في عام 1976، وصلت المملكة المتحدة إلى نقطة فاصلة في تاريخها الاقتصادي، بعد أداء سيئ أظهرت الأرقام عجزًا تجاريًّا تمثل في نسبة ضخمة جدًّا من الناتج المحلي الإجمالي.

وبسبب ضخامة العجز التجاري فقدت الأسواق المالية الثقة بالاقتصاد، وبدأ الباوند البريطاني بالتراجع، وانخفضت معها الثقة بقدرة الاقتصاد البريطاني على تمويل مستورداته ودفع ما يترتب عليه، وأدى ذلك إلى نهاية درامية تمثلت بسابقة تاريخية لدولة متقدمة مثل المملكة المتحدة بطلبها دينًا طارئًا من صندوق النقد الدولي. 

وبعد ثلاث سنوات من الحادثة، خسر حزب العمال سيطرته على الحكومة، وصعدت مارجريت تاتشر لتصبح رئيسة الوزراء، وتدخل معها بريطانيا والعالم المتقدم عصرًا جديدًا بعد فوز دونالد ريجان بعدها بسنوات قليلة في الولايات المتحدة، ليدخل العالم في حقبة جديدة يسود فيها المحافظون الجدد، وتحكم السوق الليبرالية الجديدة (النيوليبرالية – Neoliberalism).

بعد ذلك بسنوات روجعت قيم الناتج المحلي الإجمالي التاريخية في بريطانيا، وتبين أن الأرقام السابقة التي بنت عليها حكومة العمال فهمها لحال الاقتصاد كانت أرقامًا خاطئة، وهي نفسها الأرقام التي اعتمدتها الأسواق المالية لتحديد موقفها من الاقتصاد، وعليه تبين أن الاقتصاد لم يكن وضعه بذلك السوء فعليًّا، وأن حكومة العمال لم تكن محتاجة لأخذ دين صندوق النقد.

فما هو الناتج المحلي الإجمالي؟ ولماذا اخترعه الاقتصاديون؟ ولماذا يشكل أهمية كبرى بين المؤشرات الاقتصادية؟ ما عيوبه وميزاته؟ وهل يجب علينا الاستمرار باستخدامه؟

الحرب والأزمات منظار الاقتصاد 

عاش العالم قرونًا طويلة دون التفكير بشكل جاد في مسألة احتساب دخل الأمم، ولم يعرف البشر طرقًا لاحتساب الثروات المتراكمة بشكل جماعي داخل دولهم، وكانت أولى محاولات رصد الثروات الموجودة في الاقتصاد مقدمة لفرض الضرائب عليها. 

كان ذلك في عصر بداية تشكل الدول القومية، ومن أهم محطاتها تاريخيًّا فرنسا الثورية وما تلاها من حكم نابليون، الذي كان مضطرًّا لحشد قدرات الأمة الفرنسية لحروبه، في نقلة نوعية لطبيعتها من شأن يخص فئات معينة داخل الأمة، إلى شأن يعم الجميع. 

لكن حتى بعد أكثر من قرنين من حروب نابليون ومغامراته في أوروبا، لم يكن العالم قد وصل إلى تحقيق طموح رصد دخل الأمة بشكل دقيق، ولم يخطُ العالم خطواته الأهم في هذا المجال إلا في ظروف «الكساد العظيم»، الذي دام لأكثر من عقد بدءًا من عام 1929، وتزامنت نهايته مع بداية الحرب العالمية الثانية، والتي كانت مهمة أيضًا في تشكل تصوراتنا المعاصرة عن الاقتصاد، ومن بينها قياس دخل الدول، أو ما بات يعرف باسم الناتج المحلي الإجمالي. 

Embed from Getty Images

القائد العسكري الفرنسي نابليون بونابرت 

في كتابها «الناتج المحلي الإجمالي: تاريخ مختصر ومحب GDP: A Brief but Affectionate History» ترصد ديان كويل الاقتصادية البريطانية تاريخ المفهوم وتصوراتنا عنه وعن الاقتصاد بالمجمل. تنقل ديان أن العالم لم يكن يحتاج لمثل مفهوم الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير قبل القرن التاسع عشر، وذلك لأن الاقتصاد كان أبطأ بكثير قبل ذلك القرن، ومن ثم لم نحتج قبلها لمفهوم يمكن استخدامه لرصد الناتج، أو الدخل الذي تصنعه الأمة بشكل سنوي.

لكن وكما تقدم لم تبدأ الخطوات الحقيقية الأولى لصناعة مؤشر الناتج المحلي الإجمالي إلا في ثلاثينيات القرن الماضي، وتحديدًا في كل من بريطانيا وأمريكا بشكل متوازٍ تقريبًا. ومع أن المؤشر الذي خلقته تلك الفترة كان معبرًا عما ينتجه الاقتصاد (Output)؛ فإن أحد أهم مطوري المؤشر الاقتصادي الأمريكي حائز جائزة نوبل، سيمون كوزنتس، كان يرغب في تطوير مؤشر يقيس رفاه المجتمع والدول لا ما تنتجه فحسب. 

تنقل ديان عن كوزنتس رغبته بقياس الدخل القومي مطروحًا منه ما ينفق على الأسلحة، وأغلب نفقات الدعاية والإعلان، وكثير من نفقات القطاعات المالية والمضاربات، وكثير من النفقات الأخرى التي نظر إليها كوزنتس على أنها «تكاليف ضمنية للتحضر الاقتصادي»، و«شر لا بد من احتماله لسير الحياة». 

اقتصاد الناس

منذ 3 سنوات
لا تنخدع بالأرقام.. لماذا لا تتراجع معدلات الفقر مع زيادة النمو الاقتصادي؟

رغم الأهمية الكبرى للأساليب الإحصائية التي قدمها كوزنتس كان الرجل وأفكاره على نقيض احتياجات عصره في الغرب، عصر الحرب العالمية الثانية، والتي كان مهمًّا فيها جدًّا أن تستطيع الحكومات قياس قدرة الأمم على الإنتاج، مع شرط مهم بالنسبة لتلك الحكومات هو عدم إظهار الإنفاق الحكومي على التسلح بوصفه تقليصًا للناتج أو للرفاه في الدولة. 

نتج من ذلك صراع بين كوزنتس واقتصاديين آخرين في الدولة، كانت تصوراتهم أقرب لما تحتاجه الدولة في ذلك الوقت، بين كوزنتس الذي يريد قياس رفاه المجتمع، ومن ثم إلزام الدولة بالعمل لرفعه، وبين اقتصاديي الحكومة الذين يريدون قياس الناتج وإدارة الملف المالي للدولة، بما في ذلك احتساب الصرف على صناعة الأسلحة، والتي كانت تعني أيضًا ضخ الأموال في الاقتصاد، وتوظيف العمال في المجتمع، وإن لم يخدم ذلك رفاههم على المدى البعيد، لأنه وكما يقول كوزنتس «يخدم هذا التصور احتسابنا للنمو الاقتصادي دون احتساب مقدار فائدة هذا النمو للأفراد».

انتصرت أخيرًا تصورات خصوم كوزنتس، ورسم ذلك تصوراتنا عن الاقتصاد والناتج المحلي الإجمالي طوال العقود السبعة الماضية، وما زلنا حتى الآن نستخدم المؤشر نفسه المُخترع في تلك الحقبة من التاريخ، وعليه ما زالت الحكومات تعمل لصالح «الناتج – Output»، بدلًا من العمل لصالح «الرفاه – Wellfare».

اختراع الاقتصاد

قد يُنظر اليوم إلى علم الاقتصاد بصفته علمًا حياديًّا، ينظر إلى الواقع بطريقة مشابهة لنظر علم الفيزياء إلى الطبيعة، وعليه يصبح مؤشر مثل الناتج المحلي الإجمالي شبيهًا بقياسنا للظواهر الطبيعية، فالتصور الطبيعي اليوم هو أن هناك أمرًا ما حقيقي في الخارج، موجود في اقتصادات الدول والمجتمعات، وأن الناتج المحلي الإجمالي ليس إلا قياسًا له. 

لكن المقدمة التاريخية المختصرة أعلاه تبين لنا خطأ هذا الفهم، وأن عملية إنتاج مؤشر الناتج المحلي الإجمالي المشهور بـ«GDP» هو كما يصفها الكاتب اللبناني عامر محسن «عملية سياسية في العمق»، تخلص تصورًا معينًا عن الواقع من زاوية خادمة للسياسة ولما ترغب به السلطة في ظروف معينة. 

لهذا فإن تصوراتنا اليوم عن الاقتصاد هي بمعنى ما «اختراع للاقتصاد» أو تشكيل له، ومن هنا نفهم الأهمية الكبرى لمثل مفهوم الناتج المحلي الإجمالي، والذي يمكن السلطة ممثلة بالدول والحكومات من التحكم بالاقتصاد والنمو وتوجيهه، ومعه القطاع الخاص أيضًا، ويشكل تصوراتنا عن الاقتصاد وآليات عمله، ويربط هذه التصورات بالناتج، لا التدقيق بطبيعة هذا الناتج، من يخلقه؟ كيف يوزع؟ من يستفيد منه؟ إلى أي مدى يمكن إدامة نموه؟ وغيرها من الأسئلة الأساسية في علم الاقتصاد. 

هنالك ثلاث طرق لاحتساب الناتج المحلي الإجمالي بمعرفة طريقة احتسابه. الأولى احتساب كل قيمة مضافة في الاقتصاد، وذلك عن طريق طرح قيمة المواد الوسيطة في الإنتاج من قيمة المنتج النهائية، ثم تجميع كل هذه القيم في قيمة واحدة هي الناتج المحلي.

والطريقتان المتبقيتان هما طريقتا الدخول والنفقات، الأولى هي الأقل استخدامًا ويحتسب فيها كل دخل متحصل في الاقتصاد خلال فترة معينة، بمعنى تجميع أرباح أصحاب رؤوس الأموال، وأجور العاملين، وريوع الأراضي، وكل فائدة محصلة من عوامل الإنتاج المختلفة خلال عام واحد. والطريقة الأخيرة احتساب كل ما أُنفق في الاقتصاد خلال الفترة نفسها من قبل جميع العوامل المؤثرة فيه، والأصل أن تتساوى طرق الاحتساب الثلاثة في النتيجة النهائية. 

تعد الطريقة الأخيرة الأهم والأكثر انتشارًا، وهي ما يستخدم لمعرفة أثر تغيير السياسة الحكومية في الناتج، ومثلها العوامل الأخرى؛ وهذه المعادلة هي: GDP= C+I+G+(EX-IM)

C: استهلاك الأفراد في الاقتصاد.

I: الإنفاق الاستثماري (من قبل القطاعين العام والخاص).

G: الإنفاق الحكومي المتمثل بشرائها للسلع والخدمات في الاقتصاد. 

(EX-IM): الميزان التجاري (الصادرات-المستوردات).

وهي الصيغة الأبسط للناتج المحلي الإجمالي بطريقة النفقات، ويشتق منها معادلات أخرى أكثر تعقيدًا، تظهر هذه المعادلات التي لا نريد الخوض في تفاصيلها تشابك الاقتصاد وقطاعاته المختلفة، فزيادة الإنفاق الحكومي مثلًا قد تعني أرباحًا أكبر للشركات، وذلك يترجم دخولًا أكبر للعمال، ومن ثم استهلاكًا أكبر، ما يعني أن الناتج لن يرتفع بسبب زيادة بند (G) في المعادلة فقط، بل أيضًا بسبب ارتفاع بند (C)، وربما (I) و(EX-IM) أيضًا.

يعبر عن هذه العملية بمفهوم «المضاعف المالي – Fiscal Multiplier»، والذي هو نسبة استجابة الناتج المحلي الإجمالي لارتفاع أحد عوامله، وعادة ما تكون هذه الاستجابة أكبر من 100%، نتيجة لتشابك الاقتصاد كما هو موصوف في الفقرة السابقة، وهذا يعني أن رفع الإنفاق الحكومي بـ100 دولار سيعني في وضع مثالي ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 100 دولار، ولكن ذلك قد يكون على حساب مراكمة الديون مثلًا، ولذلك فإن الوضع المثالي لا يمكن القيام به إلى الأبد. 

ما يهمنا هنا هو تخيل الاقتصاد بمؤشر يشبه ما أراده كوزنتس؛ بحيث يقاس دخل الأمة بطرح ما تنفقه الحكومة على التسلح سواء في بند (G) أو بند (I)، والذي سيظهر بسببه الناتج المحلي الإجمالي أصغر نتيجة للتعريف فقط، وسيظهر لنا أن الحكومة تضيع فرصًا للإنفاق على قطاعات أكثر أهمية بالنسبة للأفراد، وذلك للأهداف الحربية التي قد لا تهم جمهور الولايات المتحدة مثلًا، فالحرب لم تكن قريبة من أراضيها في الأغلبية الساحقة من العمليات. 

ولكن بسبب تبني هذا التعريف للناتج فإننا اليوم ننظر إلى الإنفاق الحكومي والاستثمار في التسلح بصفته إضافةً للاقتصاد، وأحد عوامل نموه وتوسيعه، لا بصفته بندًا يخصم من إمكانيات الإنفاق على الرفاه، أو شرًّا لا بد منه يحاول المجتمع إجبار الدولة على تقليصه إلى أدنى مستوياته، ولنقف عند هذا الحد اختصارًا، وإلا فإن لهذا الفرق في التعريف تطبيقات كثيرة جدًّا وتعقيدات يطول شرحها. 

بين الشرق والغرب.. ثقةٌ معدومة

للناتج المحلي الإجمالي أشكال كثيرة تستخدم للتعبير عن ظواهر مختلفة، فيمكن احتساب الناتج المحلي الإجمالي الاسمي الذي يعبر عن الناتج بأسعار السوق الحالية، ودون إزالة أثر التضخم منه، ويمكن أيضًا احتساب «الناتج الحقيقي – Real GDP» بإزالة أثر التضخم بآليات إحصائية معينة، أو قسمة الناتج المحلي على عدد السكان للوصول إلى «GDP Per Capita»، وغيرها من المؤشرات الكثيرة.

يهدف احتسابنا لكل هذه المؤشرات إلى قياس الاقتصاد، الناتج، الثروة التي تخلقها الأمم سنويًّا، وأيضًا لقياس أداء الاقتصادات المختلفة، ومع توحيد طرق احتساب الناتج بسبب توحيد مفهومنا له أصبح أيضًا ممكنًا مقارنة الاقتصادات المختلفة بعضها ببعض، وأيضًا تصنيف هذه الاقتصادات وفق ناتجها. 

خريطة اقتصادات الدول وفقًا لبيانات البنك الدولي عام 2019. الأزرق يمثل الاقتصادات ذات الدخل المرتفع، والأزرق المُخضر اقتصادات ذات دخل مرتفع سابقًا. مصدر الصورة: ويكيبيديا

وفي الدول التي استطاعت إنتاج مؤسسات إحصائية أكثر تقدمًا، وآليات مراقبة ومحاسبة؛ يمكن التعويل على المؤشرات التي تصدرها هذه المؤسسات، وعدّها دقيقة إلى حد بعيد، خصوصًا مع كونها تخضع للمراجعة دوريًّا، ولكن انعدام الثقة بالمؤشر ناتج من رغبة الكثيرين من الفاعلين في السياسة الغربية بالعودة إلى التصورات نفسها التي عبر عنها كوزنتس، الراغبة بقياس الرفاه أكثر من قياس الناتج، وفهم الاقتصاد بصورة مغايرة. 

أما في شرق العالم وجنوبه (العالم الثالث بتعبير الغرب) فالصورة مختلفة، ليس لأن مؤسسات الدول النامية لم تصل إلى تطور المؤسسات الغربية فحسب؛ بل لأن الحكومات المنتخبة بشكل غير ديمقراطي تضغط على المؤسسات الإحصائية للتلاعب بالنتائج وفق مصلحتها، فتخفضها لتظل ضمن تصنيف الدول الفقيرة وتحصل على مساعدات دولية أو ديون بفوائد منخفضة، أو ترفع الناتج لتظهر نموًّا قويًّا فتجذب استثمارات أجنبية من الخارج مثلًا. 

تذكر ديان أمثلة من دول أفريقية استمرت باستخدام بيانات أسعار قديمة جدًّا لاحتساب نتاجها الحقيقي، ومن ثم ظل هذا الناتج محتسبًا بأقل من قيمته الحقيقية بشكل كبير، وعليه بقي تصنيفها ضمن الدول الفقيرة، أحد هذه الأمثلة دولة غانا التي ارتفع ناتجها المحلي بنسبة 60% بين يومي الخامس والسادس من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2010 نتيجة لتغيير آلية احتساب الأسعار، وأصبحت ضمن تصنيف الدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض.

أما الحالة الأبرز في عالمنا اليوم فهي الحالة الصينية، والمتهمة بأن سلطاتها تضخم ناتجها بشكل متعمد؛ لتغطية حالة الاقتصاد الأقل إبهارًا مما يظهر عليه، والتي تساعد الصين أيضًا في رسم صورة سياسية أكبر مما هي عليه، وأيضًا ينتج هذا التضخيم من تفرد الحالة الصينية التي تضع حكومتها المركزية أرقامًا مستهدفة، وتترك للحكومات المحلية القدرة على الاستدانة وتنفيذ مشروعات تكفي للوصول إلى المستهدف، حتى لو كانت هذه المشروعات دون جدوى أو فائدة، مثل بناء جسور لا تصل إلى مكان وفي طرق لا يمر منها أحد. 

وبسبب هذه المشكلات في المؤشر بدأ الباحثون في الاقتصاد محاولتين متوازيتين؛ الأولى محاولة اختراع مؤشرات تستخدم للتأكد من صحة البيانات المقدمة من الدول النامية، أو مراجعة آليات احتساب الناتج في الدول التي يمكن فرض مثل هذه الإجراءات فيها حالة غانا، وبالمقابل محاولة خلق مؤشرات بديلة لفهم الاقتصاد من خلالها. 

في حالة الصين فإن لي كه تشيانج؛ رئيس الوزراء الصيني السابق، والرجل الثاني فيها قبل مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني الأخير، اعترف بأن أرقام الناتج المحلي قد تكون مُتلاعبًا فيها، وأنه كان يعتمد على مؤشرات ثلاثة بديلة لقياس الأداء الاقتصادي، وهي استهلاك الكهرباء، شحنات القطارات، والديون الموزعة من قبل البنوك؛ فيما بات يعرف باسم «مؤشر لي كه تشيانج».

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء الصيني السابق لي كه تشيانج

أحد البحوث التي حاولت قياس الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الصين كانت بحث بروفيسور الاقتصاد لويز مارتينيز، الذي تتبع فيها الأضواء الظاهرة من الفضاء ونموها سنويًّا في 184 دولة، ومقارنة نمو الأضواء بنمو الناتج المحلي الإجمالي للوصول لمعادلة تقيس النمو الحقيقي، وذلك بالاعتماد على معدلات النمو في الدول التي يمكن الاعتماد على إحصاءات الناتج فيها. 

يقترح بحث مارتينيز أن الدول السلطوية تتلاعب بمعدلات نموها لتظهر أكبر مما هي عليه، وذلك بقياس نمو الأضواء من الفضاء، ويظهر فارق واضح بين الدول السلطوية والديمقراطية. ولكن تبقى نتائج مثل هذا البحث تقديرية ولا يمكن الاعتماد عليها بشكل كامل، خصوصًا وأن لها عيوبًا أحدها هو أن كثيرًا من الدول التسلطية تستفيد من تخفيض نواتجها المحلية لا رفعها، ويظهر الواقع (كما في حالة غانا) أنها خفضته بالفعل وتذكر ديان أمثلة أخرى غير غانا، ما يتنافى مع نتائج البحث. 

لذلك فإن عالمنا اليوم يحتاج لأكثر من تغيير المؤشرات التي نستخدمها لقياس الاقتصاد، بل يحتاج لتغيير جذري في علم الاقتصاد، وتصورات الاقتصاديين، بهدف جعلها متركزة أكثر على رفاه البشر وما يفيدهم، وليعاد خلق العلم من جديد لصالح المجتمعات البشرية، لا لصالح السلطات والفئات الأكثر غنى، للوصول لعلم يقيس رفاه البشر لا إجمالي ما يُنتج في الاقتصاد، لن يفيد ذلك في الدول الغربية وحدها بل حتى في الدول النامية، والسلطوية، والتي ستفقد الغاية من تزوير الناتج بسبب وجود مؤشرات أخرى أكثر أهمية وترتبط بحياة مواطنيهم ارتباطًا مباشرٕا، ومن ثم تصبح مهمة التلاعب بها أكثر صعوبة.

المصادر

تحميل المزيد