«الزموا منازلكم، ومن الأفضل لكم ألا نراكم خارجها؛ إلا في متجر أطعمة، أو صيدلية دواء. إليكم الصابون والمطهرات، لتحافظوا على نظافتكم. لا تخرجوا جماعات، واتبعوا تعليمات التباعد الاجتماعي. أنتم في حِلٍّ من الإيجارات والإتاوات هذا الشهر، فقط الزموا منازلكم».

 لم تكن هذه التعليمات صادرة من الحكومات هذه المرة، بل من زعماء عصابات الجريمة والعنف، التي لطالما وقفت في وجه القوانين والتنظيمات الحكومية ولكنها اليوم تلقي بنفسها في الخندق ذاته، فهل هي محاولات لبسط النفوذ، بما يتناسب مع الوضع الراهن، أم استجابات إنسانية، أم انحناءة صغيرة في وجه رياح وبائية لم تبق ولم تذر؟ 

الأمن في عصر كورونا.. أربعة أيام بلا جريمة في السلفادور

عصابات السلفادور الضالعة في ترويع سكان البلاد بالعنف والترهيب، تقف اليوم لتفرض حظر التجوال الذي بدأته الحكومة في البلاد؛ بالتحذير تارة وبمضارب البيسبول تارة أخرى. إذ أظهرت إحدى التسجيلات التي حصلت عليها صحيفة «التايمز» البريطانية أناسًا يجوبون الشوارع بمكبرات الصوت ويحذرون السكان من الخروج للشارع دون حاجة وبلا كمامات. فيما ظهر مقنعون في تسجيلات أخرى يسوقون الناس بمضارب البيسبول لعدم التزامهم بإجراءات حظر التجول. 

ووفقًا لشهادات بعض السكان التي حصلت عليها قناة «فوكس نيوز»، فقد تحركت هذه العصابات منذ اليوم الأول وفرضت الحظر، معلنة شعارًا جريئًا: «لا نريد للفيروس أن يدخل مناطقنا». يقول سائق تاكسي، يبلغ من العمر 25 عامًا: «لزم الناس الحظر لخوفهم من هذه العصابات وليس من الشرطة».

ويقول حلّاق، يقطن في حي تسيطر عليه عصابات «باريو 18» الشهيرة في سان سلفادور: إن رجال العصابة أبلغوا أصحاب الأعمال الصغيرة وسائقي التكاسي بأنهم معفيون من دفع الإتاوات فترة الحظر. لكنه لا يُخفي تخوفه من ازدياد وتيرة القتل بعد رفع الحظر؛ لأن العصابات لن تسقط الديون وستقتل كل من لا يستطيع أن يدفع.

لكن في الوقت الحالي ثمة ما يستحق الاحتفال، حتى بمشاركة وزير السلامة العامة والعدل، روجيليو ريفاس، الذي احتفى عبر حسابه على «تويتر» بمضيّ أربعة أيام على السلفادور في شهر مارس (آذار) دون تسجيل حالة قتل واحدة، وإن أرجع الفضل في ذلك لخطة السيطرة الإقليمية وعمل ضباط الشرطة والقوات المسلحة. 

بينما ترى جانيت أجيلار، التي تدرس الجريمة والعنف في إحدى الجامعات المحلية، أن إجراءات حظر التجول هي السبب وراء انخفاض معدل الجرائم، وهو الأمر الذي تدعمه الإحصاءات. ففي فبراير (شباط) كان عدد حالات القتل المسجلة 114 فيما انخفض هذا الرقم إلى 65 جريمة في مارس. صحيحٌ أننا في زمن الجائحة، لكن ربما كانت هذه فترة راحة نادرة تشهدها بلاد يسكنها 8% فقط من سكان العالم، ولكن ثلث جرائم القتل في العالم تُرتكب في جنباتها. 

انخفاض معدلات العنف حول العالم

ما شهدته شوارع السلفادور ليس استثناءً فقد أدى الحظر في العديد من دول العالم إلى  انخفاض كبير في معدلات الجريمة، فوفقًا للتقرير الذي نشرته «لوس أنجلوس تايمز»، انخفضت جرائم العنف في شوارع جواتيمالا وهندوراس إلى الثلث خلال شهر مارس. أما كولومبيا فقد أعلن قادة العصابات فيها وقفًا لإطلاق النار لمدة شهر ما جعل معدلات الجريمة تتراجع إلى النصف في الشهر نفسه. 

في البرازيل.. غسل اليدين قبل تناول المخدرات

تغيب الحكومة في البرازيل عن العديد من العشوائيات؛ ما يُطلق يد تجار المخدرات وعصابات الجريمة لتفرض ما تشاء على المواطنين. وفي ظل هذا الغياب، انتشرت العديد من التسجيلات التي جابت مواقع التواصل الاجتماعي، وتُظهر تجار المخدرات في أحد أشهر أحياء ريو دي جانيرو – حي مدينة الرب – وهم يحذرون المواطنين عبر مكبرات الصوت من التواجد في الشارع بعد الساعة الثامنة مساء. 

في حين أجبر أعضاء العصابات في منطقة مورو دوز برازيراس إلى الجنوب من العاصمة السكان على التنقل في مجموعات مكونة من شخصين اثنين فقط. وكانت العصابات في منطقة كومبو أيضًا قد أمرت المتاجر والكنائس بتقليص ساعات دوامها. أما في سانتا مارتا المنطقة التي تقع في ظل تمثال المسيح المخلص، فيوزع تجار المخدرات الصابون والمعقمات على الناس، ويضعون لافتات عند مدخل المنطقة كُتب عليها:

«يرجى غسل اليدين قبل الدخول». 

يرى السكان أن العصابات كتبت هذه اللافتات للمدنيين الذين يقصدون المكان لشراء المخدرات، ويرون في الوقت نفسه أنها إجراءات مفرطة في الرفاهية بالنسبة لمنطقة يكسوها الفقر، فكيف لأناسٍ جائعين وينقطع عنهم الماء الجاري لأسبوعين أو أكثر أن يحافظوا على نظافتهم. 

ونقلت تقارير أخرى أن بعض العصابات توعدت من تسوّل له نفسه من التجار برفع الأسعار بالعقوبة الصارمة، وأرجعت سيلينا فيدرانو – مديرة البرامج في مجموعة حقوق الإنسان كريستوسال – في حديثها مع صحيفة «فوكس نيوز» سبب فرض العصابات لمتطلبات الحجر الصحي بدلًا عن الحكومة إلى سعي هذه الجماعات للتأكيد على سيطرتها ونفوذها، حتى في زمن الفيروس.

برميل بارود تدحرجه يد المافيا في الجنوب الإيطالي 

رصدت الشرطة الإيطالية مجموعات خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي تشتبه في نسبتها للمافيا تدعو الناس لنهب متاجر الأغذية والأدوية. فيما حذر مسؤولون من أن أذرع المافيا والجماعات اليمينية المتطرفة تُؤجج غضب الشارع وتحرض الناس على أعمال السرقة والنهب. 

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
فيلم العراب فيه الكثير من الحقيقة.. ما لا تعرفه عن عصابات المافيا الإيطالية

وكانت شرطة البلاد قد عززت من تواجدها بالفعل خارج محلات السوبرماركت في باليرمو بعد أن رفضت مجموعة من السكان الغاضبين دفع ثمن مشترياتهم. الجنوب الإيطالي الذي يعيش 10% من سكانه في فقر من قبل الأزمة، تفاقمت مشكلاته اليوم بازدياد عدد العاطلين عن العمل وغير القادرين على دفع فواتيرهم ومستلزماتهم اليومية. إذ يعمل الكثير من سكان المنطقة بأعمال يومية غير اعتيادية مثل تفريغ الشاحنات والبضائع، وهم الشريحة الأكثر تضررًا من الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة لمواجهة فيروس كورونا. 

يرى الصحفي روبيرتو سافيانو أن الأزمات هي المكان الأمثل للمافيا، فكل ما يحتاجه الجائع هو الخبز بغض النظر عن مصدره، وحذر في السياق نفسه وزير الجنوب جوزيه بروفينزانو من أن المافيا الآن تُقدم منحًا وقروضًا للشركات الصغيرة وبعض العاملين، وهو الأمر الذي تلجأ إليه جماعات الجريمة المنظمة لتسد الفجوة وتفرض نفسها بديلًا للدولة.

في مواجهة هذا الخطر الداهم عززت الشرطة وجودها في مناطق كامبانيا وكالابريا وصقلية وبوليا لاحتواء مظاهر الشغب التي قد تشتعل في أي لحظة، فيما تزداد مطالبات الوزراء والمسؤولين للحكومة بأن تخصص مساعدات اقتصادية عاجلة لأصحاب المهن الخارجة عن الإطار الرسمي لإنقاذهم من أن تتلقفهم أيدي المافيا وعصابات الجريمة المنظمة. 

مسلحون مدنيون في خدمة المصالح الحكومية

اختارت حكومات بعض البلدان التي تُدرك أنها لا تفرض سيطرتها بالكامل على أراضيها أن تطلب العون ممن يملك السلطة والسلاح. فكان أن دعا نظام نيكولاس مادورو في العاصمة الفنزولية كاراكاس المسلحين المدنيين للمساهمة في فرض قيود حظر التجوال على المواطنين. وهو ما كان، إذ ما فتئت الجماعات الموالية للحكومة تطالب السكان بالتزام المنازل والحفاظ على النظافة والتباعد الاجتماعي. 

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
«ذا نيويوركر»: إرث بابلو إسكوبار ما زال مستمرًا.. وقد غير تاريخ كولومبيا

وفي كولومبيا، أعلن جيش التحرير الوطني الكولومبي في 30 مارس وقف إطلاق النار لمدة شهر؛ لتحرير البلاد من بطش الحرب على الأقل في أوقات الطوارئ. فيما يتوعد مقاتلو «الجبهة 29» في مقاطعة نارينيو أي شخص ينتهك الحظر الحكومي. وتقيم الجماعات المسلحة نقاط تفتيش غير قانونية في كاوكا لإلزام المواطنين بالبقاء في منازلهم. 

كارتيلات المكسيك.. مرونة في الأزمات ترفع معدلات العنف 

عصابات تجارة المخدرات الضاربة بجذورها عميقًا في المكسيك تشهد لها الأحداث بمرونة كبيرة في التعامل مع الأزمات، فقد شهدت واردات المواد الأولية التي تستخدمها الكارتلات في تصنيع المخدرات تراجعًا كبيرًا إثر إغلاق الصين – المورد الأساسي للميثامفيتامين والفينتانيل – حدودها للحد من انتشار فيروس كورونا، إذ ارتفع سعر الباوند من هذه المواد في أسواق الجملة وفقًا للصحافي كيجان هاملتون من 100 إلى 600 دولار. 

لكن لا يبدو أن أثرًا طويل المدى سيطال هكذا جماعات تملك أكثر من بديل للتعامل مع مشكلات من هذا النوع؛ بلدان تزويد أخرى وطرق تصنيع بمواد أخرى بديلة، ولن تعدم حيلة؛ إذ قد تلجأ لمضاعفة جهودها في تهريب الكوكايين والأفيون الذي يغزو الإنتاج المكسيكي منه شوارع أمريكا. 

ومع ذلك، فهناك مخاوف من زيادة معدلات العنف في البلاد، وهو ما بدأ بالفعل إذ أن جرائم العنف في شهر مارس عام 2019 كانت 1468، في حين ارتفع هذا الرقم إلى 2505 في مارس 2020. 

وهذه الجماعات لا تقتات على جرائم تجارة المخدرات فقط، وإنما على الإتجار بالبشر، والابتزاز، وسرقة البضائع، والوقود، والآثار، والدعارة، وكلها أمور تعطلها إجراءات الحظر والاحتراز التي تفرضها الحكومات. تفتح هذه الحقيقة باب الذعر مشرعًا من أن تزيد العصابات نشاطها الإجرامي في النهب والاختطاف والسطو على المنازل والابتزاز الذي سيلاحق المواطنين حتى أبواب منازلهم.

عصابات الصين.. حين استخدمت أنفلونزا الخنازير لتسمين الجيوب

هذه العلاقة المتباينة بين العصابات والأوبئة تعيد إلى الأذهان ما اقترفته العصابات الصينية العام الماضي؛ إذ نشرت فيروسات حمى الخنازير الإفريقية عمدًا لإجبار المزارعين على بيع قطعانهم بثمن بخس. 

استخدموا لهذا الغرض الشائعات التي تروّج لانتشار فيروس يقتل الخنازير تارة، وطائرات بدون طيار تسقِط موادًا تحمل الفيروس على مزارع الخنازير تارة أخرى. وكان المرض الذي عصف بالخنازير في ذلك العام قد تسبب في إعدام 40% منها لمنع انتشار الوباء، وبالتالي تضاعفت أسعارها في الأسواق لأكثر من الضعف، وهي ساحة مثلى لمستغلي الأزمات. 

حصلت العصابات على الخنازير من المزارعين المكرهين، وأرسلتها للبيع في المناطق التي تشهد ارتفاعًا في أسعارها، بالرغم من الحظر الذي فُرض حينها على نقل لحوم الخنازير، حتى أن شرطة محافظة يونّان رصدت عملية تهريب لإحدى العصابات بلغت 4 آلاف رأس في يوم واحد. 

المصادر

تحميل المزيد