على بعد بضعة أمتار من مقر بنك فلسطين في منطقة الرمال بغزة، البنك الرئيس الذي يتسلم منه موظفو السلطة الفلسطينية في غزة رواتبهم الشهرية، أقيمت خيمة احتجاج لتشكل بؤرة ملتهبة ضد قرار اقتطاع الرئيس الفلسطيني محمود عباس حوالي 30% من رواتبهم.

رفع هؤلاء لافتات «لا للإذلال والارتهان، الراتب من حق أبناء غزة»، «لا للعنصرية»، و«مجزرة الرواتب»، لكن كلماتهم غير المعلنة أشد وطأة وسخطًا على قرار الخصم من المصدر الوحيد لتلك الأسر في قطاع محاصر  منذ عشر سنوات.

حدث ذلك بحجة الحصار المالي الذي تتعرض له السلطة، ومع ذلك كان أثر هذا (الحصار) فقط في موظفي قطاع غزة، إذ لم ينل موظفو السلطة في الضفة الغربية أي خصومات، مع الإشارة إلى أنه في وقت تزيد فيه السلطة من عدد موظفيها في الضفة، كان عددهم ينخفض في قطاع غزة، إذ انخفض عددهم من 67 مؤظفًا عام 2006 إلى 55 عام 2016، وهو ما يؤكد بالنسبة للبعض أن عباس اتخذ خطوة خطيرة جهز لها منذ ما يزيد على عامين؛ لتحقيق انفصال القطاع عن الضفة، بهدف  عقاب حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي شكلت هيئة خاصة بإدارة قطاع غزة.

نكبة موظف غزة

«لا أعلم كيف سأدبر أموري، لدي قرض بنكي، وعائلتي ممتدة، ولا أحد يتلقى راتبًا غيري»، بهذه الكلمات تحدث المواطن وائل لـ«ساسة بوست»، حدثنا وهو يمسك بـ300 شيكل (ما يقرب من 80 دولارًا) هو المبلغ الذي حصل عليه من راتب مارس (آذار). ويضيف الرجل: «يافطات ممنوع الدين في كل مكان، كل التعامل المالي الذي كان يبنى على الثقة بين موظف السلطة والبائع انتهى».

أما السيدة «عائشة أبو مغصيب (عويمر)» ، وهي أرملة لرجل استشهد خلال عمله في الإدارة العامة لشرطة هندسة المتفجرات خلال عام 2004، تلقت 464 شيكلًا فقط، من راتبها ومعاش زوجها، وهو مبلغ لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل الذي تقطنه مع عائلتها، والمقدر بـ250 دولارًا،لذلك لم تتردد رغم بلوغها الثانية والخمسين من العمر في الالتحاق بالمضربين عن الطعام احتجاجًا على الخصومات الفائقة في راتب شهر مارس (آذار) الماضي.

تعيش غزة الآن على صفيح ساخن، وسرعان ما أخذت وسائل الإعلام الفلسطينية تتحدث عن حالات إغماء بين الموظفين الذين صدموا بحجم ما تبقى لهم من رواتب بعد الخصومات التي طالت رواتبهم بدون سابق إنذار، فجزء كبير من الموظفين الذين يعيلون في الغالب أسرًا غير أسرهم الأساسية مديونين للبنوك، ليكون مجمل ما يتقاضاه الموظف لا يتجاوز 40% من إجمالي الراتب.

لذلك يقول رئيس الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية علي الحايك: «كل ما يتداول في السوق المحلية الداخلية في قطاع غزة هي أموال الرواتب التي تصرف من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية في قطاع غزة المحاصر، لذلك هذا القرار سيؤثر سلبًا في المستوى الاقتصادي في القطاع، وفي الثقة بين التاجر وبين الموظفين في السلطة»، ويضيف لـ«ساسة بوست»: «هناك أيضًا رؤية في القطاع الخاص وهي وقف المديونات لموظفي السلطة؛ خوفًا من انهيار الاقتصاد الكامل لهؤلاء التجار في القطاع».

غزة إلى هاوية انهيار الاقتصاد والتفكك الاجتماعي

عدة مخاطر ستحدق بالاقتصاد الفلسطيني، أولها كما يرى رئيس تحرير صحفية الاقتصادية بغزة «محمد أبو جياب» هو زيادة سيولة النقدية على السوق المحلي، التي سينجم عنها العديد من الأزمات المتشابكة والمتراكمة، على رأسها الإخلال بالأزمات المالية، وعدم تدفق السيولة النقدية على البنوك التي يتم بها الإيفاء، مثل عدم صرف الشيكات المصدرة، وغياب كل ما له علاقة بالمغريات التجارية للمواطنين، كالتقسيط المريح، والإقراض.

ويضيف أبو جياب لـ«ساسة بوست»: «ستزداد نسبة القضايا في المحاكم، وكذلك الشكاوى في مراكز الشرطة على قضايا الذمم المالية، كما ستتراجع القوة الشرائية في غزة بشكل كبير، وسيكون أول الشهر كآخر الشهر، وهو ما سيدفع التجار للإحجام عن استيراد البضائع. وعن صعوبة اتخاذ أي قرار استثماري، أو له علاقات باستيراد البضائع، أو الإقدام على خطوات ذات علاقات بالتسهيلات التجارية للمواطنين، فستكون محفوفة بالكثير من المخاطر».

يرتبط الوضع أيضًا بفرض انعكاسات على حكومة غزة، والتي يتوقع «أبو جياب» أن تتراجع خلال شهرين أو ثلاثة بالكثير، بنسبة لا تقل عن 30%، إذ سيحدث التراجع في حجم السيولة تراجعًا ينعكس على الأداء الحكومي في القطاع الضريبي، وعلى التحصيلات الضريبية، وسينعكس على تسديد فواتير رواتب حكومة غزة.

وهو ما يعني عدم قدرة هذه الحكومة على دفع رواتب موظفين غزة؛ لتصبح الأزمة أكثر تعقيدًا، ويشدد أبو جياب على أن أخطر ما يمكن أن نصل إليه التفكك الاجتماعي، بما يهدد حالة السلم والأمن في غزة، فإذا ما وصلنا لهذه المرحلة ستكون الكارثة على المستوى الفلسطيني أخطر من أن يتداركها أحد، ويتابع القول: ـ«ربما نصل إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل تفضي إلى عدوان نتيجة الضغط الجماهيري، فلن يقبل أي فلسطيني أن تكون الأزمة داخلية».

السلطة تسلب مال غزة

في محاولة للتدليل على عدم صحة ما تحدث به قادة السلطة الفلسطينية لتبرير قرار الخصومات بأنه راجع لقلة الموارد، تناقل الإعلاميون في قطاع غزة، أرقامًا خطيرة، ذكروا أن مصاريف نفقات مكتب الرئيس (أبي مازن) تحت بند رواتب مكتب الرئيس، والنفقات الخارجية وصلت في عام 2016 إلى 130 مليون شيكل (الدولار يقارب 4 شيكلات)، أما ما تم إنفاقه على السفارات في ذات العام فكان 227 مليون شيقل.

إذًا، البيانات الإحصائية تؤكد عكس ما يقال في وسائل الإعلام من قبل السلطة الفلسطينية بأن السبب هو الأزمة المالية. الخبير المالي «أسامة نوفل» يبدأ حديثه لـ«ساسة بوست» بالقول إن البيانات تؤكد حصول زيادة في الإيرادات، ففي بداية العام الماضي، وتحديدًا في شهري يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط)، ازدادت الإيرادات بسبب قيام السعودية بتحويل 30 مليون دولار لها، كما حولت الجزائر 29 مليون دولار، أما دولة الاحتلال فحولت 150 دولار مقاصة على غزة في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2016، إضافة إلى الرسوم التي حصلتها السلطة الفلسطينية نتيجة تجديد الرخص الخاصة بشركة جوال، والاتصالات، والمقدرة بـ170 مليون دولار.

في المقابل، عند تتبع أوراق البيانات المالية المتعلقة بحجم الإيرادات التي تجنيها السلطة الفلسطينية من قطاع غزة، تشير تقارير النقد الدولي إلى أن إيرادات المقاصة ارتفعت بشكل ملحوظ في بداية عام 2017 ونهاية 2016؛ نتيجة لزيادة المقاصة من قطاع غزة، حسب «نوفل» الذي يضيف: «أيضًا حجم الواردات لقطاع غزة يفيد السلطة من الضرائب المفروضة على الوقود، فقطاع غزة الذي يستورد يوميًّا 800 ألف لتر من البنزين والسولار (تحصل السلطة على دولار وربع عن كل لتر وقود)، وحجم الإيرادات من غزة تعدى وقف البيانات المالية الصادرة وغير المنشورة في الضفة الغربية، حوالي 80 مليون دولار من قطاع غزة، فيما تنفق السلطة على بند الرواتب حوالي 50 مليون دولار، أي ما يتم جمعه أكثر مما يتم صرفه، إضافة إلى أن حصة قطاع غزة من المساعدات الدولية وفق المتعارف عليه 40% منذ عام 1994».

حرب رادعة ضد غزة

اعتبر قرار السلطة الفلسطينية بمثابة قرار خطير  نحو فصل غزة عن المشروع الوطني، وفك ارتباط الضفة الغربية عنها بالكامل، تلك السلطة التي لا تريد هذا القطاع ضمن اهتماماتها في خطوة لاستئصال حماس، أو إخضاعها.

يقول المحلل السياسي «طلال عوكل»: «واضح أن الدوافع سياسية، وهو قرار خطير إلى أبعد الحدود، وكل المبررات التي دفعت لتمريره غير صحيحة، فليس هناك أزمة مالية، وحتى لو كان هناك أزمة مالية فلا يتم معالجتها بهذه الطريقة، القرار هو عقوبة جماعية وحرب رادعة لغزة، تعزز فكرة الانفصال».

ويشدد عوكل على أن عباس يريد عقاب حركة حماس حتى لو كان عقابها جريرة على كل الناس، ويريد من حماس أن ترفع الراية البيضاء، وتسلم للقرار السياسي الذي يعمل عليه عباس، موضحًا: «خصم الرواتب عقوبة لكل المجتمع، وليس للموظفين؛ لأن المجتمع سيتأثر بعمق، والآن نرى الأسواق ميتة، وتعم حالة الإحباط لدى الجميع». وتابع القول لـ«ساسة بوست»: «حسابات خاطئة، عقاب حركة حماس بهذه الطريقة لا تجدي مع الحركة التي صمدت في ظروف أسوأ، وبالتالي هذه عقوبة للناس».

وفيما يتعلق بجدوى الفعاليات التي يعج بها قطاع غزة الآن، وهل هي قادرة على الضغط على عباس ليتراجع، يجيب «عوكل»: «ستكون أكثر تأثيرًا عندما تجد سندًا من الضفة الغربية، فحركة فتح في غزة ليست مختلفة عنها في الضفة الغربية، كما أن الفصائل الفلسطينية هنا وهناك، وتلك قضية وطنية تستوجب على فتح وبقية الفصائل فعاليات في الضفة، والعمل بموازاة مع فعاليات غزة لتشكل ضغطًا كبيرًا».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد