«الجيش يُشكل العمود الفقري للبلاد، والمخابرات تُمثل نخاعها الشوكي» هكذا أعلنها بكل صراحة الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين، فيما يرى تقرير بصحيفة «موند أفريك» الفرنسية، أن هذه التصريحات لا تزال صالحة إلى يومنا هذا لفهم الساحة السياسية الجزائرية، وما يدور في أروقتها السرية، غير أن الأزمة تكمن حين ينشأ الصراع بين العمود الفقري والحبل الشوكي.

المكانة الفريدة للجيش الجزائري في الساحة السياسية برزت إلى الوجود منذ دوره الرئيس في حصول الجزائر على استقلالها عام 1962، بعدما قاد «جيش التحرير» إحدى أول حروب العصابات المعروفة ضد الاحتلال الفرنسي، وهو ما منح الجيش مكانة هامة يعتبرها مصدرًا رئيسًا للشرعية السياسية.

كيف يمد الجيش الجزائري «أذرعه» للسيطرة على الحياة المدنية بعد رحيل بوتفليقة؟

دولة داخل الدولة

وبمرور الأيام تحول الجيش الجزائري إلى دولة داخل الدولة، بعدما اتخذ شرعيته المستمدة من دوره في حرب الاستقلال مبررًا لتعظيم دوره في الدفاع عن النظام السياسي والتدخل في إدارة المشهد الاقتصادي، مع وجود الكثير من المناطق الرمادية في أنشطته السياسية والاقتصادية.

وعلى هذا الأساس، قام الجيش بتشكيل العلاقات المدنية العسكرية في البلاد بشكل مبكر مع قناعة راسخة لدى الجنرالات الجزائريين بدورهم التاريخي في حماية البلاد، ورفضهم التخلي عن أدوارهم السياسية لصالح مسؤولين مدنيين منتخبين.

النفوذ السياسي الجيش ظهر واضحًا للعلن حين أعلن الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة استقالته رسميًا بعد ساعة واحدة فقط من كلمة قائد الأركان أحمد قايد صالح، التي شدد فيها على أنه «لا مجال للمزيد من تضييع الوقت، ويجب التطبيق الفوري للحل الدستوري المقترح المتمثل في تفعيل المواد 7 و8 و102.

ورغم أن بوتفليقة، قال قبل إعلان استقالته بيوم واحد، إنه سيستقيل من منصبه قبل نهاية ولايته الرئاسية في 28 أبريل (نيسان) الماضي، وأنه سيتخذ «قرارات هامة» قبل هذا التاريخ، إلا أن استقالته قبل إصداره أي قرارات «هامة»، تؤكد أنها لم تأت إلا بـ«ضغط حاسم» من الجيش.

كان أكثر ما أثار غضب قائد الأركان في ذلك الوقت، هو محاولة شقيق الرئيس المستقيل سعيد بوتفليقة، المناورة والتحالف مع قائد المخابرات السابق محمد مدين المدعو الجنرال التوفيق الملقب بصانع الرؤساء، والاستعانة بالرئيس السابق اليامين زروال، للالتفاف على مقترح قايد صالح، وتشكيل هيئة رئاسية تقود البلاد خلال المرحلة الانتقالية.

الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة

وكان واضحًا أن الهدف من تحالف الرئاسة مع قائد المخابرات السابق، الذي أسس طيلة سنوات طويلة «شبكة من الأتباع»، هو إقالة قايد صالح من رئاسة الأركان، مثلما تحالف الأخير مع الرئاسة في 2015، للإطاحة بالجنرال توفيق، من على رأس جهاز المخابرات، الذي قاده لنحو ربع قرن.

فمعادلة الحكم في الجزائر، تتشكل من ثلاثة مراكز قوى رئيسة: الرئاسة، قيادة الأركان، والمخابرات. وإذا تحالف اثنان سقط الثالث.

وإذا صح ما كشفه الجنرال خالد نزار، وزير الدفاع الجزائري الأسبق، في بيان رسمي وقال فيه أن سعيد بوتفليقة استشاره قبل استقالة شقيقه حول فرض حالة الطوارئ وإعلان الأحكام العرفية، وإقالة قائد الجيش، لوقف الحِراك الشعبي بالقوة، فإن هذا يعني أن الجيش الجزائري بتدخله هذا، يكون قد جنب البلاد الوقوع في فتنة كبيرة.

المخابرات «صناع الملوك»

أما عن نفوذ المخابرات في الجزائر فحدث ولا حرج، وتقول أنيس ليفالوا المتخصصة في شؤون أجهزة المخابرات العربية لموقع «franceculture.fr» أن «المخابرات العربية بشكل عام، ومن بينها الجزائرية، مهمتها حماية النظام الحاكم. وأجهزة الأمن دائمًا في خدمة السلطة، وتتمثل مهمتها بكل وضوح في الدفاع عن النظام».

وأضافت أن «المخابرات كانت تشارك في إدارة البلد مع بوتفليقة حتى عام 2015.. بهدف واحد هو الحفاظ على النظام السياسي وإدارة المشهد الاقتصادي».

وعطفًا على هذا الكلام، يقول برنار باجوليه رئيس الاستخبارات الخارجية الفرنسية السابق بين أعوام 2013 إلى 2017، والذي عاين واقع سلطة أجهزة المخابرات الجزائرية عن قرب: «على الرغم من أن التقارير المتبادلة بين أجهزة المخابرات الفرنسية والجزائرية كانت ودية لفترة طويلة، إلا أن التعاون لم يكن دائمًا سهلًا معهم».

ويؤكد باجوليه أنه «من الواضح أن دوائر الاستخبارات والأمن الجزائرية تمتلك قوة كبيرة للغاية، لقد استقبلني الجنرال بومدين عدة مرات، واستمتعت بالذهاب إلى هذه المقابلات لأنها كانت دائماً مثيرة، وكانت تحليلاته دائمًا دقيقة.. ولكن عندما يتعلق الأمر بالتعاون العملي بيننا، كان الأمر أكثر صعوبة».

 حرب الصقور

ما حدث في الخامس من مايو (أيار) 2019 كان مدهشًا بكل المقاييس، حين صعد سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة، بجانب الفريق محمد بومدين (توفيق) واللواء عثمان طرطاق (المعروف باسم بشير)، قادة الاستخبارات الجزائرية، درج المحكمة العسكرية بمدينة البليدة جنوبي غرب العاصمة، للمحاكمة بتهم «التآمر على الدولة» و«تقويض سلطة الجيش».

بالنسبة للجزائريين الذين تظاهروا ضمن موجة الربيع العربي ضد إعادة انتخاب عبد العزيز بوتفليقة وضد إعادة إنتاج نظامه، كان هذا الحدث إشارة كبيرة على أن هناك شيء يتغير في البلد الذي يتعامل فيه قادة المخابرات على أنهم ملوك. على قاعدة أن المخابرات في الجزائر كانت تتدخل في السيطرة على كل المؤسسات، فهي الضامن لأمن السلطة، إن لم تكن هي السلطة نفسها.

ولذلك كان اعتقال معظم أركان النظام السابق في الجزائر بمثابة زلزال هز طبقات الحكم في الجزائر، بعدما طالت الاعتقالات الرؤوس الكبرى التي كانت تدير البلاد من خلف ستار. وكشفت جزءًا من الحرب الدائرة خلف الكواليس بين الجيش وأجهزة المخابرات، وخاصة بعد سقوط الجنرال عثمان طرطاق، الذي كان يشغل منصب «المنسق» بين أجهزة المخابرات الجزائرية. وعُرف طرطاق أيضًا خلال الحقبة السوداء بعدائه للإسلاميين، وبعدها عرف بعدائه للجنرال قايد صالح.

صراع الرئاسة والجيش ضد المخابرات

السلطة المطلقة لقادة كل من مؤسسة الرئاسة والمخابرات والجيش، وطول فترة جلوس كل منهم على كرسيه، أنشأ إمبراطوريات متضخمة تتفق مصالحها حينا وتختلف أحيانا، وفي الغالب كانت تتفق مؤسستان ضد الثالثة، وهذا ما فعله بوتفليقة عام 2015 حين اتفق مع قايد صالح لتفكيك شبكة الجنرالات الموسعة التي شكلها قائد المخابرات بومدين طوال ربع قرن، وكادت تمثل خطورة على بوتفليقة والدائرة المقربة منه.

ويستحق النصف الثاني من عام 2014 و2015 في الجزائر وصف «مرحلة الإضعاف البطيء للمخابرات»، ولا يعود ذلك لخسارة جهاز المخابرات العامة صلاحيات راسخة مثل التحقيق في قضايا الفساد، بل لأن حملة الإضعاف استهدفت كل الجنرالات التي يمكن لبومدين أن يعتمد عليهم بعد تقليص صلاحيات جهازه، حيث تم عزل وإقالة عشرات الجنرالات والضباط الكبار بذريعتي مكافحة الفساد وتنظيم الجيش، بينهم قادة الحرس الجمهوري والأمن الرئاسي ومكافحة التجسس، ليتم بذلك استكمال تجريد بومدين من أنيابه بالكامل.

وعلى هذا المنوال، شن قايد صالح حملة تطهير كبرى خلال الصيف الماضي، شملت صفوف الشرطة والجيش، حيث أضحى قايد صالح بمثابة مركز ثقل السياسة الجزائرية، كان آخرهم حتى الآن – في 24  أغسطس (آب) 2019 – إقالة مدير الأمن الوطني عبد القادر بوهدبة، بشكل مفاجىء بعد سبعة أشهر من تعيينه في المنصب الذي صعد إليه قبل أيام على اندلاع الانتفاضة الشعبية في 22 فبراير (شباط) الماضي.

وقد استعان صالح في حملة التطهير هذه برجال من جهاز المخابرات العسكرية الذين يتمتعون بنفوذ هام، مع توليهم النظر في الملفات القضائية الخطيرة بخصوص «قضية الكوكايين» التي طالت جزءًا كبيرًا من الطبقة السياسية والأمنية.

حرب الجيش ضد الديمقراطية

من الصعب لدى الحديث عن صراع القوى في الجزائر تجاوز الحديث عن «العشرية السوداء» وكواليسها التي لا تزال تخرج أسرارها حتى الآن، حيث ظل الجيش يلعب دورًا حيويًا في السياسة الجزائرية، وكان يحكم من وراء الكواليس حتى مطلع التسعينات، حين حققت «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» فوزًا غير مسبوق في الانتخابات المحلية، ثم البرلمانية عام 1991.

وكان ذلك يعني أن حزب جبهة التحرير الوطني ومن ورائه الجنرالات في طريقهم لفقدان السلطة، الأمر الذي دفع الجيش للتدخل بشكل صارخ، حيث قام بإلغاء نتائج الانتخابات وإعلان حالة الطوارئ وحل «الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، وأودع الآلاف من أنصارها في معتقلات أُقيمت في الصحراء الجزائرية، في حين هرب آخرون إلى الجبال ليبدأ الجيش في ملاحقتهم، وهو الحدث الذي دشن الحرب المعروفة بـ«العشرية السوداء».

خلال هذه السنوات العشر الممتدة منذ مطلع التسعينيات إلى بداية الألفية الثانية، قُتل نحو 200 ألف جزائري على يد قوات الجيش والجماعات المسلحة في حرب وُصفت بالقذرة شنها الجيش لإخضاع الجزائريين، وتكشفت تفاصيلها المروعة لاحقًا.

