يعيشون جنبًا إلى جنب مع قاتليهم، يواجهون تهديدات مستمرة إذا اعترف أحدهم على متهم جديد في عمليات الاضطهاد والقتل المنظم، التي انتهجتها بعض الحكومات كحل نهائي للتخلص من طوائف متمردة أو غير مرحب بها دينيًّا وسياسيًّا, جريمة لا تموت بل هي نائمة بانتظار من يوقظها, يحيي ذكراها المواطنون كما أحيا الروانديون بكنيسة العائلة المقدسة الذكرى العشرين لذويهم، الذين قتلوا وهم يصلون أو يعملون بالكنسية، في أحداث غريبة جعلت من الزوج قاتلاً لزوجته, تلك الأحداث التي فتحت مجالاً ينتظر نظمًا أكثر ديكتاتورية لمواجهة أي إدانة دولية.

رواندا

“آلاف الروانديين يحيون الذكرى العشرين لقتل ذويهم بالشموع”

خلع بدلة عمله واستبدلها بسترة عسكرية, خرج “أكايسو” لشوارع المدينة الهادئة عقب اجتماع رؤساء البلديات يحث السكان على الاشتراك في العنف وأعمال القتل واللحاق بالمليشيات التي دارت تذبح المواطنين داخل الكنائس والمناجم, 100 يوم شرد على إثرها 6 ملايين شخص، وقتل أكثر من 800 ألف بالمناجم عام 1994, حيث اندلع التوتر العرقي بعد استهداف طائرة كان يستقلها الرئيس الرواندي ونظيره البورندي وقتلا الاثنان, أقلية التوتسي ظلت مستهدفة من المتطرفين من جماعة الهوتو التي تمثل الأغلبية, سحبت الأمم المتحدة قواتها وسط أحداث العنف ووجهت اتهامات للمجتمع الدولي بعد ذلك.

120 ألف شخص مشتبه بهم، و70 قضية دولية، وأكثر من مليون قضية داخل رواندا في سبتمبر 1998، لتصدر المحكمة الدولية لرواندا أول إدانة على مستوى العالم لجريمة “إبادة جماعية” دون مفهوم قانوني لهذا المصطلح, يتهم فيها جون باول أكايسو عمدة بلدة تابا الرواندية؛ لارتكابه جرائم ضد الإنسانية وإشرافه عليها.

مذبحة الأرمن

“صور ضحايا مذبحة الأرمن في مراسم إحياء ذكراهم 2013”

مئة عام مرت على مذبحة الأرمن لجريمة لا تسقط بالتقادم, انتهجت الدولة العثمانية بالتعاون مع عشائر كردية سبيلاً للقضاء على الأرمن, فقرابة مليون ونصف شاب أرمني اقتادتهم الدولة جميعًا للخدمة العسكرية، ثم جردتهم من أسلحتهم وأرسلتهم للسجون للعمل الإجباري؛ فمنهم من مات من مرضه وقسوة العمل ومنهم من قتلوه عمدًا.

لم تكن هي الجريمة الأولى بحق الأرمن، فقبلها الحميدية وأضنة، لكن هذه قد خلفت مليوني أرمني ومثلهم من الآشوريين والسريان ما بين عامي 1915 و 1918، وأخذت خلالهما الدولة العثمانية قراراتها بالإبادة الشاملة ضد الطوائف المسيحية؛ فأعدمت المئات من رموز الجماعة الأرمنية في ساحات إسطنبول، ثم أمر جميع الأرمن بترك ممتلكاتهم والانضمام لقوافل تكونت من مئات الآلاف من النساء والأطفال متجهة إلى الصحراء في حملة لتهجيرهم، ومات منهم حوالي 75%، وترك الباقون في صحاري الشام.

الأنفال

“أولى جلسات محاكمة صدام حسين وأعوانه في قضية الأنفال 2003”

بالأسلحة الكيماوية قصف النظام العراقي السابق مدينة “حلبجة” الكردية على الحدود بين العراق وإيران؛ لتخلف أكثر من خمسة آلاف قتيل، تبعها بعمليات الأنفال والتي راح ضحيتها 182 ألف شخص، وخلفت دمارًا لحق بكل المدن الكردية, ربما كانت آخر المذابح التي ارتكبها صدام حسين بحق الأكراد, فقد سبقها بحملة إعدام واسعة في بغداد عام 1979، ثم أتبعها بالقتل الجماعي ضد قبيلة البارزانيين، والتي ينتمي لها مسعود بارزاني رئيس إقليم كردستان، وهي المرة التي أباد فيها أكثر من 8 آلاف مواطن عام 1983, ثم قصف مدينة أربيل بالسلاح الكيماوي زاهقًا أرواح الآلاف.

كمبوديا

“امرأة كمبودية تبكي أمام  صور الأطفال من ضحايا كمبوديا بمتحف تول سلينج”

بدلاً من اللوحات الفنية اعتلت الجماجم أرفف المتاحف بكمبوديا في جريمة أقرب للبطش السياسي، قادها بول بوت فور استيلائه على السلطة عام 1975, فقرر إخلاء المدن وتهجير أهلها في مسيرات إجبارية للعمل في المشروعات الزراعية, وفي حينها استغنى عن الأدوية مما أدى لموت مئات الآلاف نتيجة الجوع وانتشار الأمراض وقصفهم المستمر, ويقدر ضحايا تلك الإبادة فيما بين مليون إلى 3 ملايين شخص, وفي عام 1978 اجتاحت فيتنام كمبوديا لوقف الجرائم ضد الفيتناميين ليستمر القتال بينهم 11 سنة حتى توقيع اتفاقية سلام.

 صوماليلاند

“قوات الأمم المتحدة بالصومال تسعى لإحلال السلام عام 1992”

يسعى أقرباؤهم للبحث عنهم ودفنهم على الشريعة الإسلامية فرحين بلجان تقصي الحقائق لتكشف للعالم فظاعة ما رأوه بأعينهم. في شمال الصومال ما بين 1980 إلى 1988 كان قصف الرئيس الصومالي محمد سياد بري للمتمردين بالأحياء السكنية عملاً روتينيًّا, إنه قتل ممنهج وانتهاك لأعراض وتعذيب وإعدام خلف خمسين ألف قتيلاً, وقد كشفت السيول والأنهار عن عشرات الجماجم لأشخاص قتلوا مكبلين في هرجيسا، حتى تم تحرير الشمال على يد حركة التحرير الوطنية وإعلان دولة صوماليلاند الغير معترف بها دوليًّا حتى الآن، لكنها أكثر استقرارًا من الصومال.

هولودمور

“الأوكرانيون يضعون سنابل القمح حول النصب التذكاري لضحايا المجاعة 2013”

ضرب الجوع أرجاء أوكرانيا سلة أوروبا للخبز، وقضى على 3 ملايين ونصف في فترة حكم ستالين الذي سعى لإنشاء مزارع تعاونية قسرًا، وأخذ الحبوب الغذائية من الفلاحين بأسعار منخفضة ليقاوم الفلاحون السياسات الشمولية ويرفضون البيع، مشكلين وعيًا وطنيًّا ضد النظام, فحدثت مجاعة بين عامي 1932 و1933؛ حيث استخدمت الحكومة أساليبها في جمع الحبوب بسحبها إجباريًّا من الفلاحين ومصادرة جميع المخازن، ثم إعلان حالة الطوارئ وإجراء التدابير القسرية في القرى، كحظر السلع ومنع التجارة, وهنا أصدر ستالين قرارًا بمنع الفلاحين من الهروب لدول الاتحاد السوفيتي، وإجازة توجيه الإدانة للأطفال الذين التقطوا سنابل القمح في الحقول، وإعدام كل من قاوم أعمال السلطة في مصادرة المواد الغذائية.

مجزرة حماة

 

“السوريون يحطمون تمثال حافظ الأسد 2012”

قادها العقيد رفعت الأسد شقيق الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، ضد الإخوان المسلمين عام 1982؛ لمهاجمتهم النظام في مجزرة استمرت 27 يومًا؛ حيث طوق النظام السوري عشرات الآلاف من سكان حماة، وقطع طرق المواصلات عليهم، ثم قصفهم بالمدفعية، واجتاح البلدة عسكريًّا في عملية كاملة الصلاحيات سقط خلالها أكثر من 40 ألف قتيل وفق تقديرات اللجنة السورية لحقوق الإنسان، وإعدام 625 ممن لهم صلة بالجماعة والمتعاطفين, ومن ثم مكافأة كل من شارك في أعمال القمع ليصبح رفعت الأسد نائبًا لرئيس الجمهورية لشؤون الأمن القومي، ومن ثم خمدت الاحتجاجات الشعبية بسوريا تمامًا حتى عام 2011 واندلاع الثورة.

 

المصادر

تحميل المزيد