كانت «سينيا هاريس» طفلة لم تتجاوز التاسعة من عمرها من مدينة بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية، من المفترض أن تصبح مريضة جدًا، فقد منحها والداها نسخة من طفرة وراثية لمرض فقر الدم المنجلي التي تؤدي إلى اضطرابٍ مُنهك وقاتل في بعض الأحيان بخلايا الدم الحمراء، دون علمٍ منهما. فخلايا الدم الحمراء تحتوي على الهيموجلوبين، وهو البروتين الذي يحمل الأكسجين في الدم والمسؤول عن نقله من الرئتين إلى باقي أجزاء الجسم باختلاف موضعها فيما يُسمي بالدورة الدموية. نظرًا لوظيفة خلايا الدم الحمراء فهي دائرية الشكل، ومرنة، لتتمكن من المرور خلال الأوعية الدموية الصغيرة وبالتالي توفير الأكسجين لجميع أجزاء الجسم.

أما مرض فقر الدم المنجلي فهو مرض وراثي، يحدث عند اكتساب جينين لتلك الطفرة إحداهما من الأب والآخر من الأم. فيسبب تحوُّرًا لخلايا الدم الحمراء، لتصبح هلالية الشكل كالمنجل، مما يجعلها تتكسر بسهولة جدًا لأنها لا تعيش إلا من 10 إلى 20 يومًا بدلًا من 120 يومًا كنظيرتها الطبيعية مما يسبب الأنيميا، نظرًا لتجمُّع الخلايا التالفة معًا على جدران الأوعية الدموية مسببة منع تدفق الدم. مما يسبب ألمًا شديدًا، وضررًا دائمًا في الدماغ والقلب، والرئتين والكليتين، وكذلك الكبد والعظام والطحال. أما المراحل المتقدمة من الضرر تسمى بأزمة الخلايا المنجلية، حيث تسبب ألمًا لا يحتمل، وتتطلب العلاج الطارئ لمنع حدوث السكتات الدماغية المميتة، وفشل أجهزة الجسم.

أما في حالة «سينيا» فهي لم تشتكِ من أي ألم أو مشاكل صحية بالرغم من مرضها، فتستطيع الذهاب إلى المدرسة، والرقص، ومشاركة زميلاتها في لعب الجمباز. ويكمن سر ذلك في الطفرة الجينية الثانية التي ورثتها من والديها، وهي عبارة عن مزيجٍ غير عادى من التغيرات الجينية التي تحد من تقوس وتحور خلايا الدم الحمراء، لذلك لم تعانِ «سينيا» من أزمة الخلايا المنجلية حتى الآن، وكذلك يعتقد الأطباء أنها من المحتمل أن تكون محمية من آثار خلل الهيموجلوبين الدم لبقية حياتها.

لذلك استمر الأطباء والباحثون في البحث عن الأطفال المشابهين لحالة «سينيا»، وبعد البحث لعقودٍ لم يحالفهم الحظ إلا بالتوصل لعدد ضئيل جدًا من الأطفال الذين يحملون طفرات وراثية نادرة تعمل تلقائيًا في مواجهة الآثار المرضية المدمرة لمرض فقر الدم المنجلي. لذلك يود الباحثون إعادة بناء وظائف الأعضاء غير المألوفة كما في حالة «سينيا» لكل فرد يعاني من مرض الخلايا المنجلية.

إحصائيات صادمة

وفقًا لمركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها CDC، فإن مرض فقر الدم المنجلي يؤثر على الملايين من البشر حول العالم، وهو شائع بين الأشخاص الذين تنحدر أصولهم من جنوب الصحراء الإفريقية، وأمريكا الجنوبية والوسطى، والمملكة العربية السعودية، والهند، وكذلك دول البحر المتوسط مثل تركيا، واليونان، وإيطاليا، بالإضافة إلى المناطق التي تتأصل بها العدوى بالملاريا.

يعيش أكثر من 70 ألف شخص مع مرض فقر الدم المنجلي بأمريكا، بينما يولد في كل عام أكثر من 300 ألف طفل عالميًا بالمرض ذاته، الكثير منهم لا يعيشون لما بعد مرحلة الطفولة، خاصة في المناطق الفقيرة وإفريقيا، فحتى عام 2002 كانت أغلب نسب الوفيات من الأطفال بين عمر يوم وحتى 3 أعوام، يليها الأطفال ما بين سن 4 إلى 9 أعوام، وأخيرًا الأطفال ما بين سن 10 إلى 14 عامًا. بينما في الغرب والولايات المتحدة الأمريكية قد يعيشون حتى 40 عامًا، بفضل عمليات نقل الدم.

بحوث مُضنية.. وتتويج جديد

العلاج الجيني عبارة عن طريقة تجريبية لعلاج العديد من الأمراض الجينية دون أي تدخل جراحي، فقط يتم عن طريق الهندسة الوراثية لتخليق فيروس محدد الوظيفة، يقوم بنقل الجين السليم المراد إيصاله إلى الخلايا المستهدفة والتي تحمل خلل ما. لتتم إعادة برمجتها للعمل بشكل سليم دون مساس باقي الخلايا بأي ضرر.

ووفقًا لتقرير الباحثين من دانا فاربر/مركز السرطان واضطرابات الدم بمستشفى بوسطن للأطفال، والذي نُشر في مجلة التحقيقات السريرية- Journal of Clinical Investigation، فإن الفيروس الذي تمت هندسته بدقة للعلاج الجيني لمرض فقر الدم المنجلي، عند إدراجه في الخلايا الجذعية للدم، ثم زراعتها في الفئران أدت إلى انخفاض ملحوظ في الضرر الذي يسببه مرض فقر الدم المنجلي لخلايا الدم الحمراء في تلك الفئران. مما يجعل هذا العمل يمهد الطريق للتخلص من الآثار المدمرة لمرض فقر الدم المنجلي، وضربها بعرض الحائط.

لم تكن نتائج البحث أو هذا العلاج الجيني الجديد وليد اللحظة، على العكس تمامًا فهو تتويج للعديد من الأبحاث منذ أكثر من 35 عامًا، والتي قد وجدت سابقًا أن مرض فقر الدم المنجلي أخف لدى الأشخاص الذي يحملون الهيموجلوبين الجنيني بخلايا الدم الحمراء. والهيموجلوبين الجنيني عبارة عن البروتين الذي يقوم بنقل الأكسجين الرئيسي في الجنين خلال الأشهر الأخيرة من النمو بالرحم، وحتى 6 أشهر من العمر بعد الولادة.

جهود عدة.. وإعادة إنتاج الهيموجلوبين الجنيني

يختلف الهيموجلوبين الجنيني عن الهيموجلوبين عند البالغين وظيفيًا، حيث يستطيع الارتباط بالأكسجين بصلة أكبر حتى يُمكن الجنين من الحصول على الأكسجين من مجرى الدم بصورة أفضل. وبحلول الشهر السادس يستبدل الهيموجلوبين الجنيني كليًا بهيموجلوبين الكبار. أما في البالغين، يمكن إعادة إنتاج الهيموجلوبين الجنيني عن طريق التنشيط بالعقاقير لعلاج العديد من الأمراض المرتبطة بالدم.

كذلك في عام 2008 أظهر الباحثان «ستيوارت أوركين» و«فيجاى سانكاران» من دانا فاربر أو مركز السرطان واضطرابات الدم بمستشفى بوسطن للأطفال، أن قمع الجين « B-cell lymphoma/leukaemia 11A» والذي يرمز له بالرمز «BCL11A»، يعمل كمفتاح تبديل لإعادة إنتاج الهيموجلوبين الجنيني بدلًا من هيموجلوبين البالغين. بينما في عام 2011 وباستخدام هذا النهج، استطاع الباحثون تصحيح فقر الدم المنجلي في الفئران، وبالتالي استبدال الكثير من خلايا الهيموجلوبين المتحورة إلى الهيموجلوبين الجنيني السليم.

رحلة التنفيذ: من الرؤية إلى العلاج

أثناء العمل على الرؤية السابقة وتحويلها إلى علاج، واجه فريق الباحثين بقيادة «ديفيد وليامز» و «كريستيان بريندل» و«سواروبا جودة» مشكلة كبيرة: فالجين «BCL11A» الذي قاموا باكتشافه، يلعب دورًا هامًا في تدهور الخلايا الجذعية للدم، فعند إسكاته – ويقصد بإسكات الجين، أي منع عمله بأي آلية عدا التعديل الجيني، مثل إسكات الجين عندما لا يستطيع الـ RNA بناء البروتين أثناء عملية الترجمة – في الفئران التي لديها طفرة فقر الدم المنجلي، فإن الخلايا الجذعية للدم لا تترسخ في نخاع العظام لفترات طويلة، وتنضب في نهاية المطاف، مما قد يجعل العلاج الجيني غير فعال.

وللتحايل على ذلك، قام الفريق ببعض الهندسة المعقدة لتخليق فيروس للعلاج الجيني، حيث يعمل على إسكات الجين «BCL11A» بشكل انتقائي في خلايا الدم الحمراء فقط. وبالتالي فالخلايا الجذعية للدم التي تمت معالجتها بفيروس العلاج الجيني، وتمت زراعتها في الفئران، غُرست بنجاح في نخاع العظام، وخففت أعراض المرض.

أمل محدود.. ونجاح ساحق

أثناء تطبيق واستخدام فيروس العلاج الجيني الذي تم تخليقه سابقًا، في خلايا الدم الحمراء من الفئران و4 مرضى يعانون من فقر الدم المنجلي، كانت النتائج مبشرة للغاية، فبالرغم من أن الهدف الأساسي للبحث هو إحلال الهيموجلوبين الجنيني محل 50% من الهيموجلوبين الكلي، إلا أن النتائج كانت أكثر تبشيرًا، فأصبحت نسبة الهيموجلوبين الجنيني أكثر من الـ 80% من نسبة الهيموجلوبين الكلي بالدم، وبالتالي أصبحت نسبة خلل الهيموجلوبين لا تتعدي 20%، وهو ما يُعد كافيًا لتجنب مرض فقر الدم المنجلي.

وقد أوضح «وليامز» الباحث الرئيسي في الدراسة، ورئيس دانا فاربر أو مركز السرطان بمستشفى بوسطن، أن جين الـ«BCL11A» يقمع تكوين الهيموجلوبين الجنيني الذي لا يؤدي إلى تحور الخلايا للشكل المنجلي. لكن على العكس عند هدم أو تثبيط ذلك الجين، يزداد الهيموجلوبين الجنيني وبالتالي قمع عملية تحور الخلايا، لذلك يعتقد «وليامز» أن هذا النهج هو أفضل نهج على الإطلاق في استخدام العلاج الجيني لمواجهة المرض.

فوائد مزدوجة.. وتطبيق قريب

هناك العديد من تجارب العلاج الجيني الأخرى لمرض فقر الدم المنجلي جارية أو يجري تطويرها غير التدخل في الجين «BCL11A»، هذه المناهج تعمل على تقديم الجينات التي تقوم بتشفير الهيموجلوبين الجنيني نفسه، أو تصحيح بعض خلل الهيموجلوبين. لكن يرى «وليامز» أن النهج القائم على العلاج الجيني عن طريق التدخل في الجين «BCL11A» مُميز للغاية، نظرًا لتأثيره الفائق بزيادة نسبة الهيموجلوبين الجنيني. كما يرى أن النهج ذاته قد يكون مفيدًا في العديد من الأمراض الجينية الأخرى المتعلقة بالدم مثل بيتا-ثلاسيميا.

أما الآن فيتخذ «وليامز» وفريقه الخطوات النهائية نحو وضع خطط استخدام العلاج الجيني لعلاج أحد أكثر الأمراض الوراثية انتشارًا في العالم، فقر الدم المنجلي. فَهُم في انتظار إزالة إدارة الأغذية والعقاقير FDA، للمحاكمات المتعلقة باستخدام العلاج الجيني في علاج مرض فقر الدم المنجلي، والتي من المتوقع أن تبدأ في بداية العام القادم 2017.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!