تتسابق المؤسسات العلمية في مختلف أنحاء العالم، من أجل إنتاج لقاح مضاد للفيروس الذي ظهر في مدينة ووهان الصينية في أواخر العام الماضي، واستشرى منها لشتى بقاع الأرض؛ متسببًا في إصابة أكثر من 6.800 مليون حالة، وأكثر من 398 ألف وفاة عالميًا حتى كتابة هذا التقرير.

وفي الوقت الذي يُعد فيه تطوير لقاح آمن وفعال للوقاية من الإصابة بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) ضرورة مُلحة للصحة العامة، يُسابق العلماء والباحثون الزمن من أجل الوصول للقاح في أسرع وقت. ولتحقيق ذلك؛ يستخدم الباحثون الهندسة الوراثية (الجينية) بدلًا عن الطرق التقليدية، والتي قد تستغرق سنوات. فما هي أبرز هذه التقنيات؟ ما الذي يُميزها وما يُعيبها؟ وما هي التجارب التي تعتمد عليها؟

كيف تعمل الهندسة الجينية؟

تنطوي الهندسة الجينية على عزل جين من كائن حي، ونقله إلى كائن آخر، وبذلك ينتج كائنات مُهجّنة جينيًا تمتلك المميزات المرغوبة. ويمكن تكوين اتحادات وراثية جديدة، عبر خلط جينات وراثية معروفة لخلايا معينة مع جزيئات وراثية، وتمكينها من التكاثر وإظهار قدراتها الوراثية في التحكم بوظائف الخلايا المضيقة التي تُلقّح بها. ويمكن تعريفها باختصار على أنها حذف أو إضافة بعض الجينات المسؤولة عن الصفات الوراثية في الخلايا المُطبّق عليها.

وبحلول أوائل أبريل (نيسان) الماضي، كان يعمل ما يقرب من 80 شركة ومعهد في 19 دولة على تطوير لقاحات، يعتمد معظمها على الجينات، بدلاً من الأساليب التقليدية مثل تلك التي استخدمت في تطوير لقاحات الإنفلونزا لأكثر من 70 عامًا. وتوقعت المختبرات أن تجري إتاحة اللقاح للاستخدام التجاري في حالات الطوارئ بحلول أوائل عام 2021. التوقيت الذي يعصب استيعاب مدى سرعته؛ نظرًا لأن تطوير اللقاحات للأمراض الجديدة قد استغرق عقدًا من الزمن لإنتاجها ونشرها.

ويتضح أقرب مثال لذلك في لقاح فيروس الإيبولا، الذي رغم تتبعه بسرعة، إلا أنه استغرق خمس سنوات للوصول إلى تجارب واسعة النطاق. مع ذلك، إذا تمكن أحدهم من تطوير لقاح لفيروس كورونا المستجد، يجمع بين الفعالية والأمان في غضون عام؛ فسيكون ذلك أسرع تطوير للقاح في التاريخ، حسبما يقول دان باروش، مدير أبحاث الفيروسات واللقاحات في مركز «بيث إسرائيل ديكونيس» الطبي في بوسطن.

لكن قبل أن يتاح أي لقاح للاستخدام؛ يلزم التأكد من الوظائف الأساسية له في المعامل، ثم تقييم أثر اللقاح على الحيوانات لمعرفة ما إذا كان آمنًا، وما إذا كان يسبب استجابة مناعية ضارة. بعد ذلك، يُختبر على البشر في مجموعات صغيرة في البداية؛ للتحقق من السلامة والآثار الجانبية، ثم تتسع هذه المجموعات لتشمل أعدادًا أكبر على نحو متزايد؛ للتأكد من مدى فعالية اللقاح. فما هي أبرز التقنيات التي يستخدمها العلماء في تجاربهم المحمومة لإنتاج اللقاح المحتمل؟

صحة

منذ 6 شهور
هل يُنقذ علم الوراثة العالم من جائحة كورونا؟

1. بلازميد الحمض النووي

تسعى غالبية المختبرات لإيجاد طريقة لتدريب الخلايا البشرية على صنع مولد مضادات (antigen)، يسمى البروتين الشوكي (spike protein). يخرج هذا البروتين من الفيروس المستجد مثل مسمار على إطار؛ ويسمح للفيروس بالارتباط بخلية بشرية، والتسلل إلى الداخل. وتستخدم جميع المختبرات تقريبًا واحدة من ثلاث تقنيات؛ لتسليم مخطط هذا البروتين للخلايا.

تعتمد التقنية الأولى على بلازميد الحمض النووي (دنا DNA)، الذي يكون في العادة جزيء صغير على شكل طوق. ويُعد البلازميد مفيدًا؛ لأنه إذا تحور الفيروس، يمكن للباحثين التبديل بسهولة في مخطط جديد. وقد صُنعت لقاحات بلازميدات دي إن إيه سابقًا للاستخدامات البيطرية في الأسماك، والكلاب، والخنازير، والخيول، ولكن التطبيقات البشرية تأخرت.

ويرجع ذلك في الغالب إلى مواجهة اللقاحات صعوبة في المرور عبر الغشاء الخارجي الواقي للخلية؛ من أجل الوصول إلى الآلات الموجودة داخلها. ولمعالجة ذلك؛ طرأت أحد التحسينات عليها مؤخرًا عبر حقن اللقاح بأداة تُدير شحنات كهربائية قصيرة للخلايا القريبة من موقع الحقن، والتي تفتح المسام في أغشية الخلايا حتى يتمكن اللقاح من الدخول.

Embed from Getty Images

وقد استخدمت شركة « إنوفيو (Inovio)» الأمريكية للأدوية، تقنية بلازميد دي إن إيه قبل عدة سنوات، حين أطلقت التجارب السريرية التي تستهدف البروتينات الشوكية لمرض يُسببه فيروس تاجي آخر يُدعى «متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS)». ووفقًا لجوزيف كيم، الرئيس التنفيذي للشركة، كانت مستويات الأجسام المضادة لدى الأشخاص المُلقحين جيدة، أو أفضل من تلك التي نراها في عينات الدم الخاصة بالأشخاص الذين تعافوا طبيعيًا من متلازمة الشرق الأوسط التنفسية.

وبناءً عليه؛ هيأت الشركة منصتها لإنتاج لقاح ضد فيروس كورونا المستجد، باستخدام هذه التقنية التي دخلت في تجارب بشرية على نطاق صغير في السادس من أبريل الماضي، وذلك بعد نحو ثلاثة أشهر فقط من نشر جينوم الفيروس المستجد.

2. لقاحات الحمض النووي الريبوزي

تعمل لقاحات بلازميد الحمض النووي عن طريق نقل المخطط الجيني إلى الحمض النووي الريبوزي (رنا RNA) في آلية الخلية، والذي يُنتج مولدات المضادات. ولكن يمكن للعلماء تخطي خطوة البلازميد، عن طريق تضمين مخطط في شريط من أر إن إيه، ما يؤدي بنا إلى التقنية الثانية التي تُعرف بلقاحات الحمض النووي الريبوزي.

يُحمل الحمض النووي الريبوزي في الدهون التي تُحقن في الجسم، والتي هي عبارة عن جزيئات دهنية يمكن نقلها بسهولة إلى الخلايا. وتظهر الأبحاث أن لقاحات الرنا قد تكون أفضل من بلازميدات الدنا في تحريك الجهاز المناعي؛ لتكوين الأجسام المضادة. ويبدو أيضًا أنها تحفز مناعة أقوى – ذاكرة أقوى في جهاز المناعة – وبالتالي تتطلب جرعات أقل.

تستخدم شركة «مودرنا (Moderna)» في كامبريدج، ماساتشوستس، هذا النهج في صناعة لقاح ضد فيروس كورونا المستجد، وبدأت اختباره في تجارب بشرية صغيرة. ولكن استخدام هذه التقنية لا يقتصر على ذلك، بل تُعد بعض لقاحات أر إن إيه قيد التجارب السريرية المبكرة لأمراض فيروسية أخرى، بما في ذلك داء الكلب، وفيروس نقص المناعة البشرية، وفيروس زيكا.

Embed from Getty Images

وتتسابق شركات أخرى لتطوير لقاح ضد الفيروس التاجي الجديد باستخدام هذه التقنية، من بينها الشركة الألمانية «كيورفاك (CureVac)»، التي أثارت كثيرًا من الاهتمام مؤخرًا؛ لدرجة أن الرئيس الأمريكي ترامب حاول الحصول عليها. ويدعم الائتلاف الدولي لابتكارات التأهب للأوبئة (CEPI) جهود كل من «مودرنا» و«كيورفاك» ماليًا، وتمكن أيضًا من جمع أكثر من 700 مليون دولار من الحكومات والمؤسسات الخيرية في جميع أنحاء العالم، مثل مؤسسة «بيل وميلندا جيتس»؛ من أجل دعم مثل هذه الجهود.

ولكن على الجانب الآخر، تعد لقاحات أر إن إيه أقل استقرارًا من لقاحات بلازميدات دي إن إيه؛ إذ يمكن للأنزيمات الشائعة في الجسم أن تُحللها بسرعة، ويمكن للحرارة أن تدمرهم أيضًا. ويجب عمومًا الاحتفاظ بلقاحات الحمض النووي الريبوزي مجمدة أو مبردة؛ مما يخلق عقبات لوجستية، لا سيما في البلدان الفقيرة. في حين يمكن أن تبقى لقاحات بلازميدات الدنا مستقرة عند درجات حرارة أعلى.

3. نواقل الفيروسات الغُدَّانية

على صعيد آخر، يستخدم دان باروش، ومعاونوه في «جونسون آند جونسون» نهجًا ثالثًا، ينطوي على إدخال مخطط الحمض النووي في فيروس نزلات البرد. يُحقن المخطط داخل ناقل فيروسات غدي، ثم يُصيب هذا الأخير الخلايا البشرية ويُسلم المخطط الذي يحمله. والميزة في هذه الطريقة، كون الفيروسات الغدية جيدة في دخول الخلايا، ولكن بعض التجارب السابقة أظهرت أن الجهاز المناعي البشري يتعرف بسهولة على بعض هذه الفيروسات، ويهاجمها قبل أن يتسلل إليها. لذلك يستخدم باروش فيروسًا غديًا يُظهر من غير المحتمل التعرف عليه.

ومن المخاوف الأخرى حول هذه الطريقة، خشية بعض الخبراء أن يتكاثر الفيروس الغدي نفسه داخل الجسم ويسبب المرض. ولمعالجة هذا الاحتمال، يستخدم فريق باروش فيروسًا جرى هندسته بطريقة تمنعه من ذلك، عبر منعه من عمل نسخ منه داخل خلية بشرية. وفي أواخر أبريل الماضي، بدأت جامعة أكسفورد تجربة مشابهة على عدد محدود من البشر، باستخدام فيروس غدي غير متكرر آخر.

علوم

منذ 4 شهور
من بينها النمس والأحصنة.. 6 حيوانات تساعد العلماء في حل ألغاز فيروس كورونا

ولأن هذه الأنواع الجديدة من اللقاحات الفيروسية لم تُستخدم على نطاق واسع، لا تزال سلامتها بحاجة إلى الاختبار على نطاق أوسع. ومع ذلك، فقد اعتمدت بعض اللقاحات الأولى لفيروس زيكا وفيروس إيبولا، والتي خضعت للتجارب السريرية، على  فيروسات مُعدلة وراثيًا. كذلك، ابتكر مختبر باروش نموذجًا مبدئيًا من لقاح الفيروس الغدي، ويجري الآن اختباره في الفئران، وابن مقرض (النمس)، وقرود المكاك الريسوسي، بتمويل من «جونسون آند جونسون» بالتعاون مع مختبر باروش.

وقد خصصت الولايات المتحدة و«جونسون آند جونسون» أكثر من مليار دولار في 30 مارس (آذار) الماضي؛ لتمويل التجارب السريرية البشرية الكبيرة، والتي من المقرر أن تبدأ في سبتمبر (أيلول) القادم، إذا أثبت اللقاح فعاليته في الاختبار المحدود.

المصادر

تحميل المزيد