رغم الحديث المستمر عن حقوق الإنسان والمساواة، نفاجأ كل يوم أن هذه المسميات ما هي إلا شعارات نظرية. ربما يكون هذا واضحًا في مجال الحروب والسياسة والقوى العسكرية، لكن ما لم يكن معروفًا هو أن الأمر يتكرر حتى في مجال الدراسات الطبية، التي تنحاز تجاه العرق الأبيض كونه العرق الأكثر قوة حاليًا.

هل في الأمر مبالغة؟ حسنًا، إذا اشتبه طبيبك في أنك قد تكون مصابًا بالنوع الثاني من مرض السكري، فسيرغب غالبًا في معرفة متوسط مستوى السكر في الدم لديك خلال عدة أشهر ماضية أو ما يطلق عليه عادةً «فحص السكر التراكمي». وتوصي منظمة الصحة العالمية بإجراء اختبار الهيموجلوبين السكري للتشخيص وهو فحص يستخدم إلى حد كبير في كل مكان حول العالم، لكن اكتُشف في عام 2019، أن هذا الاختبار – الموصي به عالميًا – قد لا ينجح مع الجميع!

فقد وجد أحد العلماء أن متغيرًا جينيًا موجودًا فيما يقرب من ربع الأشخاص من أصل أفريقي بجنوب الصحراء، يتسبب في تغيير مستويات الهيموجلوبين السكري في دمهم بشكل مستقل عن السكري، ما يعني أنهم سيكونون أكثر عرضة للتشخيص الخاطئ بمرض السكري عند إجراء فحص السكر التراكمي.

لماذا حدث هذا؟ ببساطة لأن هناك الكثير من المظالم الطبية ناتجة عن حقيقة أن الغالبية العظمى من الأشخاص الذين خضع تسلسلهم الجيني للدراسة والتقييم هم من أصل أوروبي أو من ذوي العرق الأبيض. وبالتالي، أصبح العرق الأبيض هو المعيار في التشخيص والعلاج!

التنوع الجيني.. والمظلومون حول العالم

كان ديبتي جورداساني، عالم الوراثة في جامعة كوين ماري بلندن، وأول من اكتشف عام 2019 ذلك الاختلاف المتعلق بتشخيص مرض السكري، والذي يعد الأحدث في قائمة الاختلافات التشخيصية والعلاجية الناجمة عن نقص تمثيل الأعراق الأخرى في الدراسات الجينية والطبية عمومًا، هو أحد الأشخاص القلائل الذين التفتوا واهتموا بهذا الاختلاف.

Embed from Getty Images

وتعني قلة التنوع في هذه الدراسات أن الأشخاص في الفئات السكانية المُهمَلة هم أكثر عرضة للحصول على نتائج غير دقيقة في الاختبارات التي تنظر في المخاطر المتعلقة بتطوير حالة مرضية مرتبطة بوجود أو اختفاء أو تغيرات في جينات معينة، مما يستبعدهم من الوعود التي يتباهى بها كبار العلماء والمرتبطة بالطب الشخصي.

والطب الشخصي أو الطب الدقيق هو نموذج طبي يُفَصّل الناس إلى مجموعات مختلفة ترتبط بالقرارات والممارسات والتدخلات والمنتجات الطبية المصممة خصيصًا للمريض، استنادًا إلى الاستجابة المتوقعة أو خطر الإصابة بالمرض.

ويعتمد أسلوب الطب الشخصي على أنه لكل شخص خصائص وراثية مميزة ذات تأثير مباشر وواضح في صحته، فيعتمد على فك الشفرة الوراثية الخاصة بالمريض وتحديد موضع الطفرات ثم توفير علاج مناسب يتوافق مع المحتوى الجيني للمريض.

كل هذا يفسر سبب قيام باحثين مثل جورداساني، بفك تسلسل الحمض النووي لآلاف الأشخاص من المجموعات السكانية غير الممثلة حول العالم، الأمر الذي لا يتعلق فقط بالعدالة، بل يمكن أن تكشف زيادة تنوع الدراسات الجينية عن متغيرات جينية جديدة مرتبطة بالمرض، مما يوفر أهدافًا للعلاجات التي كانت ستظل غير مكتشفة.

الطب الوراثي.. من هنا البداية

يشير بعض علماء الأنثروبولوجيا والجينات، أن هناك كنزًا دفينًا من التنوع الجيني البشري يمكن أن يؤدي إلى فهم جديد لبيولوجيا الإنسان. يكمن التحدي في هذا الموضوع في فكرة أن علماء الوراثة لا يستغلون بالفعل الأشخاص الآخرين خلال عملهم من أجل تسخير هذا التنوع بصورة أفضل.

ظهر مفهوم الطب الوراثي مع مشروع الجينوم البشري عام 2003، الذي قدم لنا المخطط الجيني الكامل للإنسان لأول مرة. من هنا ظهرت مشاريع أخرى أدت إلى تحسين فهمنا للحمض النووي البشري. والآن، يمكننا فحص عشرات الآلاف من سلاسل الجينوم البشري الكاملة، ومقارنتها بالتفصيل لعمل روابط بين المتغيرات الجينية (الأجزاء الصغيرة من الجينوم التي تختلف بين الأفراد) والمرض.

Embed from Getty Images

حددت لنا نوعية من الدراسات يطلق عليها «دراسات الارتباط على مستوى الجينوم» (GWAS) المتغيرات الجينية وراء جميع أنواع الحالات المرضية، مما تسبب في تطوير علاجات جديدة للعديد من هذه الأمراض، بما في ذلك التهاب المفاصل الروماتويدي ومرض التهاب الأمعاء. هذه الدراسات تدعم أيضًا إمكانية إجراء الاختبارات الجينية في الطب، للتنبؤ بالحالات المرضية التي يكون الشخص عرضة لها واقتراح العلاجات الوقائية لها.

الأعراق الأوروبية هي المستفيد الأكبر

وكما ذكرنا في المثال السابق، فإن الأشخاص الذين ينحدرون من أصول أوروبية هم المستفيدون بشكل أساسي من كل هذه الدراسات الجينية، لأنهم – ببساطة – يشكلون الغالبية العظمى من أولئك الذين قام العلماء بفك تسلسلهم الجيني. وفقًا لتحليل سابق، فإن 78% من الأفراد المشمولين بالدراسات الجينية للأمراض حتى عام 2018 كانوا من أصل أوروبي، و10% لديهم خلفيات آسيوية و2% فقط كانوا من أصل أفريقي.

هذا يعني أن جمعيات الأمراض الجينية القائمة على هذه الدراسات من غير المرجح أن تلتقط التنوع الكامل للسكان البشريين. لو افترضنا أن سكان أوروبا بأكملهم من العرق الأبيض فسيكون لدينا 741 مليون نسمة، أضف لهم قرابة 245 مليون أمريكي من العرق الأبيض، و38 مليونًا بكندا، وحوالي 25 مليونًا بأستراليا، فإن المجموع سيكون مليارًا و49 مليون نسمة. هذا يمثل حوالي 14% فقط من إجمالي سكان العالم.

لاحظ أن سكان أفريقيا فقط يبلغون مليارًا و216 مليون نسمة، لا يمثلهم سوى 2% في الدراسات (دون إضافة السكان من أصول أفريقية في الولايات المتحدة وأوروبا). كذلك، يبلغ سكان آسيا 4 مليارات و466 مليون نسمة (أكثر من 55% من سكان العالم) لا يمثلهم سوى 10% في هذه الدراسات.

خلص الباحثون هنا إلى أن الافتقار إلى التنوع العرقي في دراسات الجينوم البشري يعني أن قدرتنا على ترجمة الأبحاث الجينية إلى ممارسة إكلينيكية أو سياسات للصحة العامة قد تكون غير مكتملة بشكل خطير، أو الأسوأ من ذلك، أنها خاطئة.

ليس مرض السكري فحسب.. تشخيصات أخرى منحازة

إن اكتشاف أن اختبار الهيموجلوبين السكري ليس عالميًا (لا ينطبق على كل البشر) يظهر أن نقص التنوع يؤثر بالفعل في حياة الناس. تظهر مشكلة مماثلة مع التليف الكيسي، والذي غالبًا ما لا يتم تشخيصه في الأشخاص المنحدرين من أصل أفريقي. لماذا؟ لأن الاختبارات غالبًا ما تبحث طفرات معروفة مرتبطة بهذا المرض داخل جين يسمى «CFTR». إحدى هذه الطفرات موجودة في 70% من الأشخاص المنحدرين من العرق الأبيض أو أصل أوروبي والمصابين بهذه الحالة المرضية.

لكن في الأشخاص ذوي الأصول الأفريقية، تمثل هذه الطفرة 29% فقط من الأشخاص الذين يصابون بالتليف الكيسي. في هؤلاء الأشخاص، غالبًا ما يكون السبب في النسبة المتبقية (وهي النسبة الأكبر) واحدًا من عدد من الطفرات الأخرى في نفس الجين. وبالطبع، لا تكتشف هذه الطفرات لأن معظم الدراسات التي أجريت لتحديد الطفرات في جين «CFTR» أجريت في مجموعات من أصل أوروبي.

في حين أن توقع خطر إصابة الشخص بحالة ما بناءً على تسلسل الجينوم الخاص به يظل علمًا ناقصًا، إلا أن هذا العلم أيضًا يعمل بشكل أقل جودة في الأشخاص من أصل غير أوروبي.

في عام 2020، وجد فريق بحثي أن دقة مثل هذا التنبؤ بالمرض تكون أقل بنحو الضعف في السكان من أصل آسيوي مقارنةً بمن هم من أصول أوروبية، وخمسة أضعاف تقريبًا في السكان المنحدرين من أصل أفريقي. توصلت أبحاث أخرى إلى أن الاختبارات الجينية أيضًا تبالغ في تقدير مخاطر الإصابة بالفصام لدى الأشخاص المنحدرين من أصل أفريقي.

العلاج.. تحيز طبي آخر لصالح العرق الأبيض

الأمثلة السابقة كانت ترتبط بالتشخيص. لكن هناك تحيزات مماثلة ترتبط بفعالية الأدوية. على سبيل المثال، عقار سرطان الثدي «تاموكسيفين». وجد العلماء أن طريقة معالجة أجسامنا لبعض الأدوية مثل «تاموكسيفين» تتأثر بشدة بجين يسمى «CYP2D6». ووجدوا أيضًا أن هناك أكثر من 100 نسخة مختلفة من هذا الجين، وكلها تتواجد بنطاقات مختلفة في المجموعات السكانية المختلفة.

أظهرت دراسات مختلفة أن الأشخاص من أصل آسيوي أو أفريقي هم أكثر عرضة من الأشخاص المنحدرين من أصل أوروبي فيما يتعلق بامتلاكهم نسخة من الجين تتسبب في تفاعل الجسم مع عقار «تاموكسيفين» بصورة أقل، وهو ما يعني أن هؤلاء قد يستفيدون من العقار بشكل أقل.

قضايا ضد التحيز العرقي الطبي

وبالطبع، لم يقف بعض الناس مكتوفي الأيدي وسط هذا التحيز الواضح. فبدأ الطعن في مثل هذه الأنواع من التفاوتات الجينية في المحاكم. في عام 2014، أصبح عقار «كلوبيدوغريل» المضاد لتخثر الدم، والذي يُباع تحت الاسم التجاري «بلافيكس» وهو عقار هام للمرضى بعد إجرائهم عمليات في القلب، موضوعًا لدعوى قضائية.

فقد أشارت الدراسات إلى أن جينات الأشخاص المنحدرين من شرق آسيا أو جزر المحيط الهادئ تؤدي إلى ضعف التمثيل الغذائي لهذا العقار، مما يحتمل أن يؤدي إلى آثار سلبية. وقد رفعت ولاية هاواي الأمريكية دعوى قضائية ضد مصنعي «بلافيكس» وغيرهم، بسبب تسويقهم للعقار في الولاية، مدعيةً أن الشركات فشلت في تحذير المستهلكين بشكل صحيح بشأن المخاطر المحتملة للعقار. وقد رفعت الشركة المصنعة دعوى مضادة لكنها رفضت.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
الوجه الخفي للطب الأمريكي.. تاريخ طويل من استعباد واستغلال السود

في المقابل، هناك العديد من الجهود واسعة النطاق لسد فجوة فك التسلسل الجيني لمزيد من الناس من خلفيات ذات تمثيل أقل في الدراسات. قام مشروع «GenomeAsia 100K» بتسلسل الجينوم لما يقرب من 2000 شخص من 64 دولة عبر آسيا حتى الآن. وهناك مبادرة «H3Africa» من 51 مشروعًا في جميع أنحاء القارة الأفريقية ترتبط بالدراسات الجينية السكانية للأمراض.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد