«رواندا مكان يطاردني ويلازمني كثيرا، في عام 1994 غادرت سراييفو لتغطية الإبادة الجماعية التي حدثت في رواندا، مليون شخص قتلوا هناك ببشاعة، كنت أقف في أحد الطرق وأنظر إلى أبعد نقطة يمتد إليها بصري، حتى ميل على الأقل، كانت المسافة كلها جثث مكومة فوق بعضها البعض، بحيث يصل ارتفاعها إلى طولي مرتين، وتلك كانت نسبة ضئيلة فقط من الموتى، وكان هناك أمهات يحملون أطفالهم».

هكذا تحكي الصحافية جينين دي جيوفاني، قصتها في تغطية الحروب الأهلية، وهي تتحدث عن تجربتها الصحافية في رواندا، في إحدى مؤتمرات «تيدكس».

تقول دي جيوفاني، إن ما جعلها تتذكر رواندا جيدًا من بين الحروب الأهلية الأخرى، هو أنها تشبه إلى حد بعيد دولة جنوب إفريقيا، حيث أخذت رواندا تسترد عافيتها بعد عشرين عاما من الإبادة الأهلية.

مليون قتيل بين الهوتو والتوتسي

في عام 1959، أطاحت قبيلة الهوتو، التي تمثل أغلبية السكان في رواندا بحوالي %85، بالحكم الملكي الذي كان في يد أقلية التوتسي، فيما يعرف بـ«ثورة فلاحي الهوتو» ليفر الآلاف من التوتسي إلى أوغاندا والبلدان المجاورة.

شكلت المجموعة الفارة جماعة سياسية عسكرية في منفاها تحت اسم «الجبهة الوطنية الرواندية»، وبدأت تشن هجمات على رواندا عام 1990، من أجل تأمين عودة الروانديين المنفيين من التوتسي وإعادة تشكيل الحكومة الرواندية.

استمرت الحرب بين الجبهة الوطنية الرواندية، التابعة للتوتسي، والجيش الرواندي المكون من الهوتو، ثلاث سنوات. لينتهي القتال باتفاق سلام عام 1993، إلا أن الاحتقان العرقي كان قد بدأ يشحذ نصاله أكثر.

وفي ليلة السادس من أبريل (نيسان) 1994، سقطت طائرة كانت تقل الرئيس الرواندي آنذاك جوفينال هابياريمانا ونظيره البوروندي سيبريان نتارياميرا، على إثر هجوم صاروخي، وقتل جميع من كانوا على متنها. حملت الهوتو خلالها جماعة «الجبهة الوطنية الرواندية»، مسؤولية إسقاط الطائرة، ومن ثم قررت الانتقام من التوتسي جميعهم، لتبدأ بعدها مباشرة أحد أسوأ الإبادات الجماعية.

خلال 100 يوم فقط قتل مليون رواندي معظمهم من التوتسي، ولأجل ذلك صنفت كأسرع إبادة جماعية في تاريخ العالم. كان متشددو الهوتو الذين استولوا على الحكم بعد سقوط طائرة الرئيس ومقتله، يعدون قوائم بأسماء التوتسي والمعارضين لهم من معتدلي الهوتو، ثم تتوجه مليشيات عسكرية إليهم فتقتلهم، نساءً وأطفالًا ورجالًا.

كان يسهل تمييز التوتسي من خلال بطاقة هويتهم، فتم تصفية كل من استطاع أفراد الهوتو التعرف عليه في الشوارع والقرى، كما حرضت ميليشيات الهوتو الناس عبر الإعلام المحلي على قتل جيرانهم من التوتسي، مصورة إياهم «كصراصير إثيوبيين» يريدون إعادة فرض نظام ملكي إقطاعي واستعباد الأغلبية الهوتو.

كيف تجاوزت رواندا الأزمة؟

أدى تردد المجتمع الدولي في البداية إلى ترك الأزمة تتفاقم بشكل سريع، حيث سحبت من جهة بلجيكا جنودها من بعثة السلام الأممية هناك، بعد مقتل عشرة من جنودها بطريقة بشعة، ومن جهة أخرى لم تعمل القوت الفرنسية هناك بشكل كاف على وقف المذبحة الجماعية، بالرغم من أنها فرضت مناطق آمنة للمدنيين، أما الولايات المتحدة الأمريكية فكانت حينها غير متحمسة في التدخل بالدول الإفريقية في المهام الإنسانية، بعد مقتل عدد من جنودها لحفظ السلام في الصومال.

ولم تتوقف الإبادة الجماعية إلا في 22 يونيو (حزيران)، بعد أن أذن مجلس الأمن لقوات تحت قيادة فرنسية بالقيام بمهمة إنسانية، وفي نفس الوقت كانت الجبهة الوطنية الرواندية من المتمردين التوتسي قد استطاعت دحر قوات الهوتو من معظم مناطق البلاد، ليلوذ المسؤولون الحكوميون والجنود والمليشيات الذي شاركوا في جريمة الإبادة الجماعية بالفرار إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، ثم إلى زمبابوي، آخذين معهم مليون ونصف من المدنيين، أغلبهم من الهوتو الذين أبلغوا بأن الجبهة الوطنية الرواندية سوف تقتلهم، وسجلت منظمات حقوق الإنسان أيضا بأن ميليشيات التوتسي نفذت إعدامات انتقامية بحق آلاف المدنيين من الهوتو.

في نهاية 1996، بدأت الحكومة الرواندية في محاكمة المسؤولين عن الإبادة، ووصلت إلى مائة ألف مشتبه بحلول الألفية الجارية، ليبدأ تطبيق نظام العدالة التشاركية، المعروف باسم «غاتشاتشا»، وهو قانون سمح بالإفراج المؤقت عن المتهمين رهن المحاكمة، ما عدا منفذي الإبادة الجماعية، مثلما كانت محاكم «غاتشاتشا» تخفف أحكامها إذا أعلن الشخص توبته والتمس التصالح مع المجتمع. وهو ما اعتبره كثير من الناجين من الإبادة شكلا من أشكال العفو العام.

بالموازاة مع ذلك، باشرت المحكمة الجنائية الدولية، التابعة لمجلس الأمن، عملها بمتابعة المتورطين في الإبادة الجماعية في رواندا، وقدمت أول المشتبهين إلى المحاكمة في 1996، وبحلول 2016، كانت المحكمة الدولية قد أصدرت تسعة وعشرين حكماً في حق ثلاثة وثلاثين متهماً، منهم قادة عسكريون وسياسيون وإعلاميون هربوا خارج البلاد.

رواندا اليوم بعد ربع قرن من الإبادة

«اليوم في رواندا %56 من البرلمان يشكلهم نساء، وأصبح يوجد من مواد الدستور الوطني قانون يمنع التمييز العرقي، أو التلفظ بالهوتو أو التوتسي. وقد أخبرني صديق يعمل في الإغاثة أن مجموعة من النساء من الهوتو والتوتسي يتبادلون الأبناء، ليتربوا في نوع من التعايش والتصالح»، تقول مراسلة الحرب دي جيوفاني وهي تتحدث عن كيف تغيرت رواندا الآن.

عادة عندما يجري الحديث عن رواندا، يستدعى إلى الأذهان الحرب الأهلية والتخلف والوحشية، الصورة التي شكلتها الإبادة الجماعية لسنة 1994، إلا أن 25 عاما كانت كافية لتقلب رواندا الصورة على رأسا على عقب اليوم، وتقدم مثالا في النمو والتصالح بين أطياف المجتمع وتجاوز الصراع.

ارتفع النمو الاقتصادي في رواندا بـ %7 خلال 2014، وزاد عدد السياح الزائرين لها من 105 ألف سائح سنة 2000 إلى ما يقارب المليون سائح سنة 2014، ومن المتوقع أن يتواصل ارتفاع مستوى النمو الاقتصادي على المدى القصير والطويل للاستثمارات العامة والخاصة، مع انتعاش الزراعة والخدمات والسياحة.

أما على مستوى الصحة، فتحظى رواندا بإشادة دولية نظرا للتحسن الكبير الذي حصل بها، إذ انخفض مستوى وفيات الأطفال من 2030 طفل عام 1998، إلى 55 طفل فقط عام 2012، وانخفض معدل وفيات الرضع من 120 رضيع لكل ألف رضيع عام 1998، ليصبح 31,1 رضيع فقط عام 2015. هذا وتنفق رواندا %27 من ميزانيتها العامة على الصحة.

على صعيد التعليم، بلغ عدد الملتحقين بالمدارس الابتدائية %93 سنة 2013، بعدما كانت النسبة لا تتعدى 50% خلال التسعينات، كما يتفوق عدد النساء العاملات في مجال التدريس على الرجال.

لكن ما صار يميز رواندا اليوم ويثير إعجاب السياح بها، هو نظافة شوارعها وجمالها، خصوصًا في العاصمة كيغالي، بشكل يضاهي شوارع العواصم الأوروبية. ولذلك صنفت الأمم المتحدة المدينة كأجمل مدن إفريقيا سنة 2015. وتمنع رواندا استخدام الأكياس البلاستيكية منذ 2006.

على جانب آخر، تحرص رواندا على إحياء ذكرى مأساة الإبادة في كل عام، وترعى المتاحف التي تؤرخ لتلك الفترة المظلمة في تاريخ رواندا، وتنظم الملتقيات الثقافية لتصالح أطياف المجتمع الواحد.

وفي ظل تجربة رواندا الفريدة من نوعها، يتساءل البعض هل يمكن أن تستفيد الدول العربية، التي تغرق الآن في الحروب الأهلية، من دروس رواندا؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد