وبالرغم من أن الرجل بدا مُتفائلًا من المفاوضات إلا أنها لم تحقق شيئًا سوى التأجيل إلى 25 فبراير الجاري، ومزيد من تبادل الاتهامات بين الأطراف المتصارعة حول المتسبب في إفشالها، وهو ما سنسلط عليه الضوء في هذا التقرير، بالإضافة إلى الجهود على الأرض السورية التي اصطحبت المحادثات، وتوضيح السيناريوهات المتوقعة إذا فشلت المفاوضات حتى بعد تأجيلها.

“دستور جديد وحكومة انتقالية وانتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة”

هذا ما استهدف ستيفان دي ميستورا، المبعوث الأممي لسوريا، مناقشته خلال محادثات جنيف 3 غير المباشرة التي تجمع الهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة من المعارضة السورية والنظام السوري، وبالرغم من أن الرجل بدا مُتفائلًا من المفاوضات، إلا أنها لم تحقق شيئًا قبل أن يتم إعلان تأجيلها إلى 25 فبراير الجاري، مع مزيد من تبادل الاتهامات بين الأطراف المتصارعة حول المتسبب في إفشالها، وهو ما سنسلط عليه الضوء في هذا التقرير، بالإضافة إلى الجهود على الأرض السورية التي اصطحبت المحادثات، وتوضيح السيناريوهات المتوقعة حال فشلت المفاوضات بشكل نهائي كما هو متوقع في ضوء التطورات.

1- “الأسد وحلفاؤه أفشلوا المحادثات”

بعدما كانت المعارضة أقرب إلى رفض المشاركة في المحادثات، وافقت في اللحظات الأخيرة على المشاركة فيها وأعلنت في 29 يناير الماضي بعد بدء المحادثات اعتزامها المشاركة، عقب ضغوط من حلفائها الدوليين وفي مقدمتهم الولايات المتحدة التي ألمح وزير خارجيتها جون كيري إلى أن المعارضة إذا لم تذهب إلى المفاوضات “فإنها تغامر بتأييد حلفائها”.

وشاركت الهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة من المعارضة السورية، على شرط تنفيذ قرار مجلس الأمن 2254 الصادر بتاريخ 18 ديسمبر أول 2015، والذي ينص على “رفع الحصار عن المناطق المحاصرة وإدخال المساعدات الإنسانية وإطلاق سراح المعتقلين، وخصوصًا النساء والأطفال، ووقف الهجمات الجوية والبراميل المتفجرة على المدنيين”.

وفي اليوم الأول من لقاء المعارضة بـ”دي ميستورا” لوحت المعارضة بالانسحاب إذا عجزت الأمم المتحدة عن وقف “انتهاكات النظام السوري” على حد وصف رياض حجاب رئيس وفد التفاوض المعارض، ودعا سالم المسلط –المتحدث الإعلامي باسم وفد التفاوض- إلى تنفيذ قرارات مجلس الأمن 2254 مطالبًا “المجتمع الدولي بوقف الاعتداءات والجرائم الروسية التي لا تستهدف الإرهاب بل تستهدف السوريين والأسر السورية”.

وعقب تأجيل المحادثات يوم 3 فبراير، أكد حجاب أن وفد المعارضة لن يعود إلى جنيف ما لم يتم إحراز تقدم في المجالات الإنسانية في سوريا، واعتبر أن تأجيل المباحثات “فرصة للمجتمع الدولي من أجل الضغط على النظام وحلفائه للالتزام أولًا بتنفيذ المتطلبات الإنسانية للشعب السوري من خلال فك الحصار، وإطلاق سراح المعتقلين، ووقف القصف، وإدخال المساعدات الإنسانية”. ورحب بأي جهود دولية لتحقيق انتقال سياسي للسلطة دون أن يكون الأسد طرفًا فيه. مُتهمًا “الحكومة السورية والروسية بالعمل على إفشال المباحثات وتكثيف العمليات العسكرية والغارات الجوية”.

وهذاما أكدت عليه أمريكا بتحميل الأسد وروسيا مسئولية وقف وتأجيل المفاوضات في جنيف، وهو ما أشارت إليه تركيا أيضًا عبر رئيس وزرائها أحمد داود أوغلو الذي أكد أن عدم التزام النظام بوعوده تسبب في تعليق تلك المباحثات مطالبًا أمريكا بإظهار “موقف أكثر وضوحًا ضد روسيا، إزاء جرائم الحرب في سوريا”، ولفت إلى أن روسيا تضاعف قصفها في سوريا بعد كل لقاء يجمعها بأمريكا، وأعرب عن فقدان الأمل في وصول مجلس الأمن –الذي يجتمع الجمعة 5 فبراير– لحل للأزمة السورية، مُنتقدًا الهجمات العسكرية التي شنها النظام السوري مدعومًا بالغارات الجوية الروسية في حلب، وهو ما أكد عليه وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير عندما قال: “إن هجوم الجيش السوري على ريف حلب ألحق ضررًا بالمحادثات في جنيف”، لافتًا إلى “أن الفرصة القادمة لاتخاذ إجراء مشترك مع الأطراف الإقليمية ستكون في المؤتمر الأمني في ميونيخ الذي سيعقد في الفترة من 12 إلى 14 فبراير”.

أما عن السعودية فقد حملت النظام السوري مسئولية تعليق محادثات جنيف على لسان وزير خارجيتها عادل الجبير، يأتي ذلك قبل ساعات من إعلان أ حمد عسيري مستشار وزير الدفاع السعودي “أن بلاده مستعدة لإرسال قوات برية إلى سوريا لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، إذا وافق التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة”.

2- الحكومة تتهم المعارضة أيضًا

في المقابل اتهم بشار الجعفري، رئيس وفد الحكومة السورية إلى جنيف، “مجموعة الرياض” بالسعي إلى إفشال المفاوضات السورية عبر طرح شروط مسبقة لبدئها، مُضيفًا أن: “وفد الرياض أتى إلى جنيف بقرار سعودي قطري تركي لإفشال المحادثات”، ووصف قرار دي ميستورا بتعليق المحادثات بأنه تصرف “غير مسؤول وغير جدي وغير ملتزم”، لافتًا إلى أن “ضغوطًا غربية وعربية كثيرة مورست على دي ميستورا، الأمر الذي جعله غير قادر على الإمساك بالمعضلة”.

من جانبه قال غينادي غاتيلوف نائب وزير الخارجية الروسي إن: “محاولات وفد الرياض لتقويض عملية المفاوضات بذريعة مواصلة روسيا عمليتها العسكرية في سوريا غير مقبولة على الإطلاق، لأن الحديث يدور عن مكافحة الإرهاب في هذا البلد. والذريعة الثانية المتمثلة بعدم قدرتهم على المشاركة في المفاوضات بسبب الوضع الإنساني المتفاقم في سوريا، هي الأخرى غير مجدية تمامًا”.

وفي سياق متصل أعلنت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أن سبب قرار “معارضة الرياض” تعليق مفاوضات جنيف يعود إلى تحقيق الجيش السوري نجاحات جدية في شمال محافظة حلب.

3- النظام وروسيا يستغلان المحادثات كغطاء سياسي لمواصلة هجماتهما الأشرس

تزامنًا مع أيام محادثات جنيف التي بدأت في 29 يناير وأعلن تأجيلها في 3 فبراير، كثف الجيش النظامي السوري هجماته على مدينة حلب، التي تُعد مرتكزًا هامًا للمعارضة السورية، مدعومة بمئات الغارات الجوية الروسية، مما أدى إلى غلق الممر الواصل بين تركيا وحلب لدعم المعارضة، حيث قامت قوات النظام بالفعل بوصل صفوفها في الشمال الغربي من المدينة القديمة مع القوات الحليفة لها في الشمال، ما يعني عزل خطوط إمداد المعارضة في حلب وإمكانية سقوط معظم قرى ريف حلف في يد النظام. كما تواصل القصف الروسي على المناطق الجنوبية في القنيطرة ودرعا ودوما، كما لم تكن حمص بمعزل عن القصف الروسي أيضًا.

وصف رئيس الوزراء التركي داوود أوغلو التقدم الأخير لقوات النظام بـأنه أكبر وأفظع هجوم لقوات النظام خلال السنوات الخمس الماضية”. وقال أوغلو، في كلمة له خلال مؤتمر المانحين لسوريا الذي قرر تقديم مساعدات بقيمة 5.6 مليار دولار خلال عام 2016، إن الهجمات الروسية والسورية على حلب تسببت في نزوح نحو 30 ألف سوري إلى الحدود التركية مساء 4 فبراير، وهو رقم قلصه مراسل الجزيرة الذي قدر أعداد السوريين المتجمعين على الحدود التركية بـ15 ألفًا.

وانفجرت ما يمكن وصفه ببحور دماء في سوريا خلال الأيام الستة للمباحثات، فوفقًا لعدد من الإحصائيات التي أصدرها المرصد السوري لحقوق الإنسان فقد قُتل 1095 شخصًا في سوريا تزامنًا مع المباحثات، بينهم (248) مدنيًا مُعظمهم قُتل بسبب النظام السوري، و(391) من القوات الموالية للأسد بينهم مستشار عسكري روسي، أما عن بقية القتلى فقد وقع معظمهم من معارضي النظام السوري.

ويرجع مراقبون ذلك إلى أن نظام الأسد بدعم من روسيا قد استخدم محادثات جنيف كغطاء عسكري من أجل مواصلة تقدمه في سوريا، خاصة في الجزء الغربي من البلاد، حيث يرغب النظام في إحكام سيطرته عليه. في الوقت الذي شعر فيه وفد المعارضة أنه تعرض لخداع من قبل الولايات المتحدة بعد الدعوة إلى محادثات سلمية، في حين تستمر العمليات العسكرية للروس والنظام ضد المعارضة وليس ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وهو ما تسبب في إيقاف المحادثات ويهدد بانهيارها بشكل كلي والتوجه إلى تصعيد الحلول العسكرية، وبخاصة بعد إعلان المملكة العربية السعودية أمس استعدادها للمشاركة في عمليات برية في سوريا.

4- ماذا لو فشلت محادثات جنيف؟

إذا فشلت محادثات جنيف فلن يكون هناك أمل لسوريا”

هكذا أكد دي ميستورا قبل يوم من تعليقه للمحادثات، ولكن لا يبدو الأمر أنه كذلك بالنسبة للعديد من الدول المعنية بالأزمة السورية من خلال المواقف المعلنة قبل وأثناء المحادثات. في الوقت الذي تتجه فيه المحادثات نحو الفشل بسبب تكثيف العمليات العسكرية الروسية النظامية فإنه يبدو أن المعارضة وحلفاءها يعيدون ترتيب أوراقهم من جديد. ومن جانبها أعلنت السعودية في 31 يناير -تزامنًا مع المباحثات- أنها ستستمر في دعم المعارضة عسكريًّا حتى إذا فشلت المباحثات، أما عن روسيا فيبدو أنها كان تخطط لأمر مختلف مسبقًا عبر تكثيف غاراتها ضد معارضي الأسد قبل وأثناء المفاوضات، ويبدو أن مستقبل الأزمة السورية سيُحدده بشكل أساسي الجهود العسكرية على الأراضي السورية، وليست الجهود الدبلوماسية في جنيف أو غيرها، في الوقت الذي تسعى فيه روسيا والنظام إلى تعديل توازنات القوى على الأرض بشكل سريع. وبالرغم من أن النظام السوري لا يسيطر إلا على نسبة قليلة من الأراضي السورية فإن الدعم العسكري الواضح من روسيا وإيران وحزب الله اللبناني بمقاتلين ودبابات على الأرض ومقاتلات في الجو، قد تدعم فرص الأسد في الاستحواذ على مزيد من الأراضي السورية، في الوقت الذي ينشغل مؤيدو المعارضة السورية من الأطراف الدولية بمعاداة نظام الأسد دبلوماسيًّا ومحاربة تنظيم الدولة عسكريًّا دون مواجهة عسكرية مباشرة مع نظام الأسد كتلك التي يسلكها حلفاء الأسد في مواجهة معارضيه، حتى أن “الدعم العسكري الخارجي التي كانت تحصل عليه المعارضة المسلحة توقف مُنذ محادثات فيينا في أكتوبر الماضي بحسب خالد خوجة رئيس الائتلاف السوري المعارض، لافتًا إلى تزايد خسائر القوى المعارضة وبالأخص بعد التدخل الروسي هناك، وكلها مُعطيات قد تقلب المعادلة لصالح الأسد بعد 5 سنوات من الحرب. لذا يبدو أن محادثات جنيف قد وضعت نهاية للجهود الدبلوماسية في سوريا بدلًا من أن تكون بداية لها، وأن الجميع قد فطن بشكل واضح أنه لا صوت يعلو فوق صوت السلاح، وبخاصة أن النظام وحلفاءه قد بدوا ويكأنهم حسموا أمورهم مسبقًا.

علامات

editorial, سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد