لا يخلو عالمنا من العصابات والجريمة، فهي إحدى الركائز التي بنيت عليها فكرة الصراع في عالمنا الحالي؛ صراع بين الأغنياء والفقراء، وبين الحاكمين والمحكومين، وقد اكتسب المجتمع البشري قدرةً جيدةً على الحكم على الأطراف، وأي منهم ينحاز للخير ومن منهم يمثل الشر والشيطان.

في لمحات من التاريخ البشري كانت قدرتنا على التفرقة بين الخير والشر مشوشة على غير العادة، جسدت الأسطورة هذه الحالة البشرية في أساطير عدة، أبرزها أسطورة روبن هود. تحكي الأسطورة أن روبن هود كان أبًا وسيمًا يعيش في إحدى بقاع الريف البريطاني، وقد كان بطلًا بالنسبة للفقراء؛ وذلك لأنه قاوم السلطة التي فرضت عليهم قوانين الغابة، وقد فرضت سلطة العدالة أن يرتكب جرائم النهب والسرقة من أجل توزيع الغنائم على الفقراء والمساكين والضعفاء.

في سبتمبر (أيلول) 2014، تجسدت أسطورة روبن هود في واقعنا الحالي، فقد استلم 2700 طالب إخطارًا بأن مصاريفهم الدراسية المتأخرة قد سقطت من حسبة ديونهم ولن يضطروا لسدادها، مرفق برسالة: «نزف إليك هذه الأخبار السارة، لقد سقط عنك المبلغ الذي تدين به لجامعتك الخاصة، ولم يعد عليك رهن مستقبلك لإكمال تعليمك».

في عالم يسيطر فيه عدد قليل من الأشخاص على موارد الكثرة، تظهر شخصية روبن هود المعقدة، فهو طموح، وراعٍ، ومحب، ولا يرحم، وقاتل وشيطان، ومجرم خارج عن القانون، وحنون، لن يمكن الوصول إلى حقيقته ولكن ما يمكن التأكد منه أن إجرامه هذا كان سببًا في تعاسة الأغنياء، وتحسينًا لحياة كثير من الفقراء والضعفاء الذين لم ينساهم مع كل عملية سطو أو سرقة يقوم بها. نرصد في هذا التقرير أمثلة من العصابات وزعمائها الذين جسدوا هذه الأسطورة في الواقع الذي يعيشه الناس.

فولان ديفي.. ملكة اللصوص الهندية

ولدت فولان ديفي عام 1963، في قرية على ضفاف نهر يامونا المقدس في ولاية أوتار براديش شمال الهند، وهي ابنة لأسرة فقيرة تعتبر الفتيات عبئًا، وبسبب الفقر لم تتلق تعليمها الرسمي في المدرسة. بمرور الوقت، ظهرت طبيعتها المتمردة في رفضها تنصيب أبناء عمومتها عليها والأحكام الأخلاقية التي أطلقوها عليها، حتى تزوجت في الحادية عشر من عمرها من رجل يكبرها بثلاثة أضعاف عمرها، وكان يعنفها باستمرار ويغتصبها ويضربها بوحشية مفرطة.

 

هربت فولان ديفي من زوجها عائدة إلى منزل أبويها، لكنها لم تنجح في النجاة، فقد تمت معاقبتها على جريمة لم ترتكبها، عندما اتهمها ابن عمها بالسرقة انتقامًا منها، لتقضي ثلاثة أيام في قسم الشرطة تحت التعنيف الشديد. اضطرت بعد تنفيذ العقوبة للعودة إلى قريتها، وهناك خضعت لسلطة المجتمع عليها حتى وقعت ضحية تحت يد مجموعات من المجرمين المنظمين التابعين لشخصيات من الطبقة العليا، اغتصبوها لأسابيع بالتناوب بينهم وبين العصابات المنافسة.

Embed from Getty Images

 

وقعت فولان ديفي في حب أحد أفراد عصابات قطاع الطرق، وكان يُدعى فيكرام، والذي قتل زعيم عصابته بعد محاولته اغتصابها، ثم أصبح فيكرام الزعيم الجديد للعصابة. دخلت فولان معه قرية زوجها المغتصب مع أفراد العصابة وزعيمها الجديد وطعنت زوجها القديم أمام أهالي القرية، وألقت رسالة تحذير لبقية الرجال من مواجهة مصير مماثل إذا حاولوا الزواج بفتيات صغيرات من قريتها.

لم تدم الأيام التي عاشت فيها فولان ديفي محمية من الخطر، فقد تم قتل حبيبها فيكرام، وكانت في عامها السابع عشر في هذه الأثناء، وتم اختطافها واغتصابها مرارًا على يد زعماء العصابات، وبعدما استطاعت فولان ديفي تحرير نفسها، قررت حمل السلاح، وأسست عصابة خاصة من المجرمين وتولت قيادتها.

اعتمدت فولان على عصابتها في تنفيذ سلسلة من عمليات السطو والسرقة والخطف في القرى المجاورة، واختصت الطبقة العليا بعملياتها، حتى أنها اختارت عيد الحب عام 1981 لإعدام 22 رجلًا هندوسيًّا من الطبقة العليا، انتقامًا منهم لأنهم أساؤوا معاملتها، وكانوا سببًا في المآسي التي شهدتها في حياتها، فيما عُرف إعلاميًّا بـ«مذبحة بوماي».

قدمت فولان ديفي نفسها للسلطة في عام 1983، وقضت عقوبتها مدة 11 عامًا بالسجن في 22 قضية قتل و26 قضية أخرى بين الاختطاف والنهب. وتم تبرير الجرائم التي قامت بها فولان ديفي بأنها كانت تسلب من الأثرياء من أجل الفقراء والمضطهدين، وتقتل كل من ساهم في مزيد من القمع الممارس على الفقراء، حتى تم التبشير بها على أنها مجسدة لروح الإلهة الهندوسية دورغا.

بعد الإفراج عنها، اختارت ديفي مساعدة الفقراء بتمثيلهم سياسيًّا، إذ تم انتخاب فولان ديفي عضوة في البرلمان الهندي، وأصبحت مسؤولة عن حماية القطاع الأضعف في المجتمع، وتعهدت بتوفير مياه الشرب والكهرباء للفقراء، وبناء مدارس ومستشفيات. وبدأت في الدفاع عن حقوق المرأة باستخدام قنوات مشروعة، وفي عام 2001، وهي في الرابعة والثلاثين من عمرها، كانت فولان ديفي تقف أمام منزلها، خلال خدمتها في الفترة الثانية بالبرلمان؛ بينما أطلق أشخاص الرصاص عليها لتنتهي حياتها على الفور. تم توثيق حياتها في أكثر من فيلم بآراء متضاربة حول هل كانت نبية السماء التي جاءت لإنقاذ الفقراء، أم مجرمة تستحق القتل.

 

جوراج جانوسيك.. قاطع طريق ألهم صناع السينما

كانت المدة التي عمل فيها جوراج جانوسيك قاطع طريق ومحتالًا قصيرة، امتدت بين 1711- 1713م، لكنها كانت كافية لتأسر ألباب شعراء وروائيين وكاتبي الأغاني الشعبية والقصص والأفلام في أوروبا، حتى أصبح أكثر أبطال التاريخ السلوفاكي المحبوبين متخطيًا الملوك والفرسان. تظهره القصص الخيالية بطلًا له قدرة كبيرة على القفز فوق المنازل العالية، والمشي عبر ألسنة اللهب، وكل ذلك في سبيل الانتقام من جشع الأغنياء تجاه الفقراء، ورغم مرور ثلاثة قرون على وفاته، ما زالت قصته حديث السينما بداية من أول أفلام السينما السلوفاكية مثل فيلم «جانوسيك» إنتاج عام 1921، حتى فيلم «جانوسيك: التاريخ الحقيقي» من إنتاج 2009 لمخرج بولندي.

تمثال جوراج الكائن في مسقط رأسه. المصدر: slavorum

وُلد جانوسيك في مستوطنة نائية في سلوفاكيا حاليًا عام 1688، وشهدت منطقته سلسلة عنيفة من الانتفاضات المناهضة لملكية «هبسرج»؛ ما تسبب في انعدام الأمن والاستقرار لسنوات تولدت فيها تشكيلات من الشبكات السرية للمتمردين والمجرمين الذين رفضوا سيطرة الألمان في ذلك الوقت، وخلال هذه الفترة لم يختلف جانوسيك كثيرًا عن الأشخاص العاديين، ولم يكن متمردًا؛ فزرع المحاصيل، ورعى الأغنام والماشية، وتعلم حرف تقليدية في الريف متعلقة بالفلاحة.

 

حارب جانوسيك مع عصابات متمردي كوروك وهو في الخامسة عشر من عمره، وثار مع زملائه ضد كل من كانوا يسعون للحصول على مزيد من السيطرة على الأراضي السلوفاكية، واستمر معهم حتى انضم إلى الجيش الإمبراطوري، في سن التاسعة عشر، وكان قراره هذا بسبب الأجر الأعلى والجهد الأقل. وكان هذا العمل الذي قاده لمقابلة أشخاص ما كان ليقابلهم من دونه؛ فهناك وأثناء عمله حارسًا للسجن، التقى بتوماس أوهورسيك قاطع الطرق وزعيم أحد عصابات الخارجين عن القانون. وقرر جانوسيك الانضمام إلى مجموعته من قطاع الطرق ومحترفي السطو، وأصبحا صديقين حميمين، وتشاركا في عملية سطو كبيرة لسرقة القماش.

تولى جانوسيك قيادة العصابة بعد فترة قصيرة من العمل عضوًا بها، بعد زواج توماس وتركه العمل غير القانوني. وتوسع جانوسيك في المهام التي تؤديها عصابته بأن تجول في جبال وأودية سلوفاكيا وبولندا ومورافيا لسرقة الأرستقراطيين والتجار الأغنياء، ثم مشاركة وتقسيم الغنائم مع الفقراء. فكان جانوسيك يسطو ويسرق ويُرهب لكنه تبنى حزمة من المبادئ وأخلاق الفروسية، فكان يهتم بضمان عدم مقتل أو إصابة شخص أثناء قيامه هو وعصابته بالسطو أو السرقة.

شخصية جانوسيك وابنه في فيلم أنتج عام 1936. المصدر: slavorum

تمتع جانوسيك وأولاده، بحسب الأساطير، بشعبية كبيرة بين السكان المحليين في سلوفاكيا؛ حتى أن فقراء هذه القرى ساعدوهم على الاختفاء في كل مرة حاولت الشرطة القبض عليهم، وبحسب هذه القصص فإن شعبية جانوسيك هذه جاءت من إعجاب العامة به لأنه كان يقسم ما ينهبه بينهم، ولم يتعرض لهم، بل منح الفتيات الصغيرات خواتم ذهبية، ومعاطف من الفراء، وسيوفًا مزينة لصغار القرويين الفقراء.

تم القبض على جانوسيك أثناء زيارته لصديقه الذي سُجن وحُوكم معه، وداهم المنزل 20 شرطيًّا، بعد فترة مراقبة وعرض مكافأة لمن يدلي بمعلومات عن جانوسيك. استغرقت التحقيقات مدة شهرين شملت عشرات الشهادات والمواجهات والاستجوابات. ولإجباره على الاعتراف تم تقييد جانوسيك بالأغلال إلى الحائط في سجن قلعة فيرانوفا، واستجوابه في غرفة التعذيب، وضربه وربطه وتعليقه في السقف، وتثبيت مسامير في ساقيه، وفصل أظافره عن أصابعه، ورغم ذلك أثبتت السجلات أنه لم يعترف بأسماء أي من زملائه رغم اعترافه ببعض الجرائم التي ارتكبها. وما زالت أدوات تعذيبه موجودة في متحف مانور بالجانب الغربي من مدينة ليبتوفسكي ميكولاش في سلوفاكيا.

انتهت حياة جانوسيك عندما اخترق سهم الإعدام ضلعه الأيسر إلى قلبه، وعُلق من برج في السجن، وظل حيًّا ثلاثة أيام، ورفض الحراس إزالة جسده، بعدما صدر حكم بالإعدام عليه في 17 مارس (آذار) 1713، وهو في الخامسة والعشرين من عمره.

 

بابلو إسكوبار.. بطل فقراء كولومبيا

ولد بابلو في الفاتح من ديسمبر (كانون الأول) عام 1941، في ريونجرو، وتربى في ميديلين تربية متواضعة، لأسرة كبقية مواطني كولومبيا المكافحين. نشأ بابلو في بلد تملأها العصابات والدم والجريمة، فكان من الصعب عليه أن يعيش فيها حياة طبيعية مستقرة وآمنة، لكنه كان يردد على أصدقائه دومًا أنه يحلم بأن يكون رئيسًا لكولومبيا، لكن البيئة التي أحاطت به ملأت حياته بالجريمة منذ طفولته.

في البحث عن ماضي الراحلين (2): بابلو إيسكوبار.. تاجر المخدرات الذي أراد أن يحكم كولومبيا

بدأ بابلو نشاطه الإجرامي بعد وقت قصير من تسربه من التعليم الجامعي، وعمل على بيع المنتجات المهربة إلى عصابات المهربين، وسرقة السيارات، واختطاف الأغنياء للحصول على فدية. بعد فترة من هذه الأعمال غير القانونية اكتسب بابلو خبرة ساعدته على بيع الكوكايين لأول مرة، وبحلول عام 1975، كان قد وضع خطته التأسيسية لأول تجربة تهريب خطرة في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي التجربة التي نجحت، وسرعان ما ارتفعت أسهم أعمال بابلو، حتى أنه كان ينقل من 70 إلى 80 طنًّا من الكوكايين لزبائنه الأمريكيين بحلول الثمانينات.

 

 

كان بابلو -وما زال- أكثر المهربين مسؤولية عن شيوع مخدر الكوكايين في الولايات المتحدة الأمريكية، بينما كان في أوج مسيرته المهنية، إذ كان المسؤول عن دخول 80% من الكوكايين المهرب عبر الحدود الأمريكية، ما جعله واحدًا من أغنى رجال العالم، ودخل وسط قائمة كبار رجال الأعمال على فوربس. وكانت وسيلته في كسب ثروته نشر الإدمان والتسبب في الموت المباشر للكثير من المتعاطين لمواده المهربة.

اعتبر الكثيرون بابلو إسكوبار أنه مبعوثًا للشر وسفيرًا للشيطان، ومع ذلك، وخلال أكثر سنوات عمله ازدهارًا، لم ينكر المجتمع المحلي سخاء بابلو وأنشطته التي كانت تهدف بشكل رئيس لتحسين حياة السكان المحليين. كان إسكوبار بالنسبة لفقراء مدينة ميديلين الكولومبية بطلًا، فكان دومًا ما يوزع الأموال على الطبقة الدنيا والمعدومين، ويوفر لهم الاحتياجات المدنية مثل مشاريع للإسكان، كما كان يرعى فرق كرة قدم للأطفال الموهوبين، وقام ببناء المدارس والكنائس والمستشفيات في غرب كولومبيا، كما تبرع بمبالغ طائلة للجمعيات الخيرية، والملاجئ لأن حكومة كولومبيا لم تكن تفعل ذلك لشعبها.

Embed from Getty Images

لم يهتم بابلو، رغم الملايين التي كان ينفقها على الفقراء والمعدومين، بأن يكون زعيمًا سياسيًّا على الإطلاق، ولم يهتم بالطريقة التي يراه عليها أهل كولومبيا، سواء يرونه ملاكًا أو شيطانًا، حتى أحبه الناس، كابن فقير خرج من قريتهم ليعود لهم بالمال الكافي لتحسين حيواتهم البائسة. وقال عنه أحد عملاء وكالة مكافحة المخدرات الموكل بمراقبة بابلو إسكوبار: «أحبه الناس كثيرًا ووقف هذا الحب في طريقنا طوال الوقت، فالكثير في كولومبيا ينظرون له على أنه إله، لكنه كان محترفًا في اللعب بمشاعرهم».

خلال عمله استخدم بابلو أساليب عدوانية لحماية تجارته ومصالحه، فكان كلما تحداه شخص أو مؤسسة بالفعل أو بالقول كان بابلو يأمر باغتياله على الفور، سواء كان هذا الشخص شرطيًّا أو صحافيًّا أو حتى قاضيًا لمحكمة؛ حتى أنه عندما حاولت الحكومة الكولومبية تضييق الخناق عليه، استخدم سلطة المال لتمويل عمليات الاغتيال بكولومبيا. وشن بابلو حربًا مفتوحة، وتشويه صورة كل من يفكر في إيقافه أو تعطيل أعماله.

ليس هناك رقم واضح يمكن الإشارة به إلى عدد ضحايا عصابات بابلو إسكوبار، إلا أنه قد يصل للآلاف من أجل حماية التجارة وحماية نفسه من السجن. وكانت أقصى هجماته عنفًا تلك التي شنها على قصر العدل في 1985، بدعمه مجموعة من العصابات لمهاجمة المحكمة العليا الكولومبية، وتدمير الأدلة التي جمعتها الحكومة ضده، وفي الطريق لتحقيق ذلك تم قتل العشرات من الجنود والقضاة.

Embed from Getty Images

توفي بابلو إسكوبار في 2 ديسمبر عام 1993، في تبادل لإطلاق الرصاص. وعندما أعلنت الوفاة احتفلت الشرطة والحكومة والطبقة الغنية في الشوارع، في حين بكى مئات الآلاف من الكولومبيين، وحضر جنازته أكثر من 20 ألف شخص ظهروا وهم يبكون، وظلت قطاعات واسعة في كولومبيا في حالة حداد فترة طويلة، وتحيي ذكرى وفاته كل عام حتى الآن.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد