يعني علم الجغرافيا السياسية في الأساس بمدى التأثير الذي تلعبة الجغرافيا وعلم المكان على سياسات الدول ومن ضمنها السياسة الخارجية ومنها على سبيل المثال إسرائيل، التي شهدت ثلاث مراحل تاريخية منذ تأسيسها اثنتان منها في العصور القديمة والثالثة في العصر الحديث، وفيما يلي عرض لمحاور ومبادئ السياسة الخارجية لإسرائيل على مدار ثلاثة آلاف عام في إطار السياسة الجغرافية.

ضمنيًّا سوف نستخدم مصطلح “إسرائيل” للتعبير عن ثلاث كيانات لدولة إسرائيل، بدأت الاولي منها مع غزو يشوع خلال القرن السادس قبل الميلاد والثانية مع مطلع عام 540 قبل الميلاد على يد الفرس، وقد شهدت تلك الحقبة تضاؤل الدور الإسرائيلي في السياسة الدولية, أما المرحلة الثالثة فجاءت مع مطلع عام 1948م في ذات الوقت الذي شهد سقوط الإمبراطورية البريطانية.

ولدراسة الجغرافيا السياسية لإسرائيل, يتوجب علينا الأخذ في الاعتبار ثلاث معايير أساسية يتمثل المعيار الأول في الجغرافيا السياسية الداخلية لإسرائيل, ويختص كل من المعيار الثاني والثالث بعلاقة إسرائيل بكل من دول الجوار وما سوف نطلق علية مصطلح “القوى العظمي”.

جغرافيا إسرائيل وحدودها

بداية تجدر الإشارة إلى أن جغرافيا إسرائيل التي امتدت في عهد الملك داوود من سيناء وحتى نهر الفرات قد شهدت تغيرًا عبر العصور المختلفة هذا في الوقت الذي لم تشمل فيه حدود إسرائيل يومًا ما شبه جزيرة سيناء أو شبه الجزيرة العربية.

وتتكون الجغرافيا الإسرائيلية من ثلاثة أجزاء تشمل الأولى منها إقليم الهضبة الشمالية, والثانية تتمثل في المنطقة الساحلية التي تمتد من تل أبيب شمالاً وحتى حيفا, والثالثة تمتد من القدس وحتى نهر الأردن، ويمكن القول بأن إسرائيل تتمتع بحماية طبيعية من هذه الجهات الثلاث سواء من جهة شبه جزيرة سيناء التي تكفل الحماية لإسرائيل من ناحية الدولة المصرية وهو ما يتشابه في الجنوب ناحية جبال العقبة وإيلات, وفي الشرق تمتد الصحراء بطول ثلاثين ميلاً وحتى شرق نهر الأردن.

وبالرغم من أن إسرائيل تواجه عقبة فيما يتعلق بعمقها الإستراتيجي, تظل احتمالات التهديد حيال أية هجمات من دول الجوار محدودة شيئًا ما، وحتى حال تعرض إسرائيل لهجمات من اتجاهات مختلفة في نفس الوقت فإنها تمتلك ميزة القدرات القتالية على صعيد الخطوط الداخلية مع الأخذ في الاعتبار أيضًا حجم القوات المنتشرة لدول الجوار ومدى نجاح التنسيق بينها مما يدحض احتمالية حدوث هجوم شمالي جنوبي مشترك ضد إسرائيل.

الجغرافيا الإسرائيلية كنقطة التقاء في نصف الكرة الشرقية

وبناء عليه لم يكن مستهجنًا أن يمتد أول ظهور لإسرائيل لأمد من الزمن تجاوز خمسة قرون, إلا أن هزيمة إسرائيل على يد الآشوريين والبابليين تظل مثارًا للتساؤل يلزمنا للإجابة عليه أن ننظر بنظرة أوسع للجغرافيا الخاصة بإسرائيل.

بداية يمكننا القول بأنه بالرغم من أن إسرائيل تمتلك موانئ عدة ما يمكنها من الحصول على الأخشاب لصناعة السفن باعتبارها تقع على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط, إلا أنها لم تكن يومًا أحد القوى البحرية في بلاد الشام الذي لطالما مثل مع إسرائيل حجر الزاوية للقوى العظمى إذ لا يمكن لأي إمبراطورية على ساحل البحر المتوسط سواء كانت الروم أو قرطاج أن تحكم سيطرتها على الضفتين الشرقية والغربية دون أن تثبت جناحها الشرقي على الشام, ما يمكننا من التأكيد على مدى ما مثلته الحدود الشرقية والشمالية والجنوبية لإسرائيل بالنسبة للإمبراطوريات الناشئة في بلاد الشام وهو ما يفضي إلى حقيقة مفاداها أن إسرائيل تمثل ما نطلق علية نقطة الالتقاء في نصف الكرة الشرقية الذي يجب أن يحظى بالاهتمام سواء من القوى الأوروبية أو الشرقية على حد سواء.

الجغرافيا السياسية الداخلية

تنقسم إسرائيل إلى ثلاثة مناطق جغرافية أنتجت أنماطًا مختلفة من المجتمعات والموروثات الثقافية فيما يتعلق بالديمغرافيا السكانية, فهناك السهل الساحلي؛ حيث يقبع أصحاب التجارة والمصانع الذين وإن كانوا أغنياء على المستوى المادي إلا أنهم ليسو أهل حرب, بخلاف رعاة الأغنام الذين يتمركزون في الصحراء القاحلة في الجزء الجنوبي من القدس التي تعتبر حلقة الوصل ورمانة الميزان بين المناطق الثلاث إن جاز التعبير, وهناك المحاربون والفلاحون في إقليم الهضبة الشمالية بالقرب من نهر الليطاني.

وبالرغم من أن الاختلافات والانقسامات المجتمعية قد لا تتبع الخطوط والمسارات الجغرافية في إسرائيل, إلا أنها ومع الوقت تطفو على السطح, ولعل توتر العلاقات المتأصل بين سكان المنطقة الساحلية الذين يمارسون النشاط التجاري وينعمون في ظل حياة اقتصادية ومادية مرتفعة والجليليين الذين يحيون حياة صلبة يمكن أن يدلل على مثل هذه الإشكالية.

يبقى أيضًا أن نشير إلى معيار الدبلوماسية, فدول الجوار التي تحيط بإسرائيل هي مصر وسوريا والأردن وتختلف تلك الدول فيما بينها فيما يتعلق باهتماماتها وتطلعاتها, فمن جانب تحظى الحدود الغربية والشمالية باهتمام مصري أكثر مما تحصل عليه سيناء, ومن جانب آخر تشعر سوريا بالتهديد من اتجاهات عدة مما يدفعها إلى التحالف مع مصر, ومع افتراض أسوأ الظروف تظل كل من مصر وسوريا عاجزتان عن دعم بعضهما البعض في حين تسعى إسرائيل إلى تسوية سياسية مع الجانب المصري في مسعى منها نحو تأمين حدودها الغربية والجنوبية.

إسرائيل والقوى العظمى

يكمن دائمً السر وراء أي احتلال لإسرائيل خلف الأطماع الاستعمارية للإمبراطوريات التي لا تكون في الغالب متاخمة لإسرائيل جغرافيًّا، فنادرًا ما تعرضت إسرائيل للتهديدات من دول الجوار التي لا تمثل مشكلة في مقاومتها من جانب إسرائيل بخلاف القوى البعيدة التي تحكمت سياسيًّا وعسكريًّا في إسرائيل مثل البابليين والبريطانيين والأتراك والمقدونيين والفرس والروم أيضًا.

وعليه تواجه إسرائيل إشكالية فيما يتعلق بمصالحها التي تستطيع فقط الدفاع عنها فقط ضد أطماع دول الجوار غير أن موقعها الجغرافي كثيرًا ما جذب انتباه وتطلعات القوى العظمى غير المتاخمة لإسرائيل جغرافيًّا, ومع الوقت الذي يجب أن تركز فية إسرائيل على مصالحها العسكرية المباشرة يتوجب عليها دبلوماسيًّا أن تنظر إلى ما هو أبعد من ذلك، فإسرائيل تعيش في ظل ثلاثة ظروف مختلفة, يتمثل الأول منها في إمكانية أن تظل دولة مستقلة وهو ما يمكن أن نطلق عليه نموذج داوود, ويتمثل الثاني في أن تحيا إسرائيل في ظل إمبراطورية وهو ما قد تتمتع من خلاله باستقلالية في السياسة الداخلية غير أنها تظل تابعة فيما يتعلق بسياساتها الخارجية وهو ما يمكن أن نطلق عليه النموذج الفارسي, ويأتي النموذج الثالث الذي نطلق علية النموذج البابليوني الذي تفتقد فيه إسرائيل حتى إلى الحكم الذاتي مع الطرد القسري والتهجير.

ويمكننا القول أن كلاً من النموذج الفارسي والنموذج البابليوني قد سيطرا على معظم المراحل التي مرت بها إسرائيل وقد يُعزى ذلك إلى العامل الجغرافي إذ تظل إسرائيل مطمعًا للقوى العظمي الخارجية نظرًا لموقعها الإستراتيجي ومع عجز إمكانياتها العسكرية والاقتصادية تجاه التهديدات الخارجية يتكشف لنا بوضوح أن النموذج الذي يطلق عليه نموذج داوود لم يتكرر كثيرًا على صعيد دولة إسرائيل.

الجغرافيا السياسية لإسرائيل المعاصرة

ظهرت إسرائيل على الساحة السياسية في العصر الحديث كنتاج للصراع المتبادل بين القوى الإقليمية العظمى المتمثلة في كل من الإمبراطورية العثمانية من جهة والإمبراطورية البريطانية من جهة أخرى، فمن جانب نجد أن الإمبراطورية العثمانية أرادت السيطرة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط في الوقت الذي كانت تسيطر فيه على الساحل الجنوبي والشمالي أيضًا بتوجيه ضربات نحو البلقان في أواسط أوروبا ونحو مصر في الشرق مما توجب معه حتمية تأمين بلاد الشام، ومن جانب آخر نجد سعي الإمبراطورية البريطانية هي الأخرى للسيطرة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط أيضًا باعتباره الممر البحري الرئيسي للهند – درة التاج البريطاني – غير أن بريطانيا وجدت نفسها عاجزة عن كسر شوكة الإمبراطورية العثمانية بالقوة العسكرية المباشرة مما جعلها تلجأ إلى عقد تحالفات مع القبائل البدوية في شبة الجزيرة العربية وتشجيع اليهود على إعادة إنشاء دولة إسرائيل.

نجحت إستراتيجية الإمبراطورية البريطانية شيئًا فشيئًا خاصة مع التعاون الفرنسي آنذاك ما أسفر عن تقسيم الشام إلى قسمين حصلت فرنسا على الجانب الشمالي المتمثل في سوريا ولبنان, بينما فرضت بريطانيا سيطرتها على الجزء الجنوبي المتمثل في فلسطين وهو ما تبعه توطين الهاشميين في الضفة الشرقية لنهر الأردن، وبقيت فلسطين وطنًا ملائمًا يتوافق مع رغبة اليهود في إنشاء دولتهم “إسرائيل”.

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية, تأثرت الامبراطورية البريطانية على الصعيدين الاقتصادى والسياسي، وظهرت عاجزة عن إعادة إحياء أمجادها كما كان في السابق وبالطبع كانت فلسطين جزءًا من تلك الإمبراطورية، ويضاف إلى ذلك ظهور كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي كقوتين جديدتين على الساحة السياسية الدولية وتنامت لديهما أطماع نحو الشرق ورأي كل منهما في إعادة إنشاء الدولة الإسرائيلية مقدمة جيدة للحصول على مكاسب في الشرق.

وبالرغم من أن تصرفات حكومة بن جوريون في إسرائيل قد أثارت حفيظة الدول المجاورة عام 1948 إلا أن ثمة ما يقال من أن هذه التهديدات التي تزامنت في نفس التوقيت لم تفلح في إفشال قيام دولة إسرائيل فقد عجزت القوى العربية المتمثلة في لبنان وسوريا ومصر والأردن في هزيمة إسرائيل في حرب 1948، ويُعزى ذلك – في جانب كبير منه – إلى نجاح إسرائيل في نشر وإعادة نشر قواتها العسكرية على صعيد الخطوط الداخلية مما كان له أبلغ الأثر في إعطاء قبلة الحياة للدولة الناشئة.

غير أن إشكالية التسليح العسكري ظلت مشكلة تؤرق إسرائيل منذ تأسيسها وحتى اتفاقية كامب ديفيد مع مصر مما دفعها إلى محاولة إيجاد حليف من القوى العظمي يسد عنها رمق القوة العسكرية ويسد احتياجاتها في المجال العسكري، وقد مثّل الاتحاد السوفييتي أول حليف عسكري لإسرائيل عبر تشيكوسلوفاكيا التي مدت إسرائيل بصفقات السلاح قبل وبعد حرب 1948 على أمل أن تكون إسرائيل بوابة الاتحاد السوفييتي للساحل الشرقي للبحر المتوسط, غير أن إسرائيل لم تكن حليفًا جديًّا للولايات المتحدة على الصعيد العسكرى حتى بعد حرب يونيو 1967 مع الرغبة الحثيثة للولايات المتحدة لكبح جماح الاتحاد السوفييتي في شرق المتوسط.

لم تكن إسرائيل يومًا ما عرضة للتهديدات من دول الجوار وهو ما تفرضه الجغرافيا الخاصة بها، غير أن احتمالية التهديد التي تواجهها تكمن في رغبة إحدى القوى العظمي في السيطرة على حوض البحر المتوسط أو احتلال المنطقة التي تمتد من أفغانستان وحتى البحر المتوسط وهو ما يندرج تحت حكم المستحيل منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، غير أن خمسة عشر عامًا لا تكفي لطمأنة إسرائيل التي يتوجب عليها أن تقيس تاريخها بمعيار القرون وليس السنوات، بينما تكمن احتمالية الخطر الثانية التي تحيق بإسرائيل في التحالفات التي تعقدها القوى العظمى ضد الولايات المتحدة راعية إسرائيل وصاحبة السطوة عالميًّا في الوقت الحالي والتي تسعى من جانبها إلى تهديد مصالح تلك القوى هي الأخرى.

غير أن حالة الشد والجذب التي تشهدها الساحة الدولية قد تدفع الولايات المتحدة إلى فرض مطالب تعجيزية على إسرائيل في الوقت الذي تظل فيه إمكانية أن تتحالف القوى العظمى الأخرى مع سوريا أو حتى مع إسرائيل نفسها, كما أن الخلفية التاريخية لمنطقة الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط وما تمثله من عامل جذب للقوى العظمى قد تفضي إلى محاولات حثيثة من قبل تلك القوى لخلق إمبراطورية شرق أوسطية وهو ما قد يفضي بإسرائيل إلى النموذج البابليوني الذي أسلفنا ذكره.

إن حقيقة إسرائيل تكمن وراء كونها دولة صغيرة يتوجب عليها دائمًا أن تسعى لمنع التهديدات التي تحيق بها من قبل القوى العظمى عبر إنشاء نوع من التحالفات والمواءمات بنوع من المهارة والحرفية غير أن المهارة ليست معيارًا جغرافيًّا وهو ما مثل أزمة دائمة لدولة إسرائيل.

عرض التعليقات
تحميل المزيد