المفارقة تكمن في أن الجنرالات الذين دشنوا الحرب العشرية السوداء كانوا أول من استفادوا منها عبر تجديد شرعيتهم، وتسبب ذلك في تثبيت وضع الجيش كمكون رئيس في الحياة السياسية الجزائرية، وفي الوقت نفسه فإنه رسخ قاعدة أن قادة الجيش يعتبرون أنفسهم حماة لنظام الدولة وطابعه العسكري و«العلماني».

جنرالات فرنسا

سخونة الحرب المستعرة بين قائدة الدوائر الأمنية، تخالف الهدوء والاستقرار الذي كانت تتسم به الساحة السياسية في الفترة الأخيرة، أحد جوانب هذه الحرب تكشف في طلب اعتقال وزير الدفاع الأسبق خالد نزار الذي كان يوصف بأنه «الرجل الذي كان يتحكم بمصير الجزائر»، بعدما أصدر القضاء الجزائري في بداية أغسطس 2019 مذكرة دولية لملاحقته.

نزار الذي شغل منصب وزير الدفاع بين أعوام 1990-1994، عرف بأنه بأنه رجل العشرية السوداء، بعدما قاد انقلاب الجيش الذي أجبر الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد على الاستقالة عام 1992، وألغى نتيجة الانتخابات البرلمانية التي فازت بها الجبهة؛ مما أدخل البلاد إلى موجة من العنف الدموي خلال حقبة التسعينات والتي تعرف بالعشرية السوداء.

وقد اتهمه الشاذلي بن جديد في ذلك الوقت بكونه «جاسوسًا» لفرنسا، مشيرا بذلك إلى نشأة نزار المثيرة للجدل، فقد كان والده يعمل رقيبًا في الجيش الفرنسي. وقد سلك خالد نزار طريق والده وعمل في الجيش الفرنسي، رغم أن الثورة الجزائرية كانت قد انطلقت آنذاك، فقد التحق عام 1955 بالمدرسة الحربية الفرنسية «سان مكسان (Saint-Maixent)»، ولكن ما لبث أن فر في آخر عام 1958 من الجيش الفرنسي ليلتحق بالناحية الأولى لـ«جيش التحرير الوطني الجزائري» التي كان على رأسها الشاذلي بن جديد. وقد قوبل بشكوك آنذاك بحكم التحاقه المتأخر بالثورة.

وعلى كل حال ترقى نزار في سلك الجيش إلى أن كلف بـ«إعادة النظام» في أحداث عام 1988 (مظاهرات واحتجاجات بسبب أوضاع اقتصادية) التي قتل فيها نحو 600 جزائري، واتهم نزار بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين والتسبب في مجزرة. ورغم ذلك عينه الرئيس الشاذلي بن جديد وزيرًا للدفاع، ثم انقلب عليه في نهاية الأمر. ويوصف نزار بأنه أبرز وجوه جنرالات فرنسا في الجيش الجزائري والذين لعبوا الدور الأساسي في ذلك الانقلاب.

الكفة تميل لصالح رئيس أركان الجيش

نتيجة هذه الحروب الطاحنة في كل الاتجاهات تبدو حتى الآن في صالح رئيس أركان الجيش، قايد صالح، الذي تحول مع توالي الأحداث والتغييرات الكبرى بالمناصب العليا في مفاصل الدولة الجزائرية، من مجرد قائد عسكري رفيع إلى واحد من أبرز صناع القرار في البلاد.

ورغم تأكيده المستمر على عدم التدخل في الحياة السياسية والالتزام بالمهام الدستورية للجيش، فإن دور قايد صالح سيكون مركزيًا في ترتيب وصول الرئيس القادم إلى كرسي الحكم في الفترة المقبلة.

يلقبونه بـ«المنجل».. الجنرال الجزائري الذي «حصد رؤوس» رجالات بوتفليقة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد