مخاوف من أن تكون الهدنة بوابة لترك المقاومة والانفراد بالضفة الغربية

51 يومًا من العدوان على غزة استهدفت فيها إسرائيل البشر والحجر، حرب استخدم فيها الاحتلال كل ما يملكه من قوة لأجل أن يجهز على مقاومة صغيرة تسيطر على رقعة صغيرة، لا تتعدى مساحتها حيًّا صغيرًا من أحياء مدينة عربية اسمها “غزة”.

GAZA, PALESTINE - 2014/08/27: Palestinians joyfully take part in the grand celebration organized by the Hamas movement on the occasion of what they call,  victory over Israel after 8 weeks of war against them,  a long-term truce has been agreed. (Photo by Ahmed Hjazy/Pacific Press/LightRocket via Getty Images)

ولم تحقق إسرائيل أيًّا من أهدافها، واستمرت صواريخ المقاومة تنهمر على المدن الإسرائيلية فأوقف مطار بن غوريون الإسرائيلي عن العمل تمامًا استجابة لتهديدات المقاومة، واستمر العدوان قرابة الشهرين، واشترطت المقاومة حينها أنها لن توقف نيرانها وصواريخها وعملياتها ضد المدن الإسرائيلية والجنود إلا بجملة مطالب من أهمها بناء ميناء بحري ومطار للتخلص تمامًا من الحصار المفروض على غزة.

تابع قصة الحصار هنا

وترددت تصريحات متشعبة من هنا وهناك حول قرب انعقاد هدنة محتملة، فهل يكون هذا الشهر هو شهر الانتصارات كما كان رمضان الماضي بداية الحرب؟!!

إلى أين وصلنا؟

ما أن انقشعت غبار الآليات الإسرائيلية وهدأت أزيز طائرات الاحتلال تبين حجم الدمار خلفته إسرائيل في قطاع غزة، فاستشهد أكثر من 2000 مواطن، ودمر نحو 60 ألف وحدة سكنية ونحو 200 منشأة اقتصادية أضحت أثرًا بعد عين.

فيما تمكنت المقاومة من تنفيذ عدد من العمليات ضد أهداف إسرائيلية واستمرت بإطلاق الصواريخ تجاه المدن التي ترزح تحت الاحتلال، فقتلت نحو 80 جنديًّا إسرائيليًّا، وتوقفت عجلة المفاوضات غير المباشرة التي دارت في القاهرة دونما أية نتيجة، فلا ميناء دشن ولا مطار أعيد بناؤه.

 الهدوء الذي يسبق العاصفة

ويرى مراقبون أن الحديث عن تهدئة من قبل الاحتلال الإسرائيلي؛ ينطلق من أرضية أن الدوائر الأمنية الإسرائيلية وكذلك الحكومة؛ تؤكد أن الوضع في قطاع غزة على وشك الانفجار، وهذا الانفجار إذا ما وقع سيمس بأمن المنطقة، وهو ما لا تريده إسرائيل ولا أمريكا ولا الدول الإقليمية، وبالتالي لا بد من خطوات عملية من أجل تخفيف الحصار المفروض على قطاع غزة”.

ويقدر جهاز المخابرات العسكرية الإسرائيلي أن المواجهة العسكرية أقرب مما يتصوره البعض، وأن الهدوء الحالي ربما لن يكون سوى ما قبل العاصفة.

ويستند التقرير الإسرائيلي إلى حفر الفصائل لأنفاق جديدة، وتطوير المنظومة الصاروخية، والكشف عن عمليات تهريب الحديد والمواد الممنوعة إلى حركة حماس من قبل بعض التجار الإسرائيليين، كما أن الفلسطينيين لم يحققوا أيًّا من المطالب التي أكدوا عليها وبقي الحصار المشدد ولم تتحسن الظروف الاقتصادية.

كما أن الانتهاكات الإسرائيلية (برًّا وبحرًا) يتم ممارستها من قبل الجيش الإسرائيلي بشكل شبه يومي. وتوقع اندلاع حرب جديدة ليس مرتبطًا فقط بقراءة الشاباك للحالة الفلسطينية، بل ربما لأن واقع حال القطاع لم يعد يترك خيارًا آخر سوى التصعيد.

زيارات دولية

وشهد القطاع وبعد الحرب بمدة بسيطة عددًا من الزيارات الميدانية لمسئولين رفيعي المستوى وممثلين عن بلاد أوروبية، تدور كلها في فلك إعادة الإعمار وتدشين اتفاق يمهد لوقف طويل لإطلاق النار بين إسرائيل والمقاومة.

آخر هذه الزيارات كانت لوفد ألماني كبير يتكون من 60 شخصية برئاسة وزير الخارجية فرانك فالتر شتاينماير وأعلن وزير الخارجية الألماني بعد اطلاعه على الأوضاع في القطاع، أن حاله كارثي ويجب تغييره، ودعا إسرائيل لفتح المعابر.

ومن الزيارات أيضًا وزير الخارجية النرويجي ووزير الخارجية التشيكي، والمبعوث الأممي للشرق الأوسط روبرت سيري والرئيس المستقيل للجنة الرباعية للسلام، توني بلير، وغيرهم.

وترحب حركة حماس مع الفصائل الفلسطينية عادةً بهذه الزيارات، والتي وإن كانت تحمل في ظاهرها الطابع الدبلوماسي والإنساني لكن الجميع يعلم أنها لاستيضاح بعض النقاط من أجل بلورة اتفاق ما.

تفاصيل الهدنة

الطرفان في فلسطين المحتلة “إسرائيل والفلسطينيين” يريدان التهدئة، كل لأسبابه لكن الجميع يريد ضمانات لتنفيذ هذه التهدئة.

 وتريد إسرائيل من هذه الهدنة:-

وقف كافة أشكال المواجهات العسكرية بين إسرائيل والمقاومة في القطاع لمدة تتراوح بين 5- 10 سنوات تبدأ من تاريخ التوقيع على الاتفاق بصورة نهائية، وأن تكون منظمة حماس مسئولة عن تنفيذ هذه الهدنة والإشراف عليها، ووقف حفر الأنفاق وتصنيع السلاح.

أما الفلسطينيون فيرغبون في:-

أن تقوم إسرائيل برفع الحصار الذي تفرضه على القطاع باتخاذ الخطوات التالية:

أ – فتح جميع المعابر بين الجانبين سواء كانت للأفراد أو للبضائع.

ب – السماح بإدخال كافة البضائع والمواد التي يحتاج إليها أبناء القطاع دون حظر.

ج – منح القطاع حق الاستيراد والتصدير دون عوائق.

وإن تمت الأمور كما يرام، يجري الترتيب لوضع الخطوات التي اتفق عليها سابقًا لإصلاح مطار غزة ومينائها البحري موضع التنفيذ الفوري تأكيدًا لما جاء في البندين أولًا وثانيًا.

ويبدو وفق مراقبين أن هذه البنود هي ذاتها النقاط المتفق عليها في أية اتفاق مقبل وستكون هي عنوان التهدئة المقبلة، لكن الموقف الرسمي من إسرائيل والمقاومة يقرران أن لا جديد في هذا الصدد وينفيان كل ما تصدره وسائل الإعلام من تصريحات من مسئول آو آخر.

لقاءات الدوحة – غزة

وتعقد حركة حماس اجتماعات تشاورية مكوكية بين غزة والدوحة التي يقيم فيها رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل، فيما غادر خلال الشهرين الماضيين القيادي البارز في حركة حماس موسى أبو مرزوق إلى العاصمة القطرية مرتين خلال الشهرين الماضيين، للقاء مشعل وبحث الهدنة.

وكشف مسؤول ملف العلاقات الدولية في حماس، أسامة حمدان، أن حركته “تسلمت أفكارًا مكتوبة تتعلق بالتهدئة”، لكن أبا مرزوق نفى تصريح حمدان وقال، إن حركته لم تتسلم أية أفكار مكتوبة للتهدئة مع الاحتلال من جهات أوروبية. ويأتي النفي فيما يبدو لأن حماس ترغب في أن تكون بلورة الاتفاق بشكل سري تمامًا وبعيدًا عن وسائل الإعلام.

وكان القيادي في حركة حماس، صلاح البردويل، قد أكد في تصريح صحفي أن “هناك بعض الجهات الأوروبية (رفض تسميتها) عرضت مقترحًا على حركة حماس، بأن تكون هناك تهدئة لمدة ثلاث سنوات مقابل الإعمار ورفع الحصار عن قطاع غزة”.

وكان موقع “ميدل إيست آي” البريطاني كشف أن مبعوث الرباعية الدولية للسلام في الشرق الأوسط السابق توني بلير التقى خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس، مرتين في الدوحة، للتفاوض معه بشأن خطة لإنهاء حصار غزة المستمر منذ ثمانية أعوام.

وبحسب التقرير الذي كتبه رئيس تحرير الموقع ديفيد هيرست، فقد التقى بلير بمشعل قبل أن يستقيل الأول من منصبه مبعوثًا للرباعية إلى الشرق الأوسط في مايو/ أيار الماضي، إلا أن المباحثات بين مشعل والمسؤولين التابعين لبلير لا تزال مستمرة.

وقال الموقع في تقريره الحصري، إن بلير التقى مشعل برفقة مسؤولين بريطانيين سابقين آخرين، وناقش معه كيفية إنهاء الحصار المفروض على غزة.

وأضاف أن القضايا الأساسية التي تناولها الطرفان بالنقاش هي التوصل لوقف لإطلاق النار، قد يكون طويل المدى، مقابل ميناء بحري، وربما أيضًا مطار لغزة، فيما “لا تزال شروط الهدنة، أو وقف إطلاق النار، ومدتها، وغير ذلك من تفاصيل الاتفاقية لم تحدد بعد”.

ويشير التقرير إلى أن “حوار الدوحة بين بلير ومشعل يعتبر الأكثر جدية والأهم على الإطلاق بين كل الحوارات التي جرت حتى الآن مع هذه الحركة الفلسطينية”. وأوضح التقرير أن محادثات بلير تحظى بدعم كل من رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، وواشنطن، والاتحاد الأوروبي، وتجري بعلم الإسرائيليين ودولتين عربيتين.

وقال التقرير إن كلًّا من مكتب بلير وحركة حماس رفضا تأكيد أو نفي الاجتماع، لكن مصادر أوروبية وفلسطينية مستقلة أكدت للموقع حدوث اللقاءات، وقالت إن النقاشات ما زالت بعيدة عن التوصل إلى نتيجة، وذلك لأن العرض الذي قدمه توني بلير “تشوبه ضبابية، الأمر الذي تسبب في ردود فعل متباينة داخل حركة حماس”، بحسب المصادر.

ويبدو أن المباحثات ما تزال تجري لبلورة اتفاق يجمع الكل أنه قادم ليحقق للطرفين جملة من المطالب التي شددوا عليها،

وضمن تحركات يعتقد أنها ذات علاقة بالمحادثات، أعيد مؤخرًا فتح معبر رفح للسماح بعبور الإسمنت الذي تحتاجه عمليات إعادة الإعمار، وجاء ذلك بعد أن أصدرت محكمة مصرية قرارًا يلغي تصنيف حماس على أنها منظمة إرهابية. وفيما لو أنشئ ميناء بحري داخل القطاع فإن ذلك سيسحب من مصر – وبشكل أبدي- ورقة التهديد بإغلاق المعبر الحدودي مع غزة.

الثمن المقابل.. مخاوف وتحذيرات

في مقابل ذلك كله يرى مراقبون أن العروض التي تنهال على حماس في قطاع غزة هي محاكاة لسياسة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في الضفة الغربية، والتي تعني وفق الكاتب الصحفي ياسر الزعاترة صفقة عنوانها “الحياة المعقولة للناس مقابل ترك المقاومة وبيع القضية”، ولا يطلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إعلان ذلك صراحة، وكما يقبل من عباس أن يواصل الحديث عن الدولة الفلسطينية الكاملة السيادة في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وحتى عودة اللاجئين، فليست لديه مشكلة في أن تواصل حماس القول إنها تريد فلسطين كل فلسطين، أو أنها لن تتخلى عن خيار المقاومة، مع قدر من التنديد كلما تصاعد الاستيطان والتهويد واستهداف المقدسات.

ولعل من الجدير ذكره أن رئيس حركة حماس في قطاع غزة إسماعيل هنية قال إنه وكما كان رمضان الماضي شهر الدماء والأشلاء سيكون شهر رمضان الجاري شهر النصر والتمكين.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد