«جاربو» هو الاسم الحركي للعميل المزدوج الإسباني خوان بويول جارسيا، الذي عاش حياة مثيرة تملأها المغامرة، وأتقن خلالها التمثيل، لدرجة جعلت هتلر نفسه يُكرمه ويُقّلده «الصليب الحديدي»، في حين تعده بريطانيا: «أفضل عميل مزدوج في الحرب العالمية الثانية»، بعدما شارك في واحدة من أكبر عمليات التضليل في التاريخ، بخداع كاد أن ينكشف بسبب اشتياق زوجته إلى والدتها، وتهديدها بإفشاء سرّه!

إنزال نورماندي أم بادي كاليه؟ هكذا شتت جاربو النازيين

خلال الحرب العالمية الثانية، تمكّنت دول المحور التي تترأسها ألمانيا النازية بقيادة أدولف هتلر، من احتلال معظم أوروبا والسيطرة على فرنسا، ومن هنا عزمت دول الحلفاء على إعادة السيطرة على أوروبا، وإلحاق الهزيمة بالنازيين. في الساعة 6:30 صباحًا بتوقيت جرينتش يوم 6 يونيو (حزيران) 1944؛ نظمت دول الحلفاء «أكبر اجتياح بحري في التاريخ» خلال ما يُعرف بـ«إنزال نورماندي»، حين هبط 160 ألف جندي من قوات الحلفاء على ساحل نورماندي في فرنسا.

ونجح الهجوم. فمع نهاية اليوم تمكن الحلفاء من السيطرة على خمسة شواطئ، وبعد ذلك احتاجوا لتعزيزات لتدعم هجومهم، لتأتيهم أكبر تعزيزات شهدتها الحرب، شملت: 3 مليون جندي، و2500 سفينة إنزال، و1200 سفينة حربية، و13 ألف طائرة حربية، ودبابات برية وبرمائية، قصفت الجسور وسكك الحديد لمنع تدعيم النازيين، وشاركت تعزيزات الحلفاء في حرب استمرت لعدة شهور، انتهت بانتصار الحلفاء، ليمهد بذلك إنزال نورماندي الطريق أمام انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.

اللافت أن ألمانيا لم تتفاجأ بحدوث الهجوم في حد ذاته؛ لأن العميل جاربو الذي أقنع النازيين بأنه يقود فريق جواسيس يضم 27 جاسوسًا يعملون في مناطق حساسة في صنع القرار البريطاني، كان قد أفصح للألمان بأن دول الحلفاء تستعد لهجوم مضاد كبير ضد القوات النازية في أوروبا، منذ يناير (كانون الثاني) عام 1944. ومنذ ذلك التاريخ حتى يوم الهجوم السادس من يونيو؛  قاد جاربو حملة من المعلومات المخابراتية المنقولة، منه إلى إسبانيا، التي كانت تؤيد النازييين في تلك الفترة بقيادة قائدها الجنرال فرانثيسكو فرانكو، ومن إسبانيا إلى ألمانيا، نُقلت نحو 500 رسالة، بمعدل يقترب من أربع رسائل يومية تُفيد باستعدادات دول الحلفاء بالهجوم.

إذن ألمانيا كانت على علم باستعداد الهجمة، ولكن ما لم تعلمه ألمانيا بدقة هو موقع الإنزال والهجوم، وهنا كان مربط الفرس الذي دبّر من خلاله جاربو واحدة من أكبر عمليات التضليل في التاريخ، ويمكن عدها أكبر عملية تضليل  في تاريخ النازيين، فقد تمكّن الرجل من إقناع النازيين بأن مقر إنزال الحلفاء سيكون في ساحل بادي كاليه، وليس نورماندي!

إحدى الطائرات الدُمية التي استخدمها الحلفاء لخداع النازيين

وللتأكد أكثر من رسائل جاربو؛ بعثت ألمانيا بطائرات استطلاع بالقرب من بادي كاليه ووجدت بالفعل عتادًا واستعدادات من دول الحلفاء. ولكن الخدعة كانت محبوكة لدرجة أن تلك الاستعدادات كانت في الحقيقة وهمية. فالسفن والدبابات كانت زائفة ومصنوعة من الخشب المعاكس، وكذلك الطائرات لم تكن حقيقية، وإنما طائرة دُمية، على مطارات ومرافئ وهمية.

الأضواء كذلك كانت خادعة للألمان من أجل إيهامهم بأن هناك استعدادات حقيقية، ولكن الخدع البصرية هي ما كانت حاضرة، وهذا بحسب ما جاء في كتاب «Survival: An American Family’s Odyssey Through Two World Wars (البقاء على قيد الحياة: عائلة أوديسي الأمريكية خلال حربين عالميتين)» لكاتبه جاري ويلموت. وبحسب الكتاب، الذي تحدّث تاريخيًّا عن الحربين العالميتين؛ فإن الخدعة أيضًا انطلت على الألمان، بمساعدة حركة رسائل لاسلكية أظهرت تحركات لوحدات عسكرية كانت تمثيلية، وتسريبات دبلوماسية منظمة وصلت لألمانيا عن طريق دول حليفة، ولذلك صدّقت ألمانيا تمامًا القصة.

بعد خدعة نورماندي.. ألمانيا تتأهب لمعركة «وهمية» في بادي كاليه

مع إنزال نورماندي لم يتوقف الانخداع الألماني عند هذا الحد، بل أقنع جاربو الألمان بأن إنزال نورماندي  مجرد عملية تحويلية للفت نظر الألمان لنورماندي، ولكن الهدف الرئيسي هو تمهيد الطريق نحو بادي كاليه. وأرسل رسالة إلى ألمانيا تفيد بذلك في الساعة 3:00 من يوم الإنزال، ولكن لم تصل الرسالة في موعدها، بسبب تشويش أصاب الموجات اللاسلكية الواصلة من جاربو إلى ألمانيا. فاستغل العميل عدم وصول الرسالة لصالحه، وزيادة ثقة النازيين فيه. ففي اليوم التالي للإنزال أعرب جاربو لجهات اتصاله الألمانية عن استيائه الشديد من عدم سماع رسالته في يوم الإنزال وقال: «لا يمكنني قبول الأعذار أو الإهمال. لولا  مُثلي العُليا لتركت عملي».

في 9 يونيو، بعث جاربو رسالة مطولة بعد اجتماع وهمي لوكلائه طالب بوصولها إلى القيادة العُليا لألمانيا، تُفيد بأن الجنرال الأمريكي جورج باتون، المشهور بأنه واحد من أفضل قادة دبابات الحلفاء؛ يقود 11 فرقة تتكون من 150 ألف رجل، تستعد للهجوم الحقيقي في دي كاليه. لكن في الواقع كل هذه المعلومات كانت وهمية، ولكنها أقنعت ألمانيا لدرجة أن النازيين احتفظوا بفرقتين مدرعتين و19 فرقة مشاة في بادي كاليه في شهري يوليو (تموز)، وأغسطس (آب) تحسبًا لحرب كانت «وهميّة»، شغلت ألمانيا عن الحرب الحقيقية التي خسرتها في نورماندي.

الاهتمام الألماني بالمعركة الوهمية المرتقبة كان مترسخًا، لدرجة أن المارشال النازي جيرد فون روندستدت، ألغى اقتراحًا مقدمًا من الجنرال إروين روميل بأن تنتقل قوات ألمانية من بادي كالي لمساعدة الدفاع في نورماندي، بحسب ما نُشر في الموقع الرسمي للمخابرات البريطانية الداخلية «MI5»، الذي لفت إلى أن المخابرات البريطانية ترى أن انتقال قوات ألمانية من دي كاليه إلى نورماندي «كان من الممكن فعليًّا أن يقلب التوازن»، في نورماندي.

ومن المفارقات أن سمعة جاربو قويت لدى الألمان، بعد يوم نورماندي. وفي 29 يوليو 1944 كرّمه الفوهرر نفسه، بمنحه وسام الصليب الحديدي؛ بسبب «خدماته الاستثنائية» التي قدمها  إلى ألمانيا. ليرُد جاربو بالإعراب عن «شكره المتواضع على هذا الشرف الذي لا يستحقه».

المسؤول الألماني عن جاربو كان يثق فيه ويرى أنه: «فارس صاحب نبوغ ومتعصب، مستعد للتضحية بحياته في سبيل القضية النازية»، وتُظهر القصة سالفة الذكر مدى براعة تمثيل جاربو وحجم خداعه، وهي قصة جعلت من جاربو واحدًا من أبرع العملاء المزدوجين، وقد أُطلق عليه لقب جاربو تيمنًا بنجمة هوليوود، جريتا جاربو؛ لأن المسؤولين عنه في المخابرات البريطانية كانوا يعدونه «أفضل ممثل في العالم».

زيارة زوجة جاربو لوالدتها كادت تكشف سره!

«من الأسهل كثيرًا أن تدير عملاء مزدوجين وهم عُزّاب»

قال هذه الكلمات البروفيسور الإنجليزي كريستوفر أندرو، الذي يعد جاربو أفضل عميل مزودج لبريطانيا في أثناء الحرب. وقد لفت أندرو إلى أن تميز جاربو كاد أن يُدَمَر نتيجة الاضطرابات العائلية التي وقعت بين جاربو وزوجته، وأفصحت عنها المخابرات البريطانية، ونشرتها في الأرشيف الوطني لبريطانيا.

فالزوجة منذ قدومها إلى إنجلترا وعمل زوجها، لم تسترح إلى الأجواء والقيود الأمنية التي فُرضت عليها، وعلى حياة زوجها التي أضحت مليئة بالأسرار، حتى إنها ملّت من أكل «الكثير من المكرونة، والكثير من البطاطا، وعدم وجود سمك كافٍ» في بريطانيا، وحنّت لأرض وطنها إسبانيا. وقد حاولت المخابرات البريطانية كسر مللها، وأرسلت في شراء «جوارب حريرية» من لشبونة، أسعدت زوجة جاربو. لكن حنينها للوطن الإسباني ظل قائمًا، ورغبتها في العودة إلى إسبانيا وزيارة والدتها تفاقمت لدرجة كادت تفشي معها سر جاربو!

« لا أريد أن أعيش خمس دقائق إضافية مع زوجي.. حتى إن قتلوني سأذهب إلى السفارة الإسبانية. ربما يقتلونني غدًا، لكني لا أريد العيش يومًا آخر في إنجلترا»

هكذا صرخت زوجة جاربو  في وجه توماس هاريس، ضابط المخابرات المسؤول عن زوجها، في تهديد لهم بإفشاء سر جاربو لحكومة إسبانيا، التي كانت داعمة للنازية في ذلك الوقت. وهو تهديد جاء في يونيو 1943 قبل عام من إنزال نورماندي، ولو نُفذ ربما كان لإنزال نورماندي والحرب العالمية الثانية، مسار مختلف غير الذي جرت عليه.

توماس هاريس الضابط المسؤول عن العميل جاربو

ومع جديّة اتهامات الزوجة وخطورتها، فكر هاريس بإخبارها أن زوجها فُصل عن العمل؛ لكن جاربو رأى أن تلك الفكرة غير كافية لإسكات زوجته، وتصاعد حل التخويف الأمني، فأقنعها هاريس بأن زوجها اعتقل بسبب تذمرها، وأخذها الضابط معصوبة العينين لزيارته في معتقل، وهناك أقنعها بضرورة أن تساعد زوجها في عمله المتخفي، وهددها هاريس كما يحكي بأنه: «لا وقت لديه لتضييعه مع الأشخاص المتعبين، وأنه إذا سمع باسمها مرة أخرى، سيأمر بسجنها»، فعادت إلى منزلها لتنتظر عودة زوجها في هدوء.

«يعمل لخير البشرية».. جاربو في فيلم «الملاك»

«أصبح جاربو أعظم عميل مزدوج في التاريخ؛ لاقتناعه بأن عليه العمل لخير البشرية، بدأ في إنشاء شبكة جواسيس خيالية من 27 عميلًا إنجليزيًّا. وهو معروف الآن بصفته واحدًا من أعظم أبطال الحرب العالمية الثانية»

قال هذه الكلمات المحاضر في جامعة بريطانية، بحسب ما أظهر فيلم «الملاك» الذي يحكي عن العميل المزدوج المصري أشرف مروان، الذي عمل لصالح إسرائيل وكشف لها موعد يوم حرب 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973، قيلت هذه الكلمات في الدقائق الأولى في الفيلم، وأظهرت أنها ما ألهمت مروان للعمل لصالح إسرائيل من أجل «خير البشرية».

لقطة من فيلم الملاك

وعلى اسم الفيلم الذي أخرجه المخرج الإسرائيلي أرييل فرومين،  حاول فرومين  إظهار مروان ملاكًا يسعى للسلام وقد خان بلاده من أجل السلام و«خير البشرية»، كما ألمح الفيلم ضمنيًّا. ويبدو هذا الاحتفاء الإنجليزي بجاربو منطقيًّا؛ لأنه ببساطة وقف بجانب بريطانيا والحلفاء، في مواجهة أعدائهم في دول المحور. وهذا ما جعل الإنجليز يعظمونه لهذه الدرجة، بل إضافة جانب أخلاقي لأعماله بعدِّها كانت خيرًا للبشرية، وحاولت إسرائيل بدورها إضفاء ذلك الطابع الإنساني الملائكي على أشرف مروان الذي خان بلاده بتسريبه معلومات حساسة لإسرائيل بما فيها يوم الحرب، الذي كان أحد أهم الوسائل الخداعية المصرية في حرب أكتوبر.

وفي المقابل، قد تختلف نظرة الألمان إلى جاربو عن نظرة الإنجليز بعد كشف خداعه لدول المحور. فبعدما انكشف خداعه للنازيين، خشيت بريطانيا من انتقام النازيين الناجين من الحرب منه، وبمساعدة المخابرات البريطانية سافر جاربو إلى أنجولا في أفريقيا، وأعدت خبر وفاة مزيف لإصابته بمرض الملاريا عام 1949، وبعد ذلك انتقل جاربو إلى فنزويلا حيث عاش حياة هادئة، وتوفي عام 1988، عن عمر يُناهز 76 سنة، بعد نحو 40 عامًا من وفاته المُزيفة!

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 6 شهور
«الجاسوس».. تعرف إلى بطل سلسلة «نتفليكس» الجديدة الذي خدع قادة سوريا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد