يبدو أن الفلسطينيين الذي يعيشون وضعًا اقتصاديًّا صعبًا في قطاع غزة المحاصر، لا يحلمون بأن يصبح قطاعهم الغزي «سنغافورة ثانية» بقدر ما يحلم بذلك الإسرائيليون، كما يتضح من تكرار وزير دفاعهم أفيجدور ليبرمان قبل أيام دعوته لجعل قطاع غزة «سنغافورة الشرق الأوسط». لكن ليبرمان رهن هذا التحول الدراماتيكي الذي دعا إليه بـ«تخلي سكان القطاع عن حركة حماس، أو إذا تخلت الحركة عن ميثاقها الداعي إلى القضاء على دولة إسرائيل، وإذا أعادت جثماني الجنديين الإسرائيليين المحتجزين لديها«.

وسنغافورة الواقعة جنوب شرق آسيا، تُعدّ أثرى المراكز العالمية الاقتصادية بعد عقود من الفقر، لذا فإن دعوة إسرائيل المرهونة لتحقيق نموذجها في غزة التي يعيش فيها مليونا نسمة، يطرح التساؤل عن الدوافع وراءها، غير تلك المُعلنة بالتخلي عن حماس، أو عدول حماس عن سياساتها تجاه إسرائيل.

لماذا تصر إسرائيل على جعل غزة «سنغافورة جديدة»؟

تُظهر قراءة تاريخية في مقولة زئيف جابوتنسكي زعيم التصحيحية الصهيونية، في عام 1923: «العرب سيُقدمون طوعًا على بيع أراضيهم في فلسطين مقابل شبكة السكة الحديدية»، اعتقادًا طموحًا لدى الإسرائيليين بأهمية البعد الاقتصادي في قضيتهم مع الفلسطينيين.

وبدأت إسرائيل العمل على هذه القناعة باكرًا، فقد جاء في تقرير لجنة بيل البريطانية الصادر عام 1937 والخاص بالحل السلمي، أن «الهجرة اليهودية إلى فلسطين ستجلب رخاءً ماديًّا وهو ما سيخلق تصالحًا مع الفلسطينيين العرب»، لذلك دفعت إسرائيل نحو الانفتاح الاقتصادي مع قطاع غزة عقب احتلالها له منذ عام 1967، وحتى بعد عشرين عامًا أي مع اندلاع الانتفاضة الأولى في ديسمبر (كانون الأول) 1987، وعندما أدركت أن تحسين الاقتصاد ليس حلًّا لرضوخ الفلسطينيين والتنازل عن حقوقهم، لم تتراجع عن قناعتها.

وفي عام 1993، وعندما وقّعت منظمة التحرير الفلسطينية على اتفاق السلام مع إسرائيل، وبينما وافقت على اتفاق «أوسلو» الذي نظم الجوانب السياسية والأمنية بينها، وبين السلطة الفلسطينية؛ وقعت على برتوكول باريس في أبريل (نيسان) 1994، وهو الشق الاقتصادي لاتفاقية أوسلو الذي نظّم الجوانب المالية والاقتصادية، ووعد بأن يجعل من فلسطين «سنغافورة ثانية».

لكن سرعان ما أدرك الفلسطينيون أن اتفاقيه باريس كبّلت الاقتصاد الفلسطيني، وزادت من تفاقم الأمور، وعلى ذلك يُعقّب رئيس تحرير صحيفة الاقتصادية في غزة، محمد أبوجياب، قائلًا لـ«ساسة بوست»: «سعت إسرائيل والدول المانحة إلى إفراغ هذه التصريحات والمشاريع من مضمونها بسياسات الربط التمويلي، والتي كانت تقوم على أساس ألا يسمح للسلطة الفلسطينية ببناء اقتصاد نامٍ متطور يمكن أن يعتمد على ذاته».

يعني ذلك حرص إسرائيل على أن تبقى السلطة الفلسطينية مُرتبطة بالتمويل الخارجي، و«لذا ذهبت كل المشاريع والخطط السابقة أدراج الرياح»، على حد تعبير أبوجياب.

واستمر الطموح الإسرائيلي في خلق اقتصاد متطور للفلسطينيين مقابل تنازلهم، ففي يوليو (تموز) عام 2000، دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك نحو توفير الأموال اللازمة لمشاريع تحلية المياه الفلسطينية، وتعويض اللاجئين من أجل تسهيل العملية السياسية، ثم في عام 2005 أي بعد الانسحاب من غزة، دفع رئيس البنك الدولي السابق جيمس ولفنسون بمشروعٍ لتعزيز التنمية الاقتصادية في قطاع غزة، ثم في عام 2007 عملت اللجنة الرباعية بتفويض رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، لتعزيز التنمية الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية باعتبارها عنصرًا رئيسيًّا لتسوية سلمية، بل إنه في عام 2009 تمحورت الحملة الانتخابية لليكود اليمني المتطرف حول ما عُرف بـ«السلام الاقتصادي»؛ لتطوير السلطة الفلسطينية كمقدمة ضرورية لمحادثات السلام.

يقول الرئيس السابق لجهاز الموساد الإسرائيلي، يوسي ألفر: «تعد فكرة الاقتصاد، وبعده القوي في تحقيق السلام، من أكثر المواضيع إلحاحًا في النهج الدولي والإسرائيلي المتبع لحل القضية الفلسطينية». ووفقا لهذا التفكير، وبحسب ألفر، فإن «تطوير الاقتصاد الفلسطيني سيشعر الفلسطينيين بالازدهار والنمو والأمل في مستقبل مادي؛ مما يزيد من فرص نجاح عملية السلام، وسيحسن من آفاق قيام دولة فلسطينية، ويدعم أسس الثقة بين فلسطين وإسرائيل، ويحد من العنف».

في سياق مُتّصل، هناك من يعتقد أن إسرائيل لا تعتقد في إمكانية قيادة دولة فلسطينية، إلا في غزّة، من بين هؤلاء المحلل السياسي هاني البسوس، الذي يبني على ذلك بأن إسرائيل «مُستعدة لدعم خيار إقامة دولة فلسطينية في إسرائيل، بشرط أن تكون منزوعة السلاح»، ولدعم ذلك، لا بد من الدعم الاقتصادي، بخاصة في البداية، وفقًا للبسوس.

الميناء البحري «طوق النجاة»

رغم كونها العائق الرئيسي أمام إنشائه، إلا أن إسرائيل لا تكف عن اقتراح إنشاء ميناء في قطاع غزة في نقاشاتها السياسية المتعلقة بمستقبل القطاع، فتارة تقترح إضافة ٧٢٠ كيلومترًا مربعًا لغزة كي تمكن الفلسطينيين من إنشاء ميناء دولي كبير، وتارة تستخدم وسطاء لطرح موضوع إقامة الميناء، كما حدث في توسط ممثل الرباعية الدولية سابقًا توني بلير.

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيجدور ليبرمان، الذي تحدّث عن «غزة كسنغافورة»، قد قال في مقابلة لاقت الكثير من الهجوم أجرتها معه صحيفة «القدس» الفلسطينية في 24 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، إنه «سيكون بالإمكان أن نرى في يوم من الأيام غزة سنغافورة، أو هونغ كونغ الجديدة»، مُرجعًا ذلك إلى كون إسرائيل ستكون الدولة الأولى التي ستساهم في إعادة إعمار القطاع، وفي إقامة ميناء ومطار به، وبالطبع كان هذا الاقتراح مشروطًا بـ«إذا أوقفوا إنفاقهم ونشاطهم بالأنفاق وإطلاق صواريخهم ضدنا، نحن سنكون أوائل المستثمرين في مينائهم ومطارهم ومنطقتهم الصناعية».

وبعيدًا عن الرغبة الإسرائيلية، يعد إنشاء ميناء على ساحل البحر الأبيض المتوسط في منطقة قطاع غزة، أمر مهم لتسهيل التجارة بين أوروبا، ودول الخليج والعراق والسعودية، إذ تتم الآن حركة السفن عبر قناة السويس، أو عبر سفن ضخمة تضطر بسبب حجمها للدوران حول قارة إفريقيا.

وبإمكان ميناء في قطاع غزة، الذي ينعم بموقع استراتيجي يتمثل في قربه من أوروبا وقناة السويس؛ أن يصبح محطة توقف للكثير من البواخر العملاقة في طريقها بين آسيا وأوروبا، كما يمكن أن يلحق به ميناء جاف يستخدم من قبل الشركات الكبرى في تخزين بضائعها مؤقتًا قبل شحنها مرة أخرى في مكانها النهائي، كما هي الحال في موانئ دبي، وسنغافورة وهامبورج وغيرها.

ويعتبر إنشاء ميناء عصري مزود بتكنولوجيا متطورة أمرًا قد تدعمه حتى الدول الغربية، لكونه بديلًا مهمًا لها، قد تتفرع منه شبكة طرق جيدة تدفع نحو حركة تجارية نشطة، وتتحدث مصادر فلسطينية عن أن بناء الميناء وتشغيله سوف يخلق 50 ألف فرصة عمل في غزة، وسيحدث طفرة في الاقتصاد الفلسطيني.

مصر بوابة غزة

يصل سعر طن الأسمنت الذي يدخل من الجانب المصري لقطاع غزة إلى 100 دولار متضمّنة الربح، بينما يُشترى من تجار غزة بـ175 دولارًا، أي بزيادة 75 دولارًا على سعر الطن الذي يباع في السوق، لذلك إذا ما تحققت الإرهاصات التي تشير لتوجه جدّي لدى الحكومة المصرية نحو الانفتاح على قطاع غزة، فإن قطاع الإنشاءات وحده سيُشكّل رافدًا وافرًا للجانب المصري، وستضاف لهذا القطاع قطاعات أخرى ذكرتها اجتماعات «عين السخنة»، التي عُقدت في الخفاء بين مسؤولين اقتصاديين، وسياسيين من الجانيين في القاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني)، وكان أبرز ما خرج عن هذه الاجتماعات هو الدعوة إلى إنشاء المنطقة التجارية التي توقع أن تدر ثلاثة مليارات دولار سنويًّا بين الجانبين، وهو مشروع مثار منذ سنوات عدة.

في المقابل تمتلك مصر كثيرًا من الفرص التي من الممكن توفيرها لقطاع غزة، كونها بوابة للقطاع المحاصر على العالم، قد تُسهم في إنعاش حركة التجارة فيه ذهابًا وإيابًا. ورغم أن مصر مثّلت تلك الحال لغزة على مدار التاريخ، إلا أن الوضع الحالي يفرض تعاونًا اقتصاديًّا مُتبادلًا بين الجانبين.

وبحسب الخبير الاقتصادي نهاد نشوان، فإن تعاونًا اقتصاديًّا بين الطرفين يعني أن يُوفّر القطاع ما بين سبعة إلى تسعة مليارات دولار كانت تذهب إلى إسرائيل، وهذا مبلغ «مُؤثر في موازنة مصر» على حد تعبير نشوان، كما أنه على الجانب الآخر سيفيد سكان القطاع الذين يشترون منتجاتهم من إسرائيل بأسعار أكثر ارتفاعًا من السعر المصري بسبب الضرائب المزدوجة التي تفرضها إسرائيل.

ووفقًا لموقع «نتسيف نت» العبري، فيُتَوّقع اندلاع منافسة تجارية حامية الوطيس بين مصر وإسرائيل في قطاع غزة، وذكر الموقع أنه «لا يبدو أن شيئًا قد يوقف الركض الاقتصادي المصري تجاه قطاع غزة»، مُضيفًا أن «مصر التي تعاني أزمة اقتصادية حادة تتجه لفتح أسواق جديدة لمنتجاتها في قطاع غزة، بدلًا من المنتجات الإسرائيلية التي يعتمد عليها سكان القطاع المحاصر».

من جهة أُخرى فإنه في حال التعاون الاقتصادي بين مصر وغزة، فإن عوائد تجارة الأنفاق ستعود لصالح كلا الطرفين، أو كما قال نشوان لـ«ساسة بوست»: «ستحول إلى تجارة مرئية شرعية تتيح للعديد من تجارنا العمل في هذا المجال، وليس احتكارًا لبعض تجار الأنفاق«، مضيفًا: «ما نأمل به أن تكون وتيرة التجارة مع مصر تصاعدية، وصولًا إلي إنشاء منطقة صناعية تخفف من عبء النقل، وتشغل آلاف الأيدي العاملة في العديد من الصناعات».

وعلى كل حال، فإن هناك تغيّرًا ملحوظًا في الرؤية المصرية لقطاع غزة، يُمكن رصده في تكرار فتح معبر منذ أواخر 2016، فضلًا عن أنّ أصنافًا جديدة من السلع دخلت إلى القطاع عبر معبر رفح، لم تدخل منذ سنوات، مثل الأخشاب والسيارات وبعض أنواع المواد الغذائية، وفقًا لماهر الطبّاع مدير العلاقات العامة والإعلام بغرفة تجارة وصناعة غزة.

وأكّد الطباع في حديثه لـ«ساسة بوست» أنه في حال انتظمت الواردات المصرية من معبر رفح، بخاصة مواد البناء، فإن القطاع قادر على استيراد بضائع مصرية خلال عام 2017 بمليار دولار، أي ما يساوي 16 مليار جنيه تقريبًا، وهو «كفيل بإحداث انتعاش في المناطق الحدودية من شمال سيناء رفح المصرية والشيخ زويد والعريش»، على حد تعبير الطباع.

 هل يصبح قطاع غزة سوقًا حرة على غرار سنغافورة؟

في منطقة جغرافية صغيرة هي قطاع غزة، يُشير زائرو البحر إلى مكان تدفن فيه كنوز من الغاز تسمى بحقلي «غزة مارين» و«مارين 2»، هذان الحقلان القائمان على بعد 36 كيلومترًا غرب القطاع، وتحديدًا في مياه البحر المتوسط، اكتشفا نهاية التسعينيات، لكن لم يستطع أحد حتى الآن استغلالهما أو تطويرهما بسبب العقبات السياسية والاقتصادية التي تضعها إسرائيل، ما حال دون تمكن شركة الغاز البريطانية «بريتيش غاز» من القيام بمهام التعاقد، فحسب الشركة البريطانية تُقدر الكمّيّة الموجودة من الغاز في بحر غزة بنحو 1.4 تريليون قدم مكعب، أي ما يكفي قطاع غزة، الذي يعاني منذ ثماني سنوات من أزمة خانقة في الطاقة، لمدة 15 عامًا ومعه الضفة الغربية.

مع ذلك، هل من الممكن أن يُصبح قطاع غزة سنغافورة جديدة؟ يُجيب الخبير الاقتصادي نهاد نشوان بالإيجاب، بل إنه يرى أن من السهل حدوث ذلك، مُستدركًا على حديثه بشروط ترهن حدوث ذلك، مثل «فتح منافذ تجارية للقطاع تربطه بالعالم الخارجي، ومنافذ بحرية من خلال ميناء يساهم في توسيع التبادل التجاري، فكل ذلك سيغير الواقع جذريًّا كون عصب الاقتصاد بالقطاع يتمثل في الصادرات، وقطاع غزة لديه القدرة الإنتاجية العالية إذا ما توفرت اتفاقية تسمح بتصدير المنتجات«.

رئيس تحرير صحيفة الاقتصادية في غزة محمد أبوجياب، يتفق مع نشوان، لكنّه يرى أن ذلك مرهونًا بـ«توفر إرادة سياسية وإمكانيات مالية، ويد إدارية غير فاسدة»، بخاصة وأن الإمكانيات الاقتصادية في غزة متوفرة، كما أوضح أبوجايب، بوجود مشاريع قطرية وكويتية وسعودية وألمانية وأمريكية.

من جهة أُخرى يرى نشوان في عرض وزير الدفاع الإسرائيلي «بادرةً إيجابية»، وذلك لأنه يعتقد أن ذلك يفتح الباب أمام إعلاء سقف المطالب الفلسطينية، مُشيرًا إلى خشية إسرائيل من الوصول إلى حالة الانفجار نتيجة الضغوط المتراكمة على غزة، بتعبيره، رابطًا ذلك باختيار حماس قيادة عسكرية في غزة متمثلة في يحيى السنوار؛ «لأنها (القيادة العسكرية) الوحيدة القادرة على أخذ قرار بالتسوية أو الحرب».

أقرأ أيضًا: السنوار حاكمًا لغزة.. حماس تُرجح الحلول العسكرية على السياسية بمباركة مصرية

مع هذا، لا يُمكن استبعاد وجهة النظر الإسرائيلية التي تستصعب تحول غزة «لسنغافورة جديدة» رغم كل الدعوات الإسرائيلية المتلاحقة، إذ يقول أحد صناع القرار المؤثرين في إسرائيل، اللواء احتياط جيورا أيلاند، إنّ «كل من يحاول المقارنة بين غزة وسنغافورة يخطئ التقدير. فاقتصاد سنغافورة يقوم على التجارة الدولية، والتعاملات المصرفية المتقدمة، وصناعات (الهاي تكنولوجي)، أما اقتصاد غزة فيقوم على الزراعة والتكنولوجيا البسيطة. وصحيح أن مساحة دولة سنغافورة لا تؤثر سلبًا على نموها الاقتصادي، لكن توسيع مساحة غزة شرط أساسي لضخ الحياة في أوصالها».

المصادر

تحميل المزيد