في هذا الوقت البعيد، في عام 1944، كانت أشد قضايا العنصرية الأمريكية قسوة معروضة على صفحات الجرائد، جريمة بحق طفل داكن اللون، أنهوا حياته على كرسي كهربائي، ولكن روحه ظلت خطوة واسعة في اتجاه التحرر والمساواة. جورج ستيني؛ الذي ربما ظل معروفًا بصورة طفل بريء في فيلم جسد مأساته.

جثتان على الطريق

كانت الكولو مدينة صغيرة بجنوب كارولينا وقتئذ، وبها مدارس منفصلة لذوي البشرة البيضاء والسمراء، وكانت تفصل بيوت الطرفين محطة قطارات السكك الحديدية. وكان يطلق على كنيسة جرين هيل «الكنيسة السوداء»، بينما كانت كنيسة كلارندون المعمداني على الجانب الآخر من قضبان القطارات تسمى «الكنيسة البيضاء». قلما كنت تجد تفاعلًا بين طرفي المدينة، حتى جاء هذا اليوم، 23 مارس (آذار) 1944، لترقد جثتا طفلتين بيضاوين في حفرة بخندق ضيق على جانب حي الأمريكيين الأفارقة في الكولو.

وجدت الجثتان على بعد بضعة دقائق من «الكنيسة السوداء» في حقل محروث مليء بقشور الذرة، في خندق ضحل ومبلل. حيث كانت الفتاتان تجمعان الزهور عندما تتبعهم القاتل وهاجمهم، وترك الجثتين على الجانب الأسود من المدينة. أقر الشهود بأن المرة الأخيرة التي ظهرت فيها الطفلتان كانتا تركبان الدراجات وسط المراعي في ريف الكولو، ومرتا أمام منزل الأفريقي ستيني، وتحدثتا إلى أطفاله؛ جورج وآيمي ستيني، ومنذ ذلك الوقت لم تعد الفتيات للمنزل. وبعد بحث الأهالي، وبينهم والد الطفل جورج ستيني، ظهرت الجثتان بجمجمتين متهشمتين، وقد تعرضتا للضرب والطعن بسلاح بدائي صلب غير حاد، واعتقد أنه مسمار تثبيت قضبان السكك الحديدية.

«جاكوبين»: إرث مالكوم إكس.. قصة نضال ضد العنصرية والرأسمالية معًا

الطفلة الأكبر بيتي ينيو بينيكر، وجدت مقتولة في خندق رطب – المصدر الجارديان

كان عُمر جورج ستيني وقتئذ 14 عامًا، ويعيش طفولته في كارولينا الجنوبية في رعاية والده الذي يعمل في ورشة بنفس الولاية. في الليل ذهبت الشرطة إلى منزل الطفل، ولم يكن والداه بالمنزل، واختبأت اخته الصغرى في حظيرة الدجاج خلف المنزل، وهي تكاد تموت من الخوف، وقامت الشرطة بتقييد جورج، على الرغم من عدم وجود أدلة مادية تربطه بالجريمة، واقتادوه بعيدًا.

في صباح اليوم التالي للحادث أفادت وكالات الأنباء على صفحات الجرائد المحلية باعتقال الطفل جورج جونيوس، بخطأ في الاسم اتفق عليه الجميع، وبيان باعترافه بجريمتي القتل والاعتداء الجنسي، وإطلاعه للشرطة على المكان الذي أخفى فيه أداة الجريمة المعدنية المدببة بطول 12 بوصة، -التي ثبت بعد ذلك اختلاف مواصفاتها عن الأداة التي أقر بها الطب الشرعي لأداة لها وجه مستدير مثل المطرقة-. كما أظهرت التقارير الطبية للجثتين أن الطفلتين لم تتعرضا للاعتداء الجنسي وأن أغشية البكارة سليمة.

مترجم: أسطورة «الأديان أساس العنف».. ماذا تعرف عن الملحدين المتطرفين؟

مجرم بلا محاكمة

منذ لحظة الاعتقال لم تر الأسرة ابنها خلال فترة احتجازه التي استمرت 81 يومًا، في سجن يبعد 80 كيلو مترًا عن مدينة الكولو، مسقط رأسه ومقر الجريمة. أيضًا لم تتمكن الأسرة من تعيين محام للدفاع عن ابنها، ليخضع جورج وحده للاستجواب والمحاكمة، فحتى ذلك الوقت لم يكن مسموحًا لذوي البشرة السمراء بالتدخل في إجراءات المحكمة؛ حتى أنه تم رفض شهادة خطية من القس فرانسيس باتسون قس «الكنيسة السوداء» والذي وجد جثتي الطفلتين وذكر في شهادته أنه لم يكن هناك الكثير من الدماء في الخندق الذي وجدهما فيه أو حوله، مما قد يوحي بأنهما ربما قتلوا في مكان آخر وتم نقلهما بعد ذلك.

بعد إلقاء القبض على الطفل جورج ستيني فقد والده عمله بالورشة على الفور، وفقد مقر سكنه الذي وفره صاحب العمل له ولأسرته، وأُجبر على ترك المدينة. أصاب الذعر بسبب ذلك أهل الجانب الآخر، الأمريكيين الأفارقة، وتوسلت كنيستهم للرأفة بستيني وأسرته نظرًا لصغر سن الطفل.

ولكن جاء الرد غليظًا ومعبرًا عن وجهة نظر الطرف الأبيض على لسان حاكم المدينة: «قد يكون مثيرًا لاهتمامك أن تعرف أن جورج ستيني قتل الفتاة الصغرى من أجل اغتصاب الفتاة الأكبر، ثم قتل الفتاة الأكبر واغتصب جثتها وتركها ليعود بعد 20 دقيقة ليحاول اغتصابها ثانية لكنه وجد جسدها شديد البرودة، وقد اعترف بكل هذا». ولم تدعم تقارير الفحص الطبي للجثتين وجهة النظر هذه.

صورة لجورج ستيني وهو رهن الاعتقال. من قسم المحفوظات لوكالة «الأسوشيتد برس» – المصدر «نيويورك تايمز»

تمت إدانة جورج ستيني في أقل من عشرة دقائق، خلال محاكمة اتخذت قرارها في جلسة واحدة ليوم واحد، من قبل هيئة محلفين جميعهم من أصحاب البشرة البيضاء، على جريمته في قتل بيتي ينيو بينيكر، وعمرها 11 عامًا، وماري إيما ثيمز، وعمرها سبع سنوات.

استغرق الأمر كله يومًا واحدًا فقط؛ تم فيه اختيار هيئة المحلفين، كان جميعهم من الجانب الأبيض، وحكمت هيئة المحلفين بثبوت الجرم على جورج ستيني، وعقابه بالإعدام على الكرسي الكهربائي، وحكم القاضي في نفس الجلسة برفض أي استئناف تتلقاه المحكمة لاحقًا، ووافق على ذلك المحامي الذي عينته المحكمة للدفاع عن جورج، وكان سياسيًا محليًا بارزًا، وانتهت هذه الجلسة بدون أي نسخة من محضر عن مجرياتها أو شهادات أو مرافعات تمت.

إن ستيني البالغ من العمر 14 عامًا وخمسة أشهر، أصغر شخص يموت على هذا الكرسي على الإطلاق. *صحيفة محلية صبيحة إعدام ستيني 1944

أُعدم جورج ستيني في كولومبيا، في الساعة السابعة والنصف مساء 16 يونيو (حزيران) 1944، أي بعد 83 يومًا فقط من لحظة العثور على جثتي الطفلتين. لم يتحمل جسد جورج الكهرباء عند إعدامه على الكرسي الكهربائي، وتم إعلان موته بعد أربع دقائق من أول موجة تيار كهربائي سرت به، فقد كان يزن 40 كيلوجرامًا، بطول 155 سنتيمترًا، ليبدو صغيرًا جدًا على الكرسي.

وذكر المنفذون أن أحزمة الكرسي الكهربائي لم تناسب جورج، وأن أغلال قدمه الموصلة بقطبي الكهرباء كانت كبيرة جدًا، كما أن القناع قد انفصل عن وجهه بمجرد توصيل الكهرباء وعندها ظهرت الدموع في عيني جورج.

مشهد الإعدام من فيلم جسد قصة جورج ستيني

البراءة.. محاكمة عادلة بعد 60 عامًا

بالنسبة للأمريكيين في جنوب كارولينا، فكان إعدام جورج مصدر راحة للبيض، وبمثابة تحقيق للعدالة، ولكن على الجانب الآخر كان سببًا في ترسيخ ظلال الإرهاب الذي يحدد علاقات القوة بين السود والبيض في المنطقة، خاصة مع الشك في مصداقية الحاكم ومنفذي القانون.

أخذا أخي بعيدًا ولم أر أمي تضحك مرة أخرى… أتمنى أن يبرأ اسمه. *آيمي ستيني للـ«ديلي ميل»

بالتأكيد لم تنس الأسرة أبدًا، وربما المدينة كلها هذه القضية التي تلاحق كل من عاصرها. فبعد إعدامه استمرت عائلة ستيني في الدفاع عن ابنها، والتأكيد على براءته، وصغر سنة على أن يقوم بجريمة مثل هذه، بخلاف الضغط الذي مارسه المسؤولون عن إنفاذ القانون.

ولكن عاد الاهتمام بالقضية في الأساس بعد نشر المؤرخ جورج فريرسون، وأحد الشهود، دراسته حول القضية واستعانته بشهادات هامة، وبعد أن بلغ باقي من حضر هذه الأحداث 80 عامًا، قادت الشقيقتان الباقيتان لجورج قضيته مرة ثانية إلى المحكمة، ووكلتا مات بيرجيس محامي العائلة للدفاع عن أخيهم المتوفى، وتم فتح ملف القضية بطلب قدمته الأختان عام 2009.

استغرق الحكم في المرة الثانية أربعة أضعاف ما استغرقه في المرة الأولى من الاعتقال وحتى كرسي الإعدام، وتقدم للمحكمة عدد من الشهود منهم رجلان أبيضان كانا قد ساعدا في البحث عن الطفلتين المقتولتين وزميل زنزانة لجورج ستيني، وشهدوا بأن ستيني بريء وأجبر على الاعتراف بجريمة لم يفعلها.

آيمي ستيني، إحدى شقيقات جورج، بعد إدلائها بشهادتها في المحكمة. المصدر نيويورك تايمز.

برأت محكمة جنوب كارولينا جورج ستيني يوم 23 يناير (كانون الثاني) 2014، بعد مرور 70 عامًا على إعدامه، بعدما أصبح أصغر من أعدمته الولايات المتحدة. وحكمت ببراءة جورج لأنه حُرم من الإجراءات القانونية، وكتبت القاضية كارمن مولن بمحضر القضية: «وجدنا انتهاكات أساسية للدستور في إجراءات محاكمة جورج ستيني عام 1944، وفشل من الادعاء في العديد من الطرق لحماية الحقوق الدستورية لجورج ستيني، مع هيئة محلفين جميعهم بيض ومن أقارب الطفلتين الضحيتين، مع محام عينته المحكمة للدفاع عن الصبي لكنه لم يدافع بشيء، وأن الاعترافات الواردة على لسان الطفل تمت قسرًا على الأرجح، وغير موثوق فيها بسبب فرق السلطة بين صبي أسود ومستجوبيه ومنفذي القانون من البيض في مدينة صغيرة معزولة؛ وبموجب ذلك يسقط الحكم».

جاء هذا الحكم من القاضية بالاعتماد على بند في القانون نادر الاستخدام، وهو تسكين قانوني وليس تصحيح، ولا يمكن استخدامه إلا عندما تستند الإدانة على خطأ حقيقي، أو يتم الحكم بها بشكل غير عادل في أساسه، وعندما يتم استنفاد جميع وسائل العلاج الأخرى بالتدارك، وهما الشرطين اللذان توفرا في قضية جورج ستيني.

«خوارزمية جوجل».. هل تجعلنا محركات البحث أكثر عنصرية؟

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!