هي واحدة من تلك المسائل التي أمضى علماء الرياضيات الأكثر خبرة في العالم عقودًا من الزمن في محاولة حلها، وفي كل محاولة كان الحل يستعصي عليهم، مسألة عدم المساواة في تصحيح جاوس «Gaussian correlation inequality»، أو «GCI» اختصارًا.

بعد ذلك، ومن حيث لا يتوقع أحد، خرج إحصائي ألماني متقاعد بالحل، عندما كان جالسًا في حمام منزله وهو ينظف أسنانه. ولكن بدلًا من أن يحتفل بها المجتمع الرياضي احتفالًا كبرًا، تم تجاهل الإثبات الخاص به للحل إلى حدٍّ كبير.

ويبدو أن المجتمع «العلمي» لا يزيد على مجتمع من البشر الطبيعيين الذين رغم تفوقهم وعبقريتهم إلا إن بهم أيضًا مشاكل وأمراض كل إنسان. فقد تجاهل هذا المجتمع الاحتفاء بهذا الشخص؛ إذ كيف يمكن لهذا الشخص غير المعروف أن يتغلب على هذا المجتمع الذي ظل عقودًا يحاول حل هذه المسألة المستعصية دون نتيجة؟ كيف يمكن لهذا الشخص العادي أن يتغلب عليهم جميعًا بهذه السهولة؟

وقال دونالد ريتشاردز، وهو إحصائي من جامعة ولاية بنسلفانيا، للمحررة بمجلة كوانتا، ناتالي وولتشوفر: «أعرف الناس الذين عملوا على محاولة حل هذه المسألة منذ 40 عامًا. أنا نفسي عملت على ذلك لمدة 30 عامًا».

توزيع جاوس

وبالنسبة لمسألة جاوس هذه، فقد جرى اقتراحها لأول مرة في خمسينيات القرن العشرين، ولكن وضعت المسألة بشكل صحيح في عام 1972. ويبدو مبدأ «GCI» بسيطًا نسبيًّا: إذا كان هناك شكلان متداخلان، مثل المستطيل والدائرة، فإن احتمال ضرب أحد تلك الأشكال المتداخلة -مثلًا بواسطة أحد السهام- يزيد من فرصة ضرب الشكل الآخر.

يمكنك أن تتخيل هذا المبدأ على هذه الصورة، أنت حصلت على مستطيل أزرق ودائرة صفراء، ووضعت أحدهما فوق الآخر، ثم وضعت علامة على الهدف في المركز، بالضبط مثل لوحة السهام التي يوجد بها نقطة مركزية يحاول الجميع إصابتها.

يمكنك رمي مجموعة من السهام في الهدف، وسوف تكتشف قريبًا أن منحنى الجرس -أو «توزيع جاوس»- الخاص بأماكن الإصابة قد جرى تشكله حول المركز، فالغالبية العظمى من السهام ستقع في مناطق التداخل الخاصة بالمستطيل والدائرة.

توماس روين – المصدر: كوانتا

وللتوضيح، فإن توزيع جاوس يقصد به التوزيع الاحتمالي الطبيعي، وهو توزيع احتمالي مستمر، وكثير الانتشار والاستخدام، ويستخدم لوصف المتغيرات العشوائية التي تميل إلى التمركز حول قيمة متوسطة معينة. وعبر وصع القيم في رسم بياني نحصل على منحنى يشبه الجرس، ويسمى الدالة الجاوسية. على سبيل المثال، فإن الصفات المختلفة مثل الطول والوزن تتبع هذا التوزيع الاحتمالي، فنلاحظ أن غالبية الناس تدور في قيمة وزن معين، بينما تقل أعداد الناس تدريجيًّا كلما اتجهنا إلى الأوزان الأقل أو الأكثر.

وبالعودة إلى مبدأ «GCI»، فسنلاحظ أن الغالبية العظمى من مواضع السهام المتداخلة التي ذكرناها، ليست مجرد أغلبية كبيرة، بل إنها أغلبية محددة تتناسب طرديًّا مع عدد السهام خارج منطقة الأشكال المتداخلة.

مبدأ GCI

ويشير مبدأ عدم المساواة في تصحيح جاوس إلى أن احتمالات السهام التي تضرب الدائرة والمستطيل معًا تكون دائمًا مرتفعة، أو أعلى من احتمال هبوطها داخل المستطيل مضروبًا باحتمال هبوطها داخل الدائرة.

احتمال إصابة المستطيل والدائرة معًا > احتمال إصابة المستطيل * احتمال إصابة الدائرة

قد يبدو ذلك أمرًا سليمًا ومنطقيًّا، لكن هل يمكنك محاولة إثبات الأمر رياضيًّا. هذه هي المعضلة الكبرى التي كان علماء الرياضيات يعملون على حلها منذ عام 1972.

يقول لورين بيت، عالم الرياضيات من جامعة فرجينيا، في حديثه مع مجلة كوانتا: «كوني عالم رياضيات شابًا متعجرفًا، فقد صدمت بأن الرجال الذين كانوا يضعون أنفسهم أساتذة محترمين لعلم الرياضيات والعلوم لا يعرفون الإجابة عن ذلك»، متحدثًا حول الوقت الذي واجه فيه المشكلة لأول مرة في عام 1973. وأضاف: «بعد خمسين عامًا، لم أكن أنا أيضًا أعرف الإجابة».

في وقت لاحق، وتحديدًا يوم 17 يوليو (تموز) 2014، قال الإحصائي الألماني المتقاعد، توماس روين، إنه اكتشف كيفية إثبات مبدأ «GCI» في الوقت الذي كان يقوم فيه بغسل أسنانه. وأضاف: «في صباح يوم 17، عرفت كيفية حساب مشتق رئيسي لهذا المبدأ الموسع، وهو ما فتح الدليل والإثبات».

وقال إنه لا يعرف كيفية استخدام «LaTeX» -معالج النصوص الذي يستخدمه عادةً علماء الرياضيات- لذلك كتب كل شيء في ملف وورد، ونشر إثباته على موقع ما قبل الطباعة: arXiv.org. وأرسل الإثبات أيضًا إلى ريتشاردز في ولاية بنسلفانيا، الذي يقول إنه عرف على الفور أن المسألة حُلت.

المجتمع العلمي

أما عن بقية مجتمع الرياضيات فكانت هناك قصة أخرى.

بفضل عدد البراهين والإثباتات الكاذبة التي جرى طرحها سابقًا لمبدأ «GCI» على مر السنين، فقد أصبح المجتمع خائفًا. ووفقًا لولشوفر، فقد جرى إرسال برهان روين إلى بواز كلارتاج من معهد وايزمان للعلوم، وجامعة تل أبيب في إسرائيل عام 2015، إلى جانب اثنين من «البراهين» الأخرى.

البرهان الأول الذي قرأه كلارتاج كان به خطأ، وهو ما جعله يدفع بالبرهان الثاني وبرهان روين جانبًا، وسرعان ما نسي الأمر.

لم يكن روين مستسلمًا، واختار توصيل دليله إلى الطريقة الوحيدة التي عرفها -نشره في مجلة غامضة تسمى مجلة الشرق الأقصى للإحصاءات النظرية، إذ كان يجلس في هيئة التحرير الخاصة بها على مدى الـ12 شهرًا الماضية.

هذا التحيز الواضح لم يكن شائع الوجود في المجتمع العلمي ومجتمع الرياضيات، إلا أن روين لم يضطرب أو يقلق بشكل خاص. قال: «لقد اعتدت على تجاهلي من قبل علماء من الجامعات الألمانية العليا. أنا لست موهوبًا جدًّا للتواصل والحصول على العديد من الاتصالات، وأنا لست بحاجة إلى هذه الأشياء لنوعية حياتي التي أعيشها».

عرض التعليقات
تحميل المزيد