعوام كاملة. الإعلان أثار غضب خبراء الطب الأوروبيين الذين قالوا: إن الرئيس يقدم أملًا زائفًا للمرضى، فضلًا عن الإعلان عن مخاوفهم الطبية من خطورة هذا النوع من العلاج.

كل هذا دعا الأمم المتحدة في 2014 إلى إصدار تقارير تدين أفعال النظام الجامبي، ووصفت هذه التقارير تعامل النظام مع أفراد المعارضة والمختلفين عنه في الآراء على أن «التعذيب من الممارسات الثابتة» للنظام في التعامل مع الشعب، مشيرةً إلى أن تجنب الاعتقال في البلاد هو أمر يسعى إليه جميع أفراد الشعب، وذلك نظرًا للاعتقالات العشوائية والاختفاءات القسرية وانتهاكات حقوق الإنسان التي يمارسها النظام، حيث يلقي القبض على العديد من المواطنين بتهمة الشعوذة والسحر.

لماذا شكلت هزيمة «جامع» مفاجأة للعالم؟

تعتبر هزيمة الرئيس الحالي جامع، مفاجأة كبيرة، للمواطنين وللمجتمع الدولي بأكمله؛ ويعود ذلك إلى أن الدول الإفريقية نادرًا ما تتحول ديقراطيًا، ويسلم فيها الحكام السلطويون السلطة بطريقة سلمية وبدون عنف، وبالتالي فوجود ديكتاتور مثل الرئيس جامع لمدة 22 عامًا من القمع وانتهاكات حقوق الإنسان على جميع الأصعدة، فضلًا عن كونه قادمًا إلى الحكم بطريقة غير شرعية عن طريق انقلاب عسكري، بالإضافة إلى تصريحاته بتمسكه بالحكم لمدة مليار عام، وإعلانه الأسبوع الماضي بأن الله هو من أعطاه الحكم، وأنه واثق بأنه لن ينزعه عنه الآن، كل هذا لا يوحي بأن شخص الرئيس جامع سيجعله يقبل بنتيجة الانتخابات، ويقر بهزيمته بهذه البساطة.

يبدو أنه بالرغم من قوة الرئيس جامع في الحكم، إلا أن تحالف المعارضة مع بعضها البعض، وتوحدها لأول مرة في التاريخ، واختيارها لمرشح واحد يقود الانتخابات أمام الرئيس جامع بالنيابة عن سبعة أحزاب كبيرة في الدولة التي يقل تعداد سكانها عن مليوني نسمة، كان أيضًا عاملًا رئيسًا في هزيمة «جامع».

ولكن نحن الآن أمام ديكتاتور سلطوي يقود زمام الدولة منذ 22 عامًا، فحتى الآن لم يحدث سوى إعلان نتيجة الانتخابات وإعلان الرئيس يحيي جامع تقبل الهزيمة، ولكن لم تبدأ أي إجراء من إجراءات تسليم السلطة أو الانتقال الديمقراطي، بل إنه لم يتم تحديد ميعاد لأي منها حتى الآن، فضلًا عن الانقطاع الكامل للإنترنت وجميع الاتصالات الدولية، ومع إغلاق الحدود البرية للبلاد في يوم الانتخابات، مع عدم حضور أي مراقبين دوليين للمراقبة أو الإشراف على الانتخابات، بالإضافة إلى التظاهرات التي خرجت في البلاد بعد نتيجة الانتخابات، الأمر الذي دعا رئيس للجنة العليا للانتخابات، «آليي مومار نيجي»، إلى مطالبة الشعب بالتحلي بالهدوء؛ مشيرًا إلى أن الدولة الآن في مرحلة لا يمكن لأحد التنبؤ بما سيحدث بعد ذلك.

وتعتبر جامبيا أصغر دولة في البر الإفريقي، ويبلغ عدد سكانها أقل من مليوني نسمة، وتحيط بها السنغال من ثلاث جهات، كما أنها تعتبر وجهة هامة ومميزة للسياح الأوروبيين؛ وذلك نظرًا لأنها تطل على ساحل المحيط الأطلسي.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد