العلاقات العاطفية معقدة تمامًا مثل النفس البشرية، فبناء علاقة صحية ليس بتلك السهولة التي ينصحنا بها خبراء العلاقات، أو ما يمليه علينا علماء النفس، وهذا يجعلنا نقف مليًّا ونتأمل: هل نضج الشريكين وسلامهم النفسي كافٍ لنجاح العلاقة؟ أم تتدخل عوامل أخرى يمكن أن تؤثر في صحة العلاقات؟

هل يقتصر دور الجينات على التحكم في لون أعيننا ونعومة شعرنا، ولون وجوهنا فقط؟ ألا يمتد نطاق سيطرتها للتحكم في علاقتنا العاطفية؟ هل يوجد جين يختص ببناء العلاقات الصحية؟

في هذا التقرير سنكتشف العلاقة بين الجينات وإقامة العلاقات الصحية، وهل هناك جين يختص بإقامة العلاقات الصحية؟

جيناتك بطاقة الحظ أو نذير الشؤم في علاقتك بشريك حياتك

يقول الطبيب النفسي فيكتور فرانكل: «جوهر الإنسان لا يكون إلا بالحب وفي الحب. لقد فهمت كيف يمتلك الإنسان المعدم المفلس الثروة الحقيقية سواء للحظة أو للأبد عبر امتلاك القدرة على استعادة حبه ولحظات قربه من محبوبه في الذهن».

الإنسان كائن اجتماعي ومنفتح، يحتاج إلى العلاقات والحب، يسعى للتضحية بروحه أحيانًا مقابل أن يحظى بعلاقة سعيدة وشريك لطيف يمنحه الدفء والطمأنينة.

Embed from Getty Images

ومع سعي علماء النفس الدؤوب لمساعدة البشرية على إقامة علاقات صحية، اكتشفوا أن للجينات دورًا فعالًا في نجاح العلاقات. وللتأكد من صحة الأمر أجرى الباحثان، مات ماكجوي، وديفيد تي ليكن، دراسة عن حالات الطلاق بين التوائم، على 1500 مجموعة من التوائم من الجنس نفسه، فأظهرت النتائج أن التوائم المتماثلة أكثر عرضة للطلاق من التوائم غير المتماثلة.

فيما بعد تبعتهما الطبيبة النفسية سوزان ترومبيتا بإجراء تجربة أخرى مماثلة على التوائم المتماثلة التي شاركت في الحرب العالمية الثانية والصراع الكوري، وأظهرت نتائجها وجود ميول وراثية للتمتع بزواج مستقر، ثم أجرت الطبيبة النفسية بيث جيرسكي، في جامعة براون، دراسة على التوائم المتماثلة التي خاضت حرب فيتنام، وأشارت النتائج أن الجينات تؤثر في الزواج والطلاق! لكن كيف ذلك؟

كيف تؤثر الجينات في علاقتك بشريك حياتك؟

لا يمكن التطرق إلى أثر الجينات في العلاقات دون التطرق لدور هرمون الأوكسيتوسين في بناء العلاقات، ربما تتأمل تلك الأم التي تصرخ بسبب آلام المخاض ثم بعد حمل طفلها بين أحضانها تتناسى تمامًا هذا الألم، وتقر عينها بهذا الوليد الصغير، أو العاشق الذي يملك العالم بين راحة يديك، وتلمع عيناه ببريق الحب.

لا تتعجب، إنه الأوكسيتوسين شعلة الحب والحميمية في العلاقات، فهو المسئول عن الانتشاء بمشاعر السعادة والشعور بالثقة والانتماء عند الوقوع في الحب، ولا يقتصر دوره عند هذا الحد، بل يؤثر في الذاكرة والتفكير بمنطقية، وانقباض عضلات الرحم لتسهيل عملية الولادة.

Embed from Getty Images

للأوكسيتوسين ثلاثة مستقبلات يُرمز لهم بـ«AC,AA,CC»، تتباين أعدادهم بين الأفراد، لكن حتى الآن لا يوجد دلالة علمية على أن تباين أعدادهم قد يؤثر في صحة العلاقة، لكن نوع المستقبلات قد يفعل.

في دراسة أجرتها جامعة يابانية تحت إشراف قسم الوراثة الحيوية على مجموعة من الفئران تبين أن (CD38)، وهو بروتين سكري يعمل على إفراز هرمون الأوكسيتوسين. بالتوازي مع دراسة أخرى لجامعة ماكجيل، ظهر أن (CD38) يساعد على تقوية الروابط العاطفية. لكن كيف يجري الأمر؟

خضع 71 زوجًا متباين الجنس مضى على زواجهم ثلاثة أشهر لدراسة أجراها فريق بحثي مشترك من جامعة ماكجيل، وجامعة أكاناز، وجامعة فلوريدا، طلب الباحثون إتمام بعض الإجراءات الأساسية: للتعبير عن الامتنان (أقدر ما يفعله شريكي لأجلي)، والثقة في الشريك (إلى أي مدى تثق في شريكك)، الغفران (هل تسامح شريكك على زلاته كالصراخ في وجهك؟)، تخطي تحديات العلاقات (التعاطف، قضاء الوقت سويًّا، الأطفال، اختلاف الديانة، تنظيف المنزل) والشعور بالرضا عن حياتك الزوجية بالإضافة إلى معايير أخرى مثل الالتزام، والغيرة، وعدم الإحساس بالأمان.

تابع الباحثون الإشراف على المشاركين وإكمال الاستطلاع مع سحب عينة من الحمض النووي من 142 مشتركًا لمدة ثلاث سنوات على مدار أربعة أشهر، مع الاهتمام بالجين «CD38.rs3796863»، وهو صورة من صور تعدد أشكال النيوكليوتيد المفرد، أي اختلاف في سلسلة الدنا يحدث عندما يختلف نيوكليوتيد بين فردين من النوع البيولوجي نفسه أو كروموسومين مزدوجين.

أظهرت النتائج أن الشركاء الذين لديهم «المستقبل CC» أو الجين «CD38.rs3796863» يحظون بحياة زوجية سعيدة وعلاقة مستقرة، ويبدو أن هذا الجين هو المسئول عن الشعور بالامتنان والثقة بين الشريكين ومغفرة الزلات.

وبالرغم من أن النتائج بشأن تحديات العلاقات لم تكن حاسمة، فإن المزيد من التحليل والاستقصاء، تبين عدم وجود ترابط بين الجين والغيرة أو انعدام الأمان في العلاقات، وتمتُّع المشاركين بوجود هذا الجين بمعدل عالٍ من الالتزام والإخلاص. وهذا يعني أنهم محظوظون كفاية ليحظوا بحياة زوجية سعيدة.

كيف يحدد الحمض النووي مصير علاقاتك العاطفية؟

بما أن للجينات دورًا في الشعور بالرضا عن الحياة الزوجية، فما دور الحمض النووي عمومًا في تحديد مصير علاقتنا العاطفية؟

أولًا: يحدد الحمض النووي ما إن كنت ستبقى أعزبَ مدى الحياة أم لا. فقد أثبتت الدراسات أن البعض لديهم الجين 5-HT1A المسئول عن انخفاض مستوى السترونين في الدماغ؛ لذا يميلون للعزلة ويهربون من العلاقات، لأنها تفقدهم راحتهم وسكينتهم.

Embed from Getty Images

ثانيًا: يساعدك الحمض النووي على اختيار الشخص المناسب لك وتقييم الانسجام بينكما. فقد أثبتت الدراسات أن البشر يميلون للتزاوج المتلائق مثل المملكة الحيوانية، أي الزواج بين الأفراد المتشابهين ظاهريًّا وجينيًّا وفكريًّا، لذا نميل للانجذاب إلى الأشخاص المماثلين لنا، وليس كما يشاع أن الأضداد تتجاذب.

وشرع العالم الحيوي أرون كليمان بشركة «23andMe»، وهي شركة متخصصة في التقنية الحيوية، بإجراء دراسة على 15 ألف زوج لتحديد الانسجام بين الشريكين وأظهرت النتائج أننا نميل لمن يشبهنا، فالرياضي يفضل الرياضية مثله، والنباتي يفضل النباتية.

ثالثًا: يحدد الحمض النووي هيئة نومك بجوار شريكك. ربما يبدو هذا مضحكًا، لكن الجينات تتحكم أيضًا في كيفية نومك بجوار شريكك، وخصوصًا إذا كنت ممن يرفصون شركاءهم أو يلطمون وجوههم. فقد أثبتت الدرسات وجود علاقة وثيقة بين الجينات والحركة أثناء النوم.

رابعًا: يقيم الحمض النووي مدى إخلاص شريكك. فبحسب معهد كينسي تعبر الجينات عن إخلاص شريك الحياة. فالجينات تقرر وفرة مستقبلات الدوبامين في الجسم، والذين يفتقرون لمستقبلات الدوبامين يميلون للتصرف باندفاعية، وربما يقودهم المصير للخيانة أو الفرار من الزوج.

خامسًا: يقرر الحمض مع من ستذهب لموعدك الثاني؟ فقد أجرى الباحثون دراسة على 300 مشترك أعزب بعد كل موعد، ثم سألوهم عن الأشخاص الذين سيخرجون معهم في موعد ثانٍ. فتبين أن الرجال الذين لديهم جينات القيادة وجدوا أن النساء ذوي جينات الحساسية أكثر جاذبية، ورغبوا في الخروج برفقتهن لموعد ثانٍ.

علوم

منذ سنتين
لماذا تنجذب بعض النساء إلى الـ «باد بويز»؟ علم النفس يجيبك

ومما سبق نستخلص أن الجينات لا تتحكم فقط في لون العين أو نعومة البشرة، بل تتحكم أيضًا في شعورنا بالرضا عن حياتنا الزوجية. لكن ماذا عن الآخرين؟ هل يعد الذين لديهم «مستقبلات AA,AC» عاثري الحظ؟

يجيب الدكتور غاري دبليو ليفاندوفسكي جونيور – مؤلف كتاب علاقات أقوى مما تعتقد – عن هذا السؤال، بأن هذه النتائج تساعدنا على فهم سلوكياتنا في العلاقات وفهم مدى تأثير طريقة تفكيرنا في جودة العلاقة، لكنها لا تحدد مصير العلاقات، أو مدي كفاءة الشريك لبناء علاقة صحية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد