لم تشأ الطبقة السياسية في تونس أن تدخل الزمن الانتخابي للانتخابات التشريعية والرئاسية المُزمع عقدها العام القادم بهدوء ووضوح، أو هكذا ما بدا عليه الأمر عندما أعلن عن قرار تعليق المُشاورات حول «وثيقة قرطاج 2»، في الثامن والعشرين من  مايو (أيار) الماضي، والذي كشفت الأحداث اللاحقة أنه لم يكن حدثًا عابرًا في الساحة السياسية في تونس.

كانت هذه المُشاورات قد انطلقت في يناير (كانون الثاني) الماضي، بدعوة من الرئيس التونسي، وشاركت فيها الأطراف المُوقّعة على وثيقة قرطاج في نسختها الأولى، بهدف التباحث حول سُبُل حلحلة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية القلقة التي بدأت كل الأطراف بتحسس خطورتها في تلك الفترة.

وعلى عكس ما سارت عليه مُشاورات وثيقة قرطاج الأولى والتي انتهت بالاتفاق على إقالة حكومة الحبيب الصيد؛ شهدت النّسخة الثانية اختلافًا في وجهات النّظر حول النّقطة 64، التي طرحت إمكانية النظر في تركيبة الحكومة وإجراء تغيير وزاري جزئي أو شامل: بينما ذهب الاتحاد العام التونسي للشغل وحزب نداء تونس (الحزب الفائز في انتخابات 2014 وحزب رئيس الحكومة) إلى اعتبار التغيير الشامل للحكومة أحد الضرورات التي يفرضها الواقع، تمسّكت النهضة بما أسمته «الاستقرار الحكومي» متبنية خيار التعديل الجزئي مع التمسك بالشاهد رئيسًا للحكومة.

ورغم حرص الباجي قائد السبسي على الظهور في ثوب الراعي للحوار دون أن يكون له موقف منحاز لهذا الطّرح أو ذاك؛ كان رفض حركة النهضة المُضي في عملية تغيير حكومي شامل مُوجّهًا بالأساس للرئيس التونسي باعتبار أن دعوته لمشاورات «قرطاج 2» كان الهدف منها منذ البداية إقالة رئيس الحكومة الذي شهدت علاقته به توترًا عقب تنصيبه، وهو ما كان يتم تداوله في الكواليس دون الإفصاح عنه صراحة.

دخلت تونس إذن حالة من الانسداد السياسي، لم يكن أكثر المتشائمين يتوقّع أن تدخل شهرها الخامس دون أن يهتدي لاعبو السياسة فيها إلى حل لها أو مخرج منها. انسداد رمى بظلاله على الساحة السياسية ككل لينتهي بإعلان انتهاء التوافق بين رئاسة الجمهورية وحزب حركة النهضة، وفق ما أعلنه قائد السبسي، في تصريح تلفزيوني، أواخر شهر سبتمبر (أيلول) المنقضي.

توافق الشيخين.. من هنا بدأت القصة

في يوم 25 يوليو (تموز) 2013، الموافق لذكرى إعلان الجمهورية في تونس، جرت عملية اغتيال سياسي راح ضحيته النّائب بالمجلس التأسيسي عن حزب التيار الشعبي، محمد البراهمي، وهو الاغتيال الثاني في ظرف ستة أشهر.

خبر استقبل به التونسيون يومهم لتشهد البلاد أزمة سياسية غير مسبوقة تعالت فيها الأصوات المُنادية بإسقاط الحكومة وحل المجلس التأسيسي الذي كان -في تلك الفترة- يستعد للانطلاق في جلسات المُصادقة على النّسخة النهائية للدّستور، والتي لم تكن خالية من بعض النّقاط الخلافية التي دفعت درجة الاستقطاب نحو حدّها الأقصى.

سُرعان ما استثمرت الأحزاب المعارضة وجمعيات قريبة منها حادثة الاغتيال لتعلن عن تأسيس جبهة سياسية تحت عنوان «جبهة الإنقاذ»، في محاولة لإعادة إنتاج التجربة المصرية، داعية إلى التعبئة الشعبية في مقرّات السلطة المحلّية والجهويّة وتنظيم تجمهر شعبي دائم الانعقاد قبالة مقر المجلس الوطني التأسيسي سُمّي «اعتصام الرّحيل» لفرض حلّه وحلّ هيئات السلطة المؤقتة المنبثقة عنه (رئاسة الجمهورية والحكومة) والتّهديد بالعصيان المدني.

انقسم الشعب التونسي كما لم ينقسم أبدًا منذ أحداث ثورة 2011، وبلغت درجات الاحتقان حجمًا غير مسبوق خاصة في ظل التجاذب حول شرعيّة منظومة 23 أكتوبر(تشرين الأول) التي أفرزتها انتخابات 2011 بين مُتمسّك بها وبين من يعتبرها مُنتهية.

في الأثناء؛ تم ترتيب لقاء -عُرف لاحقًا إعلاميا باسم لقاء باريس– بين رئيس حركة النهضة التي كانت تقود ائتلاف الترويكا الحاكم، راشد الغنوشي، ورئيس حركة نداء تونس التي كانت تتزعّم «اعتصام المصير» المُطالب بإسقاط كل المُؤسّسات التي أفرزتها انتخابات المجلس التأسيسي، الباجي قائد السبسي، لينتج عن هذا اللقاء تحوّل جوهري في مسار الأزمة من خلال الإعلان عن انطلاق حوار وطني، تحت رعاية الاتحاد العام التونسي للشغل وعمادة المحامين واتحاد التجارة والصناعة والصناعات التقليدية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

Embed from Getty Images

الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي

وتكريسًا لمقولة أنه لا يوجد صديق دائم ولا عدو دائم في عوالم السياسة، جلست حركة النهضة وحركة نداء تونس على نفس الطاولة بعد مرحلة من التلاسن الحاد بين الطرفين. وانتهى الحوار إلى توافق حول خارطة طريق تضمّنت التسريع في المصادقة على الدستور وتجاوز النقاط الخلافية ثم استقالة حكومة علي العريض يليها التوافق على حكومة جديدة تُؤسسها كفاءات وطنية غير متحزّبة (تكنوقراط) مهمتها الأساسية إعداد وتنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية بالإضافة للتسريع في إنهاء مرحلة الانتقال الديمقراطي والمصادقة على أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات والمصادقة على القانون الانتخابي.

لم تقف موجة تقليص الهوة بين حركة النهضة التي تمثل المحافظين، وحركة نداء تونس التي تعتبر نفسها امتدادًا للمشروع البورقيبي العلماني، عند حدود التعايش والقبول بالآخر، بل تطور الأمر ليتحول إلى تجربة للحكم المشترك بين من كانا يوصفان بأنهما نقيضين.

عقب الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2014؛ وتحت ضغط مُختلف الأحزاب؛ رشّح نداء تونس شخصيّة مُستقلّة لتشكيل الحكومة وهو الحبيب الصّيد، ليمر تشكيل الحكومة بمحطّتين كانت الأولى يوم 23 يناير (كانون الثاني) عندما قدّم مُقترحًا أولًا استثنيت فيه حركة النهضة، صاحبة الكتلة البرلمانية الثانية، تماهيًا مع أحد أبرز الوعود الانتخابية التي أطلقها نداء تونس ومُؤسسه الباجي قائد السبسي والمتمثل في استحالة التقائها معها في أي مشروع أو برنامج سياسي.

لم يمر هذا التوجه في ظل عدم القدرة على تحصيل أغلبية مُريحة داخل البرلمان، وهو ما اضطر رئيس الحكومة المُكلّف أن يُدخل تعديلات على المُقترح المُقدّم تحصل به النهضة على حقيبة وزارية وحيدة وثلاثة كتابات دولة، الأمر الذي وفّر له دعمًا برلمانيًا تترجم بالمُصادقة على حكومته يوم 5 فبراير (شباط) 2015، لتجد حركة النهضة نفسها جنبًا إلى جنب مع حركة نداء تونس على سدة الحكم، وهو ما اُعتبر تكريسًا لحالة التوافق بين «الشيخين» والتي انطلقت بلقاء باريس، السابق ذكره.

تميّزت فترة الانتقال الديمقراطي في تونس بقصر عمر حكوماتها، وسرعة التداول على وزاراتها. ولم تكن الفترة التي عقبت تأسيس «الجمهورية الثانية» لتشذ عما أصبح سُنة وتقليدًا سياسيًا في البلاد. قبل أن تتم حكومة الحبيب الصيد سنتها الثانية؛ فاجأ الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، الساحة السياسية بإعلانه يوم 2 يونيو (حزيران) 2016، عبر حوار تلفزي مُباشر، عن مبادرة تتمثل في الدعوة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية بديلًا عن الحكومة القائمة وقتها انطلاقًا من تشخيصه للأوضاع والذي اعتبر أن الحكومة القائمة لم تفلح في معالجتها.

انطلقت المُشاورات حول حكومة الوحدة الوطنية تحت إشراف السبسي، لتُتوّج بإمضاء أحزاب ومنظّمات وطنية على «وثيقة قرطاج» -في نسختها الأولى- التي تلخص أولويات الحكومة المُنتظرة الوحدة الوطنية ومن بينها كسب الحرب على الإرهاب وتسريع نسق النمو لتحقيق أهداف التنمية ومقاومة الفساد.

وبعد سحب الثقة من الحبيب الصّيد برلمانيًا، والتي لم يكن السبسي لينجح فيها -عملية سحب الثقة- بدون دعم الكتلة البرلمانية لحركة النهضة، اقترح الرئيس التونسي يوسف الشاهد، وزير الشؤون المحلية في الحكومة المُتخلّية ليكون رئيس الحكومة القادمة، ثُمّ كلّفه رسميًّا بتشكيلها.

وانتهت مُشاورات تشكيل الحكومة بتقديم مُقترح، ضم شخصيّات نقابيّة وأخرى مُستقلّة وسبعة أحزاب من بينها نداء تونس وحركة النهضة، تم منحها الثقة بأغلبية 167 صوتًا، يوم 26 أغسطس (آب) 2016، لتشهد تونس أوسع ائتلاف حاكم في تاريخها وليكون الشاهد وحكومته إحدى ثمار التوافق بين الشيخين وبقية الأطراف الوازنة في المشهد السياسي التونسي.

200 ألف هارب منها.. لماذا يعزف شباب تونس عن الخدمة العسكرية؟

السبسي يعلن نهاية التوافق

طالت أزمة الحكم في تونس مع حالة الانسداد الذي سببه تباين الآراء حول مصير حكومة الشاهد وتواصلت ضبابية المشهد إلى حين إعلان الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، انتهاء العلاقة بينه وبين حركة النهضة ، مُعتبرًا أنها «نفضت يديها منه»، وأنها خيرت التحالف مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد.

إعلان السبسي لانتهاء التوافق أشّر إلى حجم التداعيات التي سببها موضوع التمسك بالشاهد من عدمه  وأسدل الستار عن مرحلة سياسية هامّة نزعت فتيل انقسام حاد كان يُمكن أن تمضي فيه البلاد ذات صيف من سنة 2013 وما تلاها من محطّات. السبسي الذي أفصح للمرّة الأولى عما كان يتم تداوله في الكواليس حول توتر علاقته مع يوسف الشاهد، اعتبر أن قطع العلاقة مع حركة النهضة كان بسعي منها بعد أن اختارت المضي في طريق أخرى مُشبّهًا إياها بـ«المغامرة».

Embed from Getty Images

الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي

تختلف القراءات حول طبيعة ومنبع هذا البرود بين السبسي والشاهد والذي سرعان ما تحول إلى صراع بين مُؤسسات الدولة، بين من يقول أنه صراع بين رأسي السلطة التنفيذية تحوّل إلى الحزب، والمقصود هنا نداء تونس، ومن يقول أن السبسي دخل هذه المعركة انتصارًا لنجله الذي يقود الحزب والذي لم يعد الشاهد متعاونًا معه بالشكل الذي ينتظره. لكن الثابت  أن السبسي كان ولا يزال لم يهضم محدودية الصلاحيات التي منحها النظام السياسي الجديد لرئيس الجمهورية مقارنة بما منحه لرئيس الحكومة رغم أن الأخير لم يقع انتخابه مباشرة وعلى دورتين كما هو الحال بالنسبة إليه.

لم يخل خطاب للرئيس السبسي منذ دخوله قصر قرطاج من تأكيده السهر على احترام الدستور وحسن تطبيقه، إلا أن خبرته السياسية الطويلة، وهو الذي دخل عقده العاشر منذ سنتين، جعلته دائم المناورة ليكون، رغم سجن الصلاحيات الدستورية، المُتحكّم الأكبر باللعبة السياسية في البلاد.

أراد السبسي أن يزيح الشاهد بذات الطريقة التي أزاح بها سلفه الصيد: عنوان جذاب ووثيقة ومُشاورات يعقبها خلق حالة من الإجماع السياسي الداعمة لرغبته وقراره يكتفي البرلمان لاحقًا بترجمتها أياد تُرفع وتنزل. وما غاب عن السبسي أو ما أهمله كان تحوّل موقف النهضة ومدى قابلية مساندتها غير المحدودة له، فكان الثمن أن دخلت البلاد في مرحلة من الضبابية.

القوات المسلحة التونسية.. قصة جيش لا يسعى إلى السلطة!

النهضة بين الاستقرار الحكومي والتمسك بالتوافق

كان موقف حركة النهضة ولا يزال إلى حدود كتابة هذه الأسطر مُتمسّكًا بالاستقرار الحكومي. بمجرّد خروجه من الجلسة التي أعلن فيها السبسي تعليق المشاورات حول وثيقة «قرطاج 2»؛ عبّر رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، لوسائل الإعلام، عن رفضه الإطاحة بالحكومة، مُشيرًا إلى أن حزبه لا يرى مصلحة لتونس في ذلك.

حمّل الغنوشي مسؤولية تعطل المُشاورات من وصفهم بأنهم لم يسعوا إلى التوافق داعيًا إياهم إلى تحمل مسؤولياتهم، وفق تعبيره. ويتلخّص الطّرح المُعلن لموقف حركة النهضة في أن التغيير الحكومي الشامل لن يخدم البلاد وهي على مرمى حجر من استحقاق انتخابي قادم وهو الانتخابات التشريعية والرئاسية المُزمع عقدها في أواخر سنة 2019، وفي ظل وضع اقتصادي واجتماعي دقيق لن يتحمّل فترة أخرى من التشاور حول رئيس حكومة جديد وتركيبة جديدة، وهو الأمر الذي قد  يحتاج إلى وقت ثمين لا تملكه البلاد. وتدعم النهضة موقفها بمحطات التغيير الحكومي الشامل التي عرفتها البلاد في أكثر من مناسبة منذ الثورة والتي لم يكن لها أثر يُذكر على المشهد العام، بل قد يكون الأثر سلبيًا.

بالمُقابل؛ تذهب بعض القراءات لاعتبار أن موقف النهضة لا يتعلق بالظرفية الحالية وحسب، وإنما يتنزّل في إطار استراتيجية كاملة تهدف لإعادة التموقع في المشهد السياسي، خاصّة بعد فوزها في الانتخابات البلدية -التي شهدتها البلاد في شهر مايو الماضي -والإعداد لتحالفات مُستقبلية تنطلق من قراءة للأوضاع الدّاخلية لحزب نداء تونس، ورهانها على يوسف الشاهد بديلًا عن الباجي قائد السبسي ونجله حافظ قائد السبسي الذي يقود الحزب في الوقت الحالي.

Embed from Getty Images

راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية

ورغم إفصاح قائد السبسي عن قطع العلاقة مع حركة النهضة ردّ فعل على موقفها من حكومة يوسف الشاهد، تُصر الأخيرة على حاجة البلاد لمواصلة نهج التوافق وهو ما ورد في بيان لمجلس شوراها في النقطة الثالثة، والتي أكّدت على «تثبيت التوافق والتشارك خيارًا استراتيجيًّا يشمل كافة القوى الوطنية من أجل تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي وإنجاز الإصلاحات ومقاومة الفساد والسير بالبلاد نحو الانتخابات في موعدها المحدد وفي أحسن الظروف. كما يدعو الى الحفاظ على علاقة إيجابية مع رئيس الدولة ومواصلة التفاوض مع رئيس الحكومة لاستكمال الشروط الضرورية للشراكة مع الحرص على إيجاد علاقة بناءة مع اتحاد الشغل».

النهضة كانت قد اشترطت تواصل دعمها ليوسف الشاهد وتأمين مُواصلته الجلوس على كُرسي رئاسة الحكومة «الإعلان عن عدم نيته وأعضاء حكومته الترشح للانتخابات القادمة» بهدف التفرغ للإصلاحات الكبرى التي يحتاجها الاقتصاد التونسي، إلا أن هذا الشرط وهذه الدعوات المتكررة والتي صدرت سنة 2017 عن رئيسها، ثم عن مكتبها السياسي سنة 2018، ظلت بلا جواب إلى حد الآن.

الشاهد أكبر المستفيدين

وإذا كان من مستفيد من هذه الأزمة -نهاية التوافق- فهو بلا شك يوسف الشاهد، رئيس الحكومة. هذا الأربعيني والذي لم تكن له تجارب سياسية قبل الثورة، انتقل بسرعة من موظف في مجال السياسات الفلاحية وأساسًا في ميدان الأمن الغذائي وتطوير الشراكة الفلاحية بين تونس والولايات المتحدة وأستاذ جامعي في معاهد فرنسية، إلى كاتب دولة لدى وزير الفلاحة مكلفًا بالصيد البحري في حكومة الحبيب الصيد سنة 2015، ثم وزيرًا للشؤون المحلية سنة 2016 إثر التعديل الوزاري الذي شهدته ذات الحكومة، ليجد نفسه خلال أقل من سنتين رئيسًا لحكومة البلاد التونسية.

ورغم فضل الباجي قائد السبسي عليه باعتباره كان وراء ترشيحه ليخلف الحبيب الصيد على رأس الحكومة؛ كان لطموح الشاهد رأي آخر. فبمُجرّد أن أخذ مكانه في رأس السلطة التنفيذية الأوّل، بدأ الحديث عن وجود خلافات مع السبسي الابن وحزبه خاصة فيما يتعلّق بالمستشارين الذين أحاط بهم نفسه وهم بالأساس رُفقاؤه القدامى في الحزب الجمهوري، الذي كان من مُؤسسيه قبل أن ينتقل إلى حزب نداء تونس.

Embed from Getty Images

رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد (يسار) مع السبسي

مع تعالي انتقادات حزبه الذي يقوده نجل السبسي لأداء حكومته؛ فهم الشاهد أن مصير سلفه الحبيب الصيد، والذي تمت الإطاحة به، قادم لا محالة، الأمر الذي دفعه بحسب مُراقبين إلى العمل على تثبيت نفسه في موقعه عبر القيام بعدد من الإجراءات النوعية وأبرزها اعتقال عدد من كبار المتهمين بالتهريب، ورفعه شعار مُحاربة الفساد، وهو ما ساهم في ارتفاع مستوى شعبيته لدى الرأي العام التونسي.

في ذات السياق، دخل الشاهد معركة كسر عظام مع نجل السبسي، إذ اتهمه في كلمة تلفزية خصّص أكثر من نصفها للحديث عن الأوضاع الدّاخلية لحزب نداء تونس بأنه يقف وراء الحالة السيئة التي يمر بها الحزب، خاصة بعد انشقاق أكثر من 40 نائبًا وتشكيلهم لحزب يقوده الأمين العام السابق للحزب محسن مرزوق، واستقالة شخصيات قيادية أخرى أجمعت على رفضها للتوريث ولأسلوب القيادة الذي يتبعه السبسي الابن.

ومع تواصل الأزمة السياسية في البلاد وضبابية المشهد البرلماني، مضى الشاهد في عملية تأسيس كتلة نيابية داعمة له خاصة مع إعلان نداء تونس رسميًا عن عدم نية كتلته البرلمانية منح حكومته الثقة في حال توجه للبرلمان لتجديد الثقة. تم الإعلان عن تأسيس «كتلة الائتلاف الوطني» يوم 27 أغسطس (آب)، وتكوّنت لحظة تأسيسها من 34 نائبًا مستقلين ومستقيلين من كتلتي حركتي مشروع تونس ونداء تونس ونواب من كتلة  حزب الاتحاد الوطني الحر.

وبالرغم من تأكيد عدد من المنتمين إلى هذه الكتلة بأن الأخيرة لا تمت بأية صلة وليست لها أية علاقة برئيس الحكومة يوسف الشاهد، إلا أنه يوجد إجماع بأنها ستكون سياسيًا خلف الشاهد متى احتاجها وهو ما تكشفه مواقفها إلى حد الآن.

استثمر الشاهد «تحصينه» من طرف النهضة والمهلة الزمنية التي وفرتها له ليساهم بدوره في عملية خلط الأوراق خاصة وهو الذي لا يزال -بحكم تواصل جلوسه على كرسي الحكومة- بمقدوره أن يُوظف سلطة منصبه ليعقد الصفقات والتحالفات وهي إحدى أبرز الاتهامات التي تُوجّه إليه اليوم من طرف خصومه. وبحسب بعض التسريبات، فإن الشاهد عازم على تأسيس حزب جديد يكون بديلًا عن حزبه الأم، نداء تونس.

تونس الأكثر عدلًا بين العرب.. أين تقع بلدك في مؤشر العدالة الاجتماعية 2018؟

الكل يناور والخاسر واحد

تحوّلت إذن ثمرة التوافق إلى بذرة من بذور فنائه، وتحوّل يوسف الشاهد الذي كان بالأمس القريب أحد تمظهرات التوافق بين الشيخين إلى عُقدة الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، وتحوّلت مع كلّ هذا حالة الاستقرار السياسي الذي كان يُميّز تونس عن شقيقاتها التي ركبت موجة الربيع إلى حالة من القلق الشديد الذي لم تظهر بعد أفق انجلائها.

وبرأي المراقبين فمن فرادة المشهد السياسي التونسي، بل من علامات الخلل الفادح في النظام الذي يُسيّره، ألا يبادر رئيس الحكومة بالاستقالة بعد خسارته الدّعم السياسي من حزبه ومن المنظّمة الأبرز والأقوى تأثيرًا في البلاد، الاتحاد العام التونسي للشغل، عكس ما جرت به الأعراف في الديمقراطيات.

عوض ذلك، اعتمد الشاهد على حالة اللاتوازن العددي في البرلمان ليفرض نفسه أمرًا واقعًا مُستفيدًا من إعادة التموقع التي قامت بها النّهضة، ليكون بذلك أوّل من يُنهي -ضمنيًّا- العملية السياسية الحالية والتي قامت على التوافق والتداول السلمي على السلطة وليس على المُغالبة العددية، خاصة وهو الذي أصبح عمليا بلا حزب.

Embed from Getty Images

مظاهرات أمام مقر الاتحاد العام التونسي للشغل في تونس

انطلاق السبسي في عملية تهدف لإقالة الحكومة دون أن يوفّر شروط نجاحها من جهة، وموقف النّهضة وتمسّك يوسف الشاهد بمنصبه رغم اندثار الإطار السياسي الذي أتى به إلى القصبة من جهة أخرى، لا يُمكن بنظر البعض إلا أن يعلن انتهاء العملية السياسية الحالية، وسواء حافظت النهضة على موقفها أو تراجعت عنه، وسواء تمكّن الشاهد من فرض الأمر الواقع أو أُسقط بالبرلمان أو بالشارع، فالمُحصّلة واحدة: انتهاء العملية السياسية الحالية.

ومما يزيد الطين بلة، أن يتزامن إنهاء العملية السياسية القائمة وتنوع مناورات كل اللاعبين بلا استثناء مع صعوبات اقتصادية كبرى تشهدها تونس، خاصة مع تراجع قيمة العملة المحلية في سعر سوق العملات، ما ترتب عنه من تعميق لحجم الخلل في الميزان التجاري وارتفاع الأسعار بشكل يكاد يقضي على الطبقة المتوسطة، وعوض التركيز على معالجة هذه الملفات الحارقة، يستعر صراع السلطة من أجل السلطة.

لا تلوح في الأفق بشائر حل قريب للأزمة السياسية التي تعيشها البلاد: صراع حاد بين رأسي السلطة التنفيذية، وإحياء لملف الاغتيالات السياسية واتهام حركة النهضة بتهم شتى كانت حاضرة قبل التوافق، بعد أسبوع فقط بعد إعلان السبسي قطيعته معها، وساحة متحرّكة مُترعة بحسابات انتخابات 2019 التي يحذّر سياسيون ومحللون من إمكانية عدم القدرة على تنظيمها في حال ما استمرّت الأوضاع على ما هي عليه. ورغم نجاح الشاهد في فرض الأمر الواقع وتمرير التعديل الوزاري، يبدو أن «صراع العروش» لم ينته بعد.

الأموال مقابل الولاء.. التدخل السعودي في تونس «يحمل بصمات حرب اليمن»

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد