ظهرت بدايات الحديث النقدي عن نفوذ المؤسسة العسكرية المصرية عقب ثورة 25 يناير، عندما بدأت الإشارة إلى نفوذ وممتلكات رجال القوات المسلحة داخل الجيش وخارجه في الجوانب الاقتصادية والمالية في مصر، وأخذ الحديث وتيرة متصاعدة بعد الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين ووصول المشير عبد الفتاح السيسي (وزير الدفاع السابق) للحكم، الذي تبعه تولي المؤسسة العسكرية مسؤولية إدارة الكثير من المصالح والمشروعات التي من المفترض أن تدار من قبل القطاع الحكومي العام أو القطاع الخاص.

لكن كل الأحاديث كانت تدور في نطاق الأبحاث والدوائر السياسية، ولم تكن ثمة وسيلة تستطيع العامة من خلالها الحصول على معلومات مرتبة عن نفوذ رجال الجيش في مصر، حتى منذ أيام قليلة عندما خرج علينا فريق تحرير موقع
«نون
بوست» بسلسلة مقالات جنرالات الذهب المدعومة بقواعد بيانات من نوع خاص «Graph Database»، والتي تقدم تنظيمًا شبكيًا فريدًا من نوعه يربط نفوذ الجنرالات وممتلكاتهم وسلطاتهم والأهم علاقتهم ببعضهم البعض إن كانت صلة قرابة أو تعاونًا في العمل أو مشاركة في المصالح.

ونحن في «ساسة بوست» نقدم لكم عرضًا لتلك القطعة الصحافية الفريدة، بالإضافة لبعض المعلومات التي قد تسهل عليك التعامل مع صحافة البيانات المبني عليها «جنرالات الذهب».

كيف تحولت البيانات إلى قصة «جنرالات الذهب»؟

في عام 2011 نشرت صحيفة الجارديان البريطانية تجربتها الفريدة من نوعها في صحافة البيانات، مقدّمة دليلًا من عشر نقاط يمكن من خلالها تحويل البيانات الهائلة لقصة صحافية بسيطة يسهل تقديمها للقراء، وكانت المرة الأولى التي استخدمت فيها صحيفة الجارديان تلك الطريقة وكان ذلك أثناء تغطيتها الإخبارية لمدارس ولاية مانشستر، وإحصاء الجريدة لتكاليف هذه المدارس، وعدد الطلاب الذين تستطيع هذه المدارس استيعابهم.

وهناك عدة مراحل تمر بها البيانات حتى تتحول إلى قصة، فأولًا لابد من تواجد البيانات في صورتها الهائلة المعقدة، ومن ثم تدخل البيانات عملية الفلترة التي يتم من خلالها ترتيبها وتصنيفها إلى عدة فئات، كما نرى في جنرالات الذهب، حيث تم تصنيف ضباط الجيش وترتيب شبكة العلاقات بينهم على النحو الآتي:

علاقات الأشخاص ببعضهم البعض والروابط التي تجمعهم:

رابطة دم: أبوة/ وبنوة، قرابة، زواج، مصاهرة.

رابطة تنظيمية: رئيس، قائد، مدير، زميل عمل، زميل تنظيم.

رابطة مصلحية: تجارة، سياسة.

رابطة روحية: صديق، عدو، زميل دفعة، جار، عضوية طائفية.

علاقات المنظمات ببعضها البعض:

رابطة تنظيمية: امتلاك، تعاون، تبعية، وكالة.

علاقات الأشخاص بالمشاريع:

1- عمل على.

2- له نفوذ: قوة النفوذ، وصف النفوذ.

علاقات الأشخاص بالمنظمات:

له منصب.

له نفوذقوة النفوذ، وصف النفوذ.

علاقات المنظمات بالمشاريع:

رابطة تنظيمية: امتلاك، تعاون.

علاقات المشاريع ببعضها البعض:

رابطة تنظيمية: امتلاك، ارتباط.

وبعد عملية التصنيف والترتيب وتصميم شبكة العلاقات الاجتماعية بين الضباط ونفوذهم، أصبحت البيانات جاهزة للمرحلة التالية وهي مرحلة «التخيل» أي كيف سيكون شكل القصة حين عرضها، لذلك لجأ فريق «نون بوست»
إلى الاستعانة بقواعد بيانات من نوع خاص وهي «Graph Database» حتى تبدو القصة في النهاية في الشكل الشبكي الموضح في الصورة.

موقع نون بوست

ويمكنك التعرف على تجربة الجارديان مع صحافة البيانات مترجمة على موقعنا «ساسة بوست»، بالإضافة إلى تجربة «ساسة بوست» الأولى في المحتوى العربي الإلكتروني مع صحافة البيانات من خلال: «أدخل اسمك وابحث عنه على قوائم الإرهاب في مصر»

لماذا «جنرالات الذهب»؟

يعتقد فريق تحرير «نون بوست»، أن هناك قصورًا دائمًا في الدراسات المتعلقة بالاقتصاد العسكري في مصر لأنها تنظر للقطاع العسكري على أنه منافس على حصته من الموازنة العامة مع قطاع التعليم والصحة والبنية التحتية وغيرها، وتغفل هذه الدراسات بناء تصورات أكثر وضوحًا تراعي مسألة بديهية وهي أن الجيش وغيره من الأجهزة الأمنية لديهم سيطرة مهيمنة على بقية القطاعات الأخرى، ومع تحدي غياب المعلومات المتعلقة بموضوع السيطرة على الاقتصاد، عمل فريق التحرير على جنرالات الذهب حتى يكون هناك نموذج قادر على قياس وتفسير هذه السيطرة.

كانت أول ورقة بحثية كاملة صاغت نفوذ المؤسسة العسكرية بعد ثورة يناير في مصر هي «جمهورية الضباط» للباحث يزيد الصايغ، التي صدرت في عام 2012 عن معهد كارنيجي للدراسات الشرق أوسطية، ويتحدث فيها عن أسس دولة الضباط التي أنشأها جمال عبد الناصر وكيف نمت عبر نظام السادات، وعن التحولات الهائلة التي حدثت لدولة الضباط في عهد حسني مبارك التي سمح لنموها حتى يحافظ على نفوذه في الدولة.

لكن صناع «جنرالات الذهب» ذهبوا إلى أن هذا البحث رغم كونه يرسم ملامح الصراع بين أجهزة وطوائف جمهورية الضباط «المخابرات، الداخلية، الضباط المتقاعدين، الجيش»، لكن ما يمكن الحصول عليه من هذا البحث قليل، وهذا تحديدًا ما تناوله فريق نون بوست في الحلقة الثانية من جنرالات الذهب بعنوان: «جنرالات الذهب.. وهذا حتى لا يخدش السطح»، بالإضافة إلى ما قدمته هذه الحلقة من نقد لنموذج شان مارشال وما قدمه من عرض لدور المؤسسة العسكرية الاقتصادي في النشاط البحري ونماذج أخرى تناولت الهيمنة الاقتصادية والعسكرية، ولكن أهم تلك الدراسات التي كان لها النصيب الأكبر من النقد في هذه الحلقة هي دراسة المجتمع المصري والجيش لأنور عبد الملك، وهي الأطروحة الأكاديمية الرسمية للدولة والتي يضع فيها الجيش في الدور البنيوي، بحيث إن الجيش يجب أن يكون له دور بناء في لعبة الاقتصاد المصري بجانب دوره في عملية الدفاع، وهذا يضع تبريرًا واضحًا للهيمنة الاقتصادية من قبل المؤسسة العسكرية.

أما عن الحلقة الأخيرة والتي كانت بعنوان «جنرالات الذهب.. هل أتاك حديث عساكر الاقتصاد في مصر؟ (البنية الداخلية للجيش، فتناولت هيكل الإدارة العسكرية من الداخل، والذي يتحكم في إمبراطورية الجيش الاقتصادية، بالإضافة لبعض التعديلات القانونية التي أجريت في السنوات الأخيرة لكي تسمح بمزيد من السيطرة.

وربما كان النقد الموجه للتجربة أن نتيجتها كانت أكثر تعقيدًا من أن يفهمها القارئ العادي، لكنها على ذلك، تبدو مفيدة للغاية بالنسبة للصحافيين ومراكز الأبحاث، ومن سيستكملون دراسة الأمر، حيث مثل الأمر فتحًا جديدًا في دراسة الاقتصاد العسكري في مصر.

وكما يظهر في «جنرالات الذهب» فقد قدّم فريق تحرير «نون بوست» جهدًا كبيرًا وفريدًا من نوعه في الصحافة العربية، سواء في الحلقة الأولى للسلسلة، أو الحلقتين اللاحقتين اللتين فسرتا الكثير من دوافع هذا العمل، وأسباب نشوء «مملكة الجنرالات» في مصر، ليخرج في النهاية عمل متكامل وسبّاق.

عرض التعليقات
تحميل المزيد