خلال عام 332 قبل الميلاد، أقدم الإسكندر الأكبر على غزو مدينة غزة، وهي المهمة التي لم تكن باليسيرة، فقد دام الحصار حتى مائة يوم، إذ دافع شعب غزة عن نفسه بضراوة تحت قيادة ملك غزة في ذلك الحين “باتيس”، وذلك من خلال اعتمادهم الكبير على الأنفاق، حتى إن الإسكندر نفسه قد أصيب بجراح في خضم المعركة، فانتقم لنفسه فيما بعد بقتل جميع شباب المدينة ومن بينهم “باتيس”، وذلك من خلال ربطه بعربة الإسكندر، ومن ثم جره تحت المتاريس حتى الموت. تبدو القصة مألوفة لنا كثيرًا، فمثل هذه الصور العنيفة ترتبط لدينا بمدينة غزة، حيث يسهل نسبيًّا حفر الأنفاق تحت تربتها الرملية، كما ورد لنا ضمن أحداث الحرب الشنعاء التي اندلعت في غزة الصيف الماضي.

ويعد الاضطراب الواضح الذي تشهده القيادة الإسرائيلية بشأن التوصل لهدف مقنع لاندلاع الحرب، من أبرز العناصر التي تمثلت في الأحداث الدرامية المفجعة التي تلت تلك الحرب؛ فقد برهنت الأحداث على إنه يستحيل إيقاف الهجمات الصاروخية المتجددة من جانب غزة، على الرغم من أن نظام القبة الحديدية المضادة للصواريخ الذي أنشأته إسرائيل يعمل بكفاءة عالية. ولكن إسرائيل لم تتمكن من السيطرة على ما بقطاع غزة من أنفاق متوسعة، والتي يمر الكثير منها عبر السياج إلى داخل الأراضي الإسرائيلية، إلا من خلال تنفيذ عملية برية داخل أراضي القطاع، وهو الأمر الذي قد يشكل مبررًا مقبولًا للحملة بأكملها. ومن دون التقليل من الخطر الحقيقي الذي تفرضه هذه الأنفاق والتي كان يعلم الجيش بوجودها منذ عدة سنوات، فمن الملاحظ أن الحكومة شعرت ببعض الطمأنينة لعثورها أخيرًا على هدف عسكري يمكنها التعامل معه. ويبدو أن الشعب الإسرائيلي مقتنع تمامًا بذلك، فهم عادة ما يصدقون كل يقوله الجيش لهم. حتى الآن، لقد تم تفجير حوالي ثلاثين نفقًا، ولكن هناك أنفاق جديدة يجري حفرها في الوقت الراهن أغلب الظن.

من الواضح أن الأمور لم تكن في صالح إسرائيل خلال هذا الصيف، إذ لم يكن في وسعها إيقاف سيل الصواريخ وقذائف الهاون الذي أطلقته غزة عليها، حتى إن المستوطنات الإسرائيلية المُقامة بالقرب من غزة قد تعرضت للتهجير، وما أن دعاهم الجيش للعودة معلنًا أن الوضع قد أصبح آمنًا حتى تجددت الهجمات ولاقى عدد من السكان والجنود المتواجدون هناك مصرعهم. ولعدة أسابيع، ترددت كلمة “ردع” أكثر من غيرها في كافة البرامج الإخبارية والحوارية التلفزيونية منها والإذاعية. وبعيدًا عن هذه الأنفاق، كانت الحملة تهدف في الأساس إلى ردع العدو عن إطلاق المزيد من الصواريخ أو الإقدام على أي فعل مماثل في المستقبل، ولكن قيادات حماس رفضت تكرارًا أن تؤدي الدور المُسند إليها على الرغم من الخسائر الكبرى التي تكبدتها، خاصة وإن حالات الوفاة وصلت إلى 2000 حالة في الجانب الفلسطيني وأغلبهم من المدنيين العزل (ومن بينهم 500 طفل)، أي باختصار، إن حماس لم يتم ردعها. وأظن أن معظم أفراد الشعب الإسرائيلي يدركون جيدًا أن إسرائيل لم تحقق أي انتصار خلال هذه الحرب، وأن الجولة التالية قد تأتيهم بنتائج مبهمة أو أسوأ من ذلك بكثير، خاصةً إذا انضم تنظيم حزب الله اللبناني إلى ساحة القتال. وقد اعترف نتانياهو في مؤتمر صحفي انعقد عقب وقف إطلاق النار بأن استخدام القوة لا يحقق دائمًا جميع الأهداف. كما إنه في مؤتمر صحفي سابق قد وجه اللوم لحماس لاستغلالها صور الموتى من الفلسطينيين إعلاميًّا لكسب التعاطف، كما لو إنه غير مسئول عن أعداد هؤلاء القتلى أو هويتهم.

ولا بد من الأخذ في الاعتبار أن الشعب الإسرائيلي يعيش في عالم أسطوري كبير أشبه بالإلياذة، لكن في صورة حديثة ومبسطة منها؛ حيث يعد الإسرائيليون أنفسهم ضحايا بريئين بالضرورة في مواجهة حفنة من القوى الشريرة الطائشة، ولذلك فهناك دومًا مبرر منطقي بالنسبة لهم لشن حرب ملحمية.

ونظريًّا، فقد ولّد هذا الوضع لدى كل من الشعب الإسرائيلي وقادته المنتخبين رؤية لم تتضح خلال العقود القليلة الماضية، وهي: هل يمكن الاستمرار في شن حروب عديمة الجدوى كل بضع سنوات والاستمرار في قتل أعداد كبيرة من الأبرياء، فضلًا عن التسبب في خسائر ضمن صفوف العسكريين والمدنيين الإسرائيليين على حد السواء؟ وكما قال “عساف شارون” في مقاله “الفشل في غزة”: “إذا لم ينجح العنف، فقد تدرس إسرائيل إبرام اتفاق مع المعتدلين من الفلسطينيين لإنهاء الاحتلال والتوصل لسلام وفقًا لبنود عرض السلام (أو مبادرة السلام العربية) الذي طرحته السعودية عام 2002”.

وفي هذا السياق، لا بد من ملاحظة اثنين من التطورات التي تلت وقف إطلاق النار؛ أحدهما يأتي في إطار تقاليدهم الإسطورية، إذ أعلن نتانياهو عن عملية تخصيص جدية وضخمة لأراضٍ تبلغ مساحتها 3799 دونم، أو حوالي 1000 فدان بهدف الاستيطان في الضفة الغربية، وهي أكبر عملية تخصيص أراضٍ تم تنفيذها خلال العقود الثلاثة الماضية. ومن ثم، قد يستنتج البعض أن حرب غزة لم تكن إلا عرضًا جانبيًّا أو بالأحرى وسيلة مُجدية لصرف الانتباه عما يجري حاليًا من استيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية، وهو الأمر الذي يعيق عملية السلام.

لقد كانت غزة بمثابة العظمة التي يلقيها “شارون” للعالم حتى تتمكن إسرائيل من تنفيذ برنامجها طويل الأمد لضم الأراضي بالضفة الغربية. وبالطبع ينطوي هذا الأمر على سخرية شاعرية، خاصةً وأن غزة ليست بمكان عادي، حيث انطلقت منها الحركة القومية الفلسطينية مجددًا عقب حرب 1948، وذلك بعد أن خضعت الضفة الغربية للأردن. وقد كانت غزة كذلك البقعة التي يُلقى بها اللاجئون الفلسطينيون على مر التاريخ، وقد تعرض بعضهم للتشريد لأكثر من مرة. ففي غضون النزاعات التي شهدها عام 1948، هرب حوالي 200000 شخص إلى غزة، أي أربعة أضعاف التعداد السكاني الأصلي في ذلك الوقت.

وخلال الخمسينيات من القرن الماضي أي عقب الحرب واتفاقيات وقف إطلاق النار، استمرت إسرائيل في طرد سكان القرى الفلسطينية بالمناطق المحيطة بها، وأبرزها القرية الكبيرة مجدل (والتي يطلق عليها الآن عسقلان)، ومن ثم إلقاؤهم في قطاع غزة.

وهناك كتاب (غزة: تاريخ) للكاتب “جون بيير فيليو”، والذي يسرد لنا تاريخ غزة الحديث بأدق وأروع التفاصيل متطرقًا إلى الصراع الشرس القائم بين الفصائل الفلسطينية، وكذلك نشأة حماس وصعود الإسلاميين التدريجي نحو السلطة. كدنا ننسى أن إسرائيل شجعت في البداية على تشكيل تنظيم جديد أملًا في تحقيق بعض التوازن مع الشعبية الساحقة التي تتمتع بها جبهة التحرير الفلسطينية. وكانت الحركة في البداية تعارض بشدة فكرة المقاومة المسلحة، وقد لا تحبذ حماس تذكيرها بذلك في وقتنا الراهن.

أما مؤسس الحركة صاحب الشخصية الملهمة الشيخ محمد ياسين (الذي اغتالته إسرائيل عام 2004)، فقد تتلمذ على يد سيد قطب أحد أبرز الأعضاء المؤسسين لجماعة الإخوان المسلمين في مصر (تم تنفيذ حكم الإعدام بحقه عام 1966). ففي بدايات عام 1973، شهدت غزة ظهور تنظيم جديد، والذي ركز جهوده على الدعوة الدينية، وكذلك العمل الاجتماعي والخيري والنظام الصحي والأنشطة الرياضية، فضلًا عن بناء مجتمع مدني. بعض من هذه المؤسسات القديمة التابعة لحماس وخاصة تلك التي تشكل شبكة فعالة من المدارس ما تزال متواجدة حتى يومنا هذا في غزة والضفة الغربية، حيث بدأت الحركة في التوسع والانتشار خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي. وبالإضافة إلى كل ذلك، فقد ساهم تفشي الفساد بين صفوف القيادات القديمة لحركة فتح، وعجزها بدرجة كبيرة في تزايد الدعم الشعبي الذي تحظى به حركة حماس.

وفي تلك المرحلة المبكرة، حرص قيادات المُجمع على اجتناب السياسة. وفي الوقت الذي فشلت فيه المقاومة الفلسطينية المسلحة وتكبدت خسائر فادحة، ظهر المُجمع ليقدم طريقة جديدة، وهي محاولة جذرية لبناء المؤسسات من جديد وغرس صورة أصولية متشددة من الإسلام. ولكن مع بداية الثمانينيات من القرن الماضي، تبنت حماس وهي ما تزال في مراحلها الأولى استرتيجيات وأساليب أكثر عنفًا، خاصةً فيما يتعلق بأبرز منافسيها المحليين ومن بينهم حركة فتح. وهذا هو التطور الطبيعي لحركة تدفعها أفكار أصولية متشددة؛ حتى إن مباريات كرة القدم كانت تدخل ضمن المعارك المشتعلة بين الإيمان والكفر، كما إن كراهية حركة فتح أصبحت بمثابة قضية إيمان بالنسبة لحماس. وهناك أيضًا السنوات التي شهدت زرع المستوطنات الإسرائيلية في قطاع غزة، وهو الأمر الذي كان له وقع مدمر على سكان غزة الذين يعتبر أغلبهم من اللاجئين. وكما ورد عن “فيليو”، فقد حظى كل مستوطن بأرض تبلغ مساحتها 400 ضعف الأرض التي يمتكلها أي لاجئ فلسطيني، وذلك فور وصوله، وحظي كذلك بأضعاف قدر المياه التي يحصل عليها أي مزارع في قطاع غزة عشرين مرة، ومن ثم تطور المُجمع سريعًا ليصبح أكثر رجعية بعد أن تملكه بالفعل حلم تولي مقاليد الحكم، فتغير اسمه إلى “حماس”. وبالإضافة إلى المعنى الحرفي، فكلمة “حماس” تمثل الحروف الأولى من عبارة “حركة المقاومة الإسلامية”.

تولت حماس مقاليد الحكم في غزة من بداية عام 2007، وذلك بعد أن حققت الفوز ضمن الانتخابات البرلمانية الفلسطينية بفارق بسيط خلال شهر يناير من عام 2006، ولكنها لم تجنِ ثمار فوزها بسبب رفض كل من إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا لذلك الفوز، علاوة على المؤامرات السرية التي تحيكها القيادة المكونة من فتح وجبهة التحرير الفلسطينية. كما تزامن مع تولي حماس لمقاليد الحكم اشتعال بعض الاشتباكات الحامية مع حركة فتح. وعقب هزيمة فتح، فرضت إسرائيل حصارًا على القطاع، والذي ما يزال قائمًا حتى يومنا هذا. كما شهدت السنوات التالية سلسلة من الحروب الصغيرة التي لا مناص منها، والتي أودت في النهاية إلى الحملة التي انطلقت هذا الصيف.

وإثر هذا الحصار، فقد انهار الاقتصاد الغزاوي القائم على وجه الأرض سريعًا، والذي يشمل أعمال الزراعة وبعض المشروعات الصغيرة، إلا أن ثلثي سكان غزة يعانون من البطالة، ويعيش الكثير منهم في أحوال مضنية، ويتعايشون على الخبز والحمص والشاي. ومن ناحية أخرى، فقد حقق الاقتصاد القائم تحت الأرض من خلال شبكة واسعة من الأنفاق من مصر وإليها نجاحًا كبيرًا. كما أن الشريحة التي يمكن أن يطلق عليها الطبقة الوسطى بكل تفاؤل أو ما تبقى منها كان يمكنها شراء أي شيء تحتاجه بما في ذلك السيارات الفاخرة المهربة لكن بأسعار باهظة. كما أن حديقة الحيوانات بقطاع غزة والتي تتمتع بشعبية كبيرة ضمن سكان القطاع وخاصةً الأطفال قد حاولت مرارًا أن تستورد حمار وحشي عبر أحد هذه الانفاق، ولكن الأمر لم ينجح (نظرًا للتكلفة الباهظة التي تبلغ 40000 دولار للحمار الوحشي الواحد)، فقرروا في النهاية تلوين حمارين بخطوط بيضاء وسوداء.

ومن بين الانتقادات اللاذعة التي وُجهت لإسرائيل بشأن الحرب الأخيرة التي شنتها على غزة، يأتي التقرير الذي كتبه الحقوقي المدافع عن حقوق الإنسان “مايكل سفارد” في المقدمة، والذي نشرته جريدة “هارتز” يوم 4 أغسطس، أي في غضون اشتعال الحرب. وقد تطرق هذا التقرير في الأساس إلى سياسة الجيش التي تُدعى “النقر على الباب”، وقد تم تنفيذ هذه السياسة على نطاق واسع أثناء المعركة، والتي تسمح لهم باستهداف مناطق مدنية بضربات جوية أو مدفعية طالما يتم تحذير المدنيين مسبقًا لمغادرة منازلهم. فقد كتب “سفارد” أن هذه السياسة لم تأخذ في الاعتبار ما إذا كان هذا التحذير المسبق مجديًا؛ ما إذا يمكن للسكان المغادرة بالفعل، وما إذا تم التوصل لحلول بالنسبة للعجائز والمرضى والأطفال، أو ما إذا كان هناك ممر آمن يمكن للسكان الهروب من خلاله إلى مكان آخر لن يتم استهدافه، ويتوفر به كل ما يحتاجونه للنجاة.

إن أبعاد تدمير غزة مخيفة بلا شك، ومن يلقي اللوم على حماس وحدها وسياساتها الشريرة ليس إلا أعمى أو غبيًا، فالوضع الحالي في غزة له تاريخ طويل وأبعاد سياسية أكثر عمقًا. كانت الحرب التي شنتها إسرائيل هذا الصيف لتكون مجدية أو على الأقل منطقية، إذا ما أخذت إسرائيل على عاتقها تعزيز القوى الفلسطينية المعتدلة من أجل التوصل إلى اتفاق ما. ولكن هذا لم يحدث.

ولكن لا يمكن التوصل إلى هذه النتيجة باتباع نفس الأساليب البراجماتية التقليدية وحدها؛ فلا يمكن تحت أي ظرف كان تبرير الخسائر الكبيرة التي وقعت بين صفوف المدنيين ومن بينهم المئات من الأطفال، وهي خسائر مصنفة بأنها “أضرار عرضية”. كما إنه لا يوجد مبرر منطقي لاستمرار الاحتلال بالضفة الغربية. وبعد مرور سبعة وأربعين عامًا حتى الآن على بدء الاحتلال، أصبحنا نستخدم هذه الكلمة ضمن الروتين اليومي كم لو أنها كلمة عادية أو جزء لا يتجزأ من حياتنا، ولكنها ليست كذلك.

وفي ظل وجود مثل هذه الحقائق المفزعة وما سبقها من أحداث لا تقل فزعًا، فمن حق كل من يقرأ كتاب “فيليو” أن يعود بأدراجه إلى الماضي البعيد، حينما كانت غزة بمثابة عالم مشع يضم السوفسطائيين المتحدثين باليونانية، ورهبانًا ومفكرين مؤيدين للمسيحية الخلقدونية، وأتباع الفلسفة الأفلاطونية المسيحية ومن بينهم بيتر الإيبريايي. هذه هي غزة التي نفتقدها، التي كانت تمثل حلقة قصيرة ضمن غزوات الإسكندر كالكثير من المدن، والتي كانت كذلك محل ميلاد الإمام الشافعي خلال عام 767. وما يزال قبر ابنته وعدد من طلابه في حي الزيتون حتى يومنا هذا.

يعرف جميع أفراد الشعب الإسرائيلي تقريبًا باسم حي الشجاعية، حيث اشتعلت أول معركة حامية الوطيس هذا الصيف، إلا أنهم بالأحرى لا يعرفون أنه قد حصل على هذا الاسم تيمنًا بالبطل الأيوبي شجاع الدين عثمان الكردي الذي لاقى حتفه أثناء محاربة الصلبيين في غزة عام 1239 تقريبًا. أما الدولة المملوكية التي نشأت في غزة عقب انهيار المملكة الصليبية، فقد خلفت وراءها تراثًا إسلاميًّا ثريًّا وغاية في الإبهار، ومن بينها مسجد العمري الرائع الذي أعاد السلطان بيبرس بناءه في منتصف القرن الثالث عشر على أنقاض إحدى الكاثدرائيات الصليبية، ويشتهر كذلك باحتوائه على مكتبة ضخمة من المخطوطات، بالإضافة إلى معالم أخرى على رأسها أكاديميات المدرسة والخانقاه الصوفية والقصور المتلألأة والخانات. لنأمل أن بعض هذه المعالم ما يزال قائمًا إذًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